مصر وتركيا والسعودية وقطر.. الدعم العسكري والسياسي الذي غيّر ميزان الحرب السودانية
منذ اندلاع الحرب السودانية، لم يكن ميزان القوة ثابتاً. فقد تغيرت السيطرة على المدن والمطارات والطرق والمواقع العسكرية عدة مرات، وكان للتكنولوجيا العسكرية والدعم الخارجي دور في إعادة تشكيل قدرات القوات المتحاربة.
وفي هذا السياق، برزت مصر وتركيا والسعودية وقطر بوصفها دولاً ذات صلات متفاوتة بالقوات المسلحة السودانية. ويختلف دور كل دولة: فمصر ارتبطت بصورة مباشرة أكثر بالحسابات الأمنية والعسكرية، وتركيا بالتكنولوجيا الدفاعية والطائرات المسيّرة، بينما ارتبطت السعودية بالوساطة والنفوذ السياسي، وقطر بعلاقات سياسية مع الجيش.
والنتيجة التي تستحق النقاش ليست أن هذه الدول قررت الحرب نيابة عن السودانيين، فهذا استنتاج لا تدعمه الوقائع، وإنما أن الدعم الخارجي ساهم في رفع قدرة أحد طرفي الحرب على الاستمرار، وهو ما يقلل الحوافز على التوصل إلى تسوية سريعة.
الجيش السوداني دخل الحرب وهو يمتلك الطيران والقوات النظامية، بينما امتلكت قوات الدعم السريع انتشاراً واسعاً وقدرات قتالية وخبرة ميدانية اكتسبتها على مدى سنوات. ومع طول الحرب، بدأ الطرفان في تطوير قدراتهما عبر الحصول على دعم خارجي.
وتشير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء إلى أن الجيش السوداني عزز قدراته الجوية منذ أواخر 2023 وبداية 2024 من خلال طائرات مسيّرة حصل عليها من تركيا وإيران، كما أشارت إلى تقارير عن حصوله على أسلحة ودعم جوي من مصر.
هذا التطور مهم لأن الحرب دخلت مرحلة جديدة. فالجيش لم يعد يعتمد فقط على الطائرات الحربية التقليدية، وإنما بات يمتلك وسائل استطلاع وضرب أرخص وأكثر مرونة.
وتبرز تركيا في هذا الجانب بصورة خاصة. فقد أشارت تقارير إلى استخدام القوات المسلحة السودانية طائرات مسيّرة تركية، كما تحدثت مصادر عن وصول طائرات “بيرقدار” عبر مصر. وفي 2026، قالت “رويترز” إن صور الأقمار الصناعية أظهرت طائرات “بيرقدار أكينجي” في قاعدة شرق العوينات المصرية، قرب الحدود السودانية.
وتنفي تركيا تقديم بعض أنواع الدعم المباشر، ولذلك يجب التمييز بين إنتاج السلاح في تركيا، وتصديره إلى دولة ثالثة، واستخدامه في السودان، وإثبات أن الحكومة التركية قدمته مباشرة إلى طرف سوداني. هذه حلقات مختلفة لا يجوز دمجها في اتهام واحد دون أدلة.
لكن المؤكد أن التكنولوجيا التركية أصبحت جزءاً من البيئة العسكرية التي تحيط بالحرب السودانية.
مصر، من جهتها، لديها دوافع أكثر وضوحاً. السودان دولة مجاورة، والحدود بين البلدين طويلة، كما أن القاهرة تنظر إلى الملف من زاوية أمن الحدود والنيل والأمن الإقليمي. لذلك فإن صعود الدعم السريع بالقرب من مناطق النفوذ المصرية يثير مخاوف استراتيجية لدى القاهرة.
وتقول “رويترز” إن مسؤولين أمنيين مصريين أقروا بصورة خاصة بتقديم دعم لوجستي وتقني للقوات المسلحة السودانية، بينما نفت القاهرة في السابق اتهامات بالتدخل العسكري المباشر. وفي فبراير/شباط 2026، اعتبرت الوكالة أن نشر طائرات مسيّرة متقدمة قرب الحدود يشير إلى انتقال مصر إلى دور عسكري أكثر انخراطاً.
لكن حتى عندما يكون للدولة دوافع أمنية مشروعة، فإن السؤال السياسي يبقى قائماً: هل يؤدي دعم أحد طرفي الحرب إلى حماية الأمن، أم يؤدي في المقابل إلى إطالة الصراع الذي ينتج بدوره تهديدات أمنية أكبر؟
هذه المفارقة تنطبق على مصر بصورة واضحة.
فالقاهرة تريد سوداناً مستقراً، لكنها ترى المؤسسة العسكرية بوصفها الشريك الأكثر ملاءمة للحفاظ على الدولة المركزية. وفي المقابل، يرى منتقدو هذا النهج أن تقوية طرف عسكري في حرب أهلية قد تؤجل الحل السياسي، خصوصاً عندما يعتقد ذلك الطرف أن بإمكانه تحسين موقعه عسكرياً قبل العودة إلى المفاوضات.
السعودية تواجه معادلة مختلفة. فهي ليست في الموقع نفسه من حيث الدعم العسكري، لكنها تملك نفوذاً سياسياً مهماً. ومنذ بداية الحرب حاولت لعب دور الوسيط، واستضافت مفاوضات جدة بالتعاون مع الولايات المتحدة.
المشكلة أن مسار جدة نفسه واجه حدوداً واضحة. فقد وقّع الطرفان تعهدات تتعلق بحماية المدنيين والمساعدات الإنسانية، لكن القتال استمر. وتشير دراسة للبرلمان الأوروبي إلى أن الالتزامات التي خرجت بها محادثات جدة في مايو ونوفمبر 2023 لم تُحترم، كما فشلت لاحقاً محاولات أخرى للتوصل إلى وقف لإطلاق النار.
وهنا يصبح النفوذ السياسي السعودي سلاحاً ذا حدين: إذا استُخدم للوساطة فقط دون فرض تكلفة على الطرف الذي يرفض التسوية، فقد لا يكون كافياً لإيقاف الحرب.
أما قطر، فإن دورها أقل وضوحاً في المجال العسكري المباشر مقارنة بمصر وتركيا. لكن عدداً من الدراسات يضعها ضمن الدول التي حافظت على علاقات داعمة للجيش السوداني. ويذكر بروكينغز أن مصر والسعودية وقطر وتركيا كانت ضمن مجموعة الدول التي دعمت القوات المسلحة السودانية، إلى جانب أطراف أخرى.
هذه الصورة تكشف مشكلة أكبر: كلما أصبح الجيش قادراً على الوصول إلى مصادر خارجية متعددة، تراجعت فعالية الضغط الداخلي وحده لإنهاء الحرب.
فالجيش يستطيع الحصول على التكنولوجيا من جهة، والدعم السياسي من جهة أخرى، والغطاء الدبلوماسي من جهة ثالثة. ولا يعني ذلك أن السعودية وقطر ومصر وتركيا تتصرف ضمن غرفة عمليات واحدة؛ لا توجد أدلة تسمح بهذا التبسيط. بل إن لكل دولة حساباتها الخاصة.
لكن النتيجة غير المقصودة يمكن أن تكون متشابهة: استمرار قدرة الجيش على القتال.
وفي المقابل، فإن قوات الدعم السريع أيضاً حصلت على دعم خارجي وشبكات إمداد، وهو ما يجعل الحرب أكثر تعقيداً. وتشير دراسات حديثة إلى أن الدعم الخارجي للطرفين هو أحد الأسباب التي جعلت الحرب تتحول إلى صراع طويل الأمد.
وهكذا لا يصبح السؤال: من الدولة التي “صنعت” الحرب؟ بل: من الذي جعل استمرار الحرب ممكناً؟
الإجابة الأكثر دقة هي أن المسؤولية موزعة بين طرفي الحرب وشبكات الدعم الخارجية، مع اختلاف كبير في نوعية وحجم مساهمة كل طرف.
ولهذا فإن أي مقاربة لإنهاء الحرب لا يمكن أن تكتفي بمطالبة السودانيين بوقف القتال. المطلوب أيضاً معالجة البيئة الخارجية التي تسمح باستمرار الحرب، بما في ذلك وقف تدفقات السلاح والتمويل واللوجستيات، وتحويل النفوذ الإقليمي من وسيلة لتقوية الأطراف إلى وسيلة لإجبارها على التفاوض.




