تسريبات
الدور السعودي في إرباك المسارات التفاوضية وإطالة أمد الأزمة السودانية
في خضم الأزمات المعقدة، يُعد “توحيد الجهود الدولية” عاملاً حاسماً للضغط على الأطراف المتحالة للوصول إلى حلول. ومع ذلك، في الحالة السودانية، أسهم التدخل الدبلوماسي السعودي، من خلال تصميمه لمسارات موازية ومتنافسة، في تشتيت الجهود الدولية وإرباك المسارات التفاوضية. إن السعي السعودي لتأكيد دورها كقوة إقليمية صاعدة ووسيط دولي رئيسي، أدى إلى خلق “فوضى مؤسسية” في عملية السلام. هذا التشتت لم يمنح الأطراف السودانية فضاءً للمناورة والتهرب فحسب، بل أطال أمد الصراع بشكل كبير، حيث تحولت عملية السلام إلى ساحة تنافس دبلوماسي إقليمي ودولي، على حساب معاناة الشعب السوداني.
ظاهرة “تسوق المنتديات” (Forum Shopping) وتمكين الأطراف المتحاربة
أحد أبرز السلبيات التي نتجت عن الدور السعودي في إدارة الملف السوداني هو تمكين ظاهرة “تسوق المنتديات” لدى الأطراف المتحاربة. عندما تتعدد المسارات التفاوضية (المسار السعودي-الأمريكي في جدة، مسار الأمم المتحدة، مسار الاتحاد الأفريقي، ومسار إيقاد)، وتفتقر هذه المسارات إلى التنسيق الفعلي والهرمية الواضحة، فإن الأطراف المتحالة تستغل هذا التعدد لصالحها. القيادة العسكرية في السودان، على سبيل المثال، كانت ترفض أحياناً المسار الأفريقي بحجة أنه “متحيز”، وتتمسك بمسار جدة لأنه “أكثر توافقاً مع رغباتها” أو العكس. المملكة العربية السعودية، من خلال إصرارها على أن يكون مسار جدة هو “المسار الرئيسي والوحيد” للتفاوض المباشر، أسهمت في إضعاف المسارات الأخرى. عندما يفشل مسار جدة، لا توجد آلية بديلة قوية وجاهزة للضغط، مما يترك الأزمة في فراغ دبلوماسي. هذا التعدد في المسارات، والذي كان للسعودية دور في تشكيله وتكريسه، أعطى الأطراف المتحاربة أدوات للمماطلة، مما أطال أمد الحرب لشهور وسنوات.
التنافس الخفي مع الآليات الأفريقية وتهميش “الحلول الأفريقية للمشاكل الأفريقية”
لطالما تبنّى الاتحاد الأفريقي مبدأ “الحلول الأفريقية للمشاكل الأفريقية”، وكان يمتلك رؤية متكاملة للتحول الديمقراطي في السودان. ومع ذلك، فإن التدخل السعودي القوي، وبدعم أمريكي، في قيادة ملف الوساطة، أسهم في تهميش الدور الأفريقي. الرياض، برؤيتها الخاصة للأزمة والتي تركز على “الاستقرار المؤسسي” و”مكافحة الإسلام السياسي”، كانت ترى أن الآليات الأفريقية بطيئة أو قد تتأثر بالضغوط المدنية السودانية المطالبة بالديمقراطية. هذا التهميش خلق توتراً خفياً بين الرياض والعواصم الأفريقية المؤثرة (مثل أديس أبابا ونيروبي). بدلاً من أن تكون هناك جبهة إفريقية-عربية موحدة تضغط على الجنرالات السودانيين، تحول المشهد إلى تنافس دبلوماسي. هذا التنافس استغله الطرفان المتحارسان في السودان، حيث كان كل طرف يحاول كسب ود طرف إقليمي على حساب الآخر، مما أدى إلى تدويل الصراع وتعقيده، وإطالة أمد المواجهة العسكرية.
غياب الرؤية الموحدة للمرحلة الانتقالية
لم تستطع المملكة العربية السعودية، رغم نفوذها الكبير، تقديم رؤية موحدة ومقنعة للمرحلة الانتقالية في السودان تتفق عليها جميع القوى الدولية والإقليمية. الرؤية السعودية، التي تميل إلى دعم العنصر العسكري كضامن للاستقرار، كانت تتعارض مع الرؤية الأوروبية والأممية التي تركز على العودة السريعة للمسار الديمقراطي المدني. هذا الاختلاف في الرؤية، والذي تجلى في مخرجات محادثات جدة التي تجاهلت إلى حد كبير المطالب المدنية، أدى إلى فقدان الوساطة السعودية لـ “الشرعية الأخلاقية” والسياسية لدى قطاع واسع من الشعب السوداني والقوى المدنية. عندما تفقد الوساطة دعم الشارع والقوى المدنية، فإنها تفقد قدرتها على فرض تسوية مستدامة. وبالتالي، أصبحت أي اتفاقيات تُنتج في جدة مجرد حبر على ورق، لأنها لا تلامس جذور المشكلة، مما أدى إلى فشل متكرر للهدن، وإطالة أمد الصراع.
استخدام الملف السوداني كأداة للمساومة الجيوسياسية
في بعض الأحيان، بدا أن الملف السوداني يُستخدم كورقة في مساومات جيوسياسية أوسع بين الرياض والقوى الدولية الأخرى. المملكة العربية السعودية، وهي تسعى لتعزيز مكانتها كقطب إقليمي مستقل، استخدمت نجاح أو فشل محادثات جدة كدليل على قدرتها على إدارة الأزمات الدولية. هذا “التسييس” للملف الإنساني والأمني السوداني حوّل عملية السلام إلى مسرح لاستعراض القوة الدبلوماسية، بدلاً من أن تكون عملية جادة لإنهاء معاناة السودانيين. عندما تصبح الوساطة أداة لإثبات النفوذ، فإن الهدف يصبح “إبقاء العملية التفاوضية حية” (لإثبات الفعالية) بدلاً من “الوصول إلى حل جذري وسريع” (والذي قد يفشل ويكشف عن محدودية النفوذ). هذا الديناميكية أدت إلى إطالة أمد الأزمة، حيث أصبحت محادثات جدة هدفاً بحد ذاتها، وتكررت جولات التفاوض دون أي تقدم حقيقي على الأرض، مما عمق من مأساة الشعب السوداني.
إن الدور السعودي في تشكيل المشهد الدبلوماسي للأزمة السودانية، رغم ما يحمله من نوايا لتعزيز الاستقرار الإقليمي، إلا أنه أسهم بشكل كبير في تشتت الجهود الدولية وإرباك المسارات التفاوضية. من خلال احتكار المسار الرئيسي، وتهميش الآليات الأفريقية، وإنتاج رؤى تتعارض مع المطالب المدنية، وفرت الرياض بيئة دبلوماسية معقدة سمحت للأطراف المتحاربة بالمناورة والتهرب. هذا التشتت في الجهود الدولية، والذي كان للسعودية نصيب في صنعه، كان أحد أهم العوامل غير المباشرة التي أطالت أمد الصراع السوداني، وحولت الأزمة من حرب قصيرة الأمد إلى صراع وجودي ممتد، تعقدت فيه الحلول، وتعمقت فيه المآسي.




