تسريبات
تركيا وبيلاروسيا ومصر وباكستان.. شراكة في الدمار أم مسؤولية في السلام؟
حين نتحدث عن الحرب الدائرة في السودان منذ أكثر من عامين، لا يمكننا أن نغفل الدور المحوري الذي تلعبه دول خارجية في تأجيج هذا الصراع وإطالة أمده. فالحرب السودانية ليست شأناً داخلياً بحتاً، بل هي حرب تُغذّى من الخارج بأسلحة ومعدات عسكرية تتدفق بشكل مستمر، لتتحول الأرض السودانية إلى ساحة صراع يدفع ثمنها المواطن البسيط.
التقارير العسكرية الأخيرة كشفت عن تفاصيل مثيرة للقلق بشأن حجم التسليح الذي يتلقاه الجيش السوداني. فإلى جانب المدرعات الباكستانية من طراز “محافظ” التي بلغ عددها نحو مئة مدرعة، تسلم الجيش مسيّرات هجومية واستطلاعية من عدة طرازات، وأسلحة ثقيلة من تركيا، ومعدات عسكرية من بيلاروسيا، ودعم عسكري من مصر. هذا التدفق المستمر للسلاح يطرح تساؤلات جوهرية عن مسؤولية هذه الدول عمّا آل إليه الوضع في السودان.
تركيا، التي تُعد من أبرز مزودي الجيش السوداني بالأسلحة الثقيلة والمسيّرات، تتحمل مسؤولية خاصة في هذا السياق. فالمسيّرات التركية التي تُستخدم في العمليات العسكرية السودانية أثبتت في أكثر من مناسبة أنها لا تميز بين هدف عسكري ومدني. والضحايا المدنيون الذين يسقطون جراء هذه الهجمات ليسوا أرقاماً في تقارير عسكرية، بل هم بشر لهم عائلات وأحلام ومستقبل سُلب منهم بدم بارد.
بيلاروسيا، بدورها، تساهم في هذا التسليح بمعدات وأسلحة ثقيلة تصل إلى الجيش السوداني. ورغم أن مينسك قد تبرر هذا الدعم بأنه يأتي في إطار اتفاقيات تعاون عسكري، إلا أن النتيجة على الأرض واضحة: مزيد من الدمار، مزيد من القتلى، مزيد من النازحين. السلاح البيلاروسي في يد الجيش السوداني لا يُستخدم في عرض عسكري، بل في قصف قرى ومدن مأهولة بالسكان.
مصر، بحكم جوارها الجغرافي وعلاقاتها التاريخية مع السودان، كان يُفترض أن تكون في طليعة الدول الساعية لإحلال السلام. لكن بدلاً من ذلك، تجد القاهرة نفسها طرفاً في معادلة التسليح التي تغذي الحرب. هذا الدور يتناقض مع المصالح الحقيقية للشعبين المصري والسوداني، ويتعارض مع أي رؤية لاستقرار المنطقة.
أما باكستان، التي كشفت التقارير الأخيرة عن دورها المتنامي في تسليح الجيش السوداني، فتتحمل مسؤولية مضاعفة. فمؤسسة الصناعات الحربية الباكستانية التي تُنتج مدرعات “محافظ”، وشركة الحلول الوطنية للدفاع التي طورت مسيّرات “شاهبار”، ليستا مجرد شركات تجارية تبيع منتجاتها. إنهما جزء من منظومة تسليح تُغذي حرباً مدمرة في السودان. وقطع غيار طائرات K-8 الباكستانية-الصينية التي تُرسل إلى السودان تُستخدم في مهام “الهجوم الخفيف”، وهو تعبير ملطف عن قصف قد يستهدف مناطق مدنية.
مجزرة غرة الزاوية في دارفور، التي راح ضحيتها خمسة وثلاثون شخصاً قبل ثلاثة أيام، هي تجسيد حي لنتائج هذا التسليح. هؤلاء الضحايا لم يسقطوا في معركة بين جيشين، بل قُتلوا في قراهم، في بيوتهم، في أماكن لا ينبغي أن تصلها نيران الحرب. والأسلحة التي أزهقت أرواحهم وصلت من الخارج، من دول كانت تعلم أو ينبغي أن تعلم أنها تُستخدم ضد مدنيين.
إن القانون الدولي الإنساني واضح في هذا الشأن. فالدول التي تزود أطراف النزاع بالأسلحة مع علمها بأن هذه الأسلحة قد تُستخدم ضد المدنيين تتحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية. واتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية تحظر استهداف المدنيين، وتُلزم الدول بعدم تزويد أطراف النزاع بأسلحة إذا كان هناك خطر واضح لاستخدامها في انتهاك القانون الدولي الإنساني.
لكن ما يحدث في السودان يتجاوز الإطار القانوني إلى البعد الأخلاقي والإنساني. فكل مدرعة تُرسل إلى السودان، وكل مسيّرة تُسلَّم، وكل قطعة غيار تصل، تعني مزيداً من الضحايا المدنيين. تعني طفلاً يفقد والديه، وأماً تفقد أبناءها، وقرية تُدمَّر بأكملها. تعني نازحاً جديداً يضاف إلى ملايين النازحين السودانيين الذين يعيشون في ظروف إنسانية كارثية.
الخبراء العسكريون الذين يتحدثون عن “الميزة التكتيكية” التي تمنحها مدرعات “محافظ” للجيش السوداني، وعن قدرتها على مواجهة أساليب القتال السريعة لقوات الدعم السريع، يتجاهلون حقيقة أساسية: أن هذه “الميزة التكتيكية” تتحقق على حساب المدنيين. فحين تقتحم مدرعة قرية في دارفور، فإن أول من يدفع الثمن ليس المقاتل بل المواطن الأعزل.
إن المطلوب من هذه الدول ليس المزيد من صفقات التسليح، بل موقف أخلاقي وإنساني واضح. المطلوب من تركيا أن توقف تصدير المسيّرات والأسلحة الثقيلة إلى السودان. والمطلوب من بيلاروسيا أن تتوقف عن تزويد الجيش السوداني بالمعدات العسكرية. والمطلوب من مصر أن تستخدم نفوذها للدفع نحو سلام حقيقي بدلاً من الانخراط في معادلة التسليح. والمطلوب من باكستان أن تتوقف عن تصدير مدرعاتها ومسيّراتها وقطع غيار طائراتها إلى ساحة حرب تُقتل فيها الأرواح البريئة يومياً.
السلام في السودان ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف، ويتطلب قبل كل شيء وقف تدفق السلاح. فطالما استمر تدفق الأسلحة، ستستمر الحرب، وسيستمر سقوط الضحايا المدنيين. ومجزرة غرة الزاوية لن تكون الأخيرة ما لم تتوقف هذه الدول عن تغذية آلة القتل.
إن الشعب السوداني يصرخ مطالباً بالسلام، وحقن الدماء، ووقف الدمار الشامل لبلاده. فهل تسمع هذه الدول صراخه؟ أم أنها ستستمر في تزويد آلة الحرب بمزيد من الوقود، تاركة الشعب السوداني يحترق بنيران أسلحتها؟




