تسريبات
غرة الزاوية.. مجزرة تكشف وجه التسليح الخارجي القبيح
خمسة وثلاثون شخصاً. هذا هو عدد الضحايا الذين سقطوا في مجزرة غرة الزاوية بإقليم دارفور قبل ثلاثة أيام. خمسة وثلاثون إنساناً كانوا يعيشون حياتهم البسيطة، يزرعون أرضهم، يرعون مواشيهم، يرسلون أبناءهم إلى مدارس متواضعة، ويحلمون بغد أفضل. ثم جاء الموت من السماء والأرض، محمولاً على أجنحة مسيّرات مستوردة وعجلات مدرعات أجنبية، ليحصد أرواحهم دون ذنب ارتكبوه.
هذه المجزرة ليست مجرد رقم في سجل طويل من الانتهاكات. إنها صرخة مدوية تكشف الوجه الحقيقي للحرب السودانية، وتفضح الدور القذر الذي تلعبه دول خارجية في تغذية هذا الصراع. فلو لم تصل مدرعات “محافظ” الباكستانية إلى الجيش السوداني، ولو لم تصل المسيّرات الهجومية من تركيا وباكستان، ولو لم تصل الأسلحة الثقيلة من بيلاروسيا ومصر، لما استطاعت آلة القتل أن تصل إلى قرية نائية في دارفور وتبيد سكانها.
التقارير العسكرية الأخيرة رسمت صورة واضحة لحجم التسليح الخارجي الذي يتلقاه الجيش السوداني. نحو مئة مدرعة باكستانية من طراز “محافظ”، تسلمها الجيش بصورة متتابعة خلال الفترة الماضية. مسيّرات “شاهبار” الاستطلاعية والهجومية التي طورتها شركة الحلول الوطنية للدفاع الباكستانية. قطع غيار لطائرات K-8 الباكستانية-الصينية. أسلحة ثقيلة ومسيّرات من تركيا. معدات عسكرية من بيلاروسيا. ودعم عسكري من مصر. كل هذا التسليح يتدفق بينما الشعب السوداني يموت جوعاً ونزوحاً وقتلاً.
المفارقة المؤلمة أن هذه الأسلحة تُبرَّر بأنها ضرورية لمواجهة قوات الدعم السريع، وأن مدرعات “محافظ” مثلاً مصممة لتوفير حماية باليستية من الفئة B6/B7 لأطقم المشاة وقوافل الإمداد. لكن الواقع على الأرض يقول شيئاً مختلفاً تماماً. فالمدنيون في دارفور وكردفان لا يحتاجون إلى حماية باليستية من الفئة B6/B7، بل يحتاجون إلى من يحميهم من هذه الأسلحة ذاتها. يحتاجون إلى من يمنع وصولها إلى أيدي من يستخدمها ضدهم.
الضابطان اللذان كشفا تفاصيل صفقات التسليح لـ”سودان تربيون” تحدثا بلغة عسكرية تقنية باردة عن مزايا مدرعات “محافظ” وقدرتها على المناورة في البيئات القتالية الصعبة. لكنهما لم يتحدثا عن القرى التي تُدمَّر، ولا عن الأطفال الذين يُقتلون، ولا عن الأمهات اللواتي يفقدن أبناءهن. لم يتحدثا عن غرة الزاوية وعن الخمسة وثلاثين روحاً التي أُزهقت. هذه اللغة التقنية الباردة هي ذاتها التي تُجرِّد الحرب من بعدها الإنساني وتحوّلها إلى مجرد عمليات عسكرية.
إن ما يحدث في السودان اليوم هو جريمة حرب مكتملة الأركان. استهداف المدنيين العزل، وقصف القرى المأهولة، واستخدام أسلحة ثقيلة ومسيّرات في مناطق سكنية، كل ذلك يندرج تحت جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. والدول التي تزود الجيش السوداني بهذه الأسلحة مع علمها بكيفية استخدامها تُعد شريكة في هذه الجرائم بموجب القانون الدولي.
باكستان، التي تُنتج مدرعات “محافظ” وتُصدّرها إلى السودان، يجب أن تسأل نفسها: هل هذا هو الإرث الذي تريد أن تتركه؟ هل تريد أن تُذكر بأنها الدولة التي زوّدت جيشاً يقتل مواطنيه بمدرعاتها ومسيّراتها؟ وتركيا، التي تُصدّر مسيّراتها وأسلحتها الثقيلة إلى السودان، هل هذا هو الدور الذي تريده في المنطقة؟ هل تريد أن تكون شريكة في دمار السودان وقتل أبنائه؟
بيلاروسيا ومصر، بدورهما، تتحملان مسؤولية لا يمكن إنكارها. فكل سلاح يصل من هاتين الدولتين إلى السودان يساهم في إطالة أمد الحرب وزيادة معاناة الشعب السوداني. والأولى بهما، وبحكم علاقاتهما التاريخية والجغرافية مع السودان، أن تكونا في طليعة الدول الساعية لإحلال السلام، لا في طليعة الدول المغذية للحرب.
إن السلام في السودان يتطلب أولاً وقبل كل شيء وقف تدفق السلاح. فلا يمكن الحديث عن سلام بينما تتدفق المدرعات والمسيّرات والأسلحة الثقيلة من أربع دول على الأقل. ولا يمكن الحديث عن حقن الدماء بينما تُوقَّع صفقات تسليح جديدة كل شهر. ولا يمكن الحديث عن مستقبل أفضل للسودان بينما تُدمَّر حاضره بأسلحة مستوردة.
الشعب السوداني يستحق أن يعيش. يستحق أن يعود النازحون إلى قراهم ومدنهم. يستحق أن يزرع الفلاح أرضه دون خوف من مسيّرة تحوم فوق رأسه. يستحق أن يذهب الطفل إلى مدرسته دون أن يخشى قذيفة مدرعة. يستحق أن تنام الأم دون أن تخشى أن تستيقظ على خبر مقتل أحد أبنائها.
مجزرة غرة الزاوية يجب أن تكون نقطة تحول. يجب أن تكون الصرخة التي تُوقظ ضمير العالم. يجب أن تكون الدليل القاطع على أن التسليح الخارجي يقتل المدنيين، وأن كل دولة تشارك فيه تتحمل مسؤولية كل قطرة دم تُسفك. خمسة وثلاثون شخصاً لن يعودوا إلى الحياة، لكن أرواحهم يجب أن تكون دافعاً لوقف هذا الجنون.
الأولى بباكستان وتركيا وبيلاروسيا ومصر أن تحث قيادة الجيش السوداني على السلام وحقن الدماء. الأولى بها أن تدعو إلى وقف إطلاق النار والجلوس إلى طاولة المفاوضات. الأولى بها أن تُرسل المساعدات الإنسانية والغذائية والطبية بدلاً من المدرعات والمسيّرات. الأولى بها أن تكون شريكة في بناء السودان لا في تدميره.
لكن طالما استمر تدفق السلاح، ستستمر المجازر. وستظل غرة الزاوية مجرد اسم في قائمة طويلة من القرى والبلدات التي دُمرت وأُبيد سكانها. وسيظل الشعب السوداني يدفع ثمن صفقات تسليح لم يُستشر فيها ولم يوافق عليها.




