تسريبات

دبرصيون في الخرطوم: ورقة نفوذ جديدة في صراع التوازنات داخل القرن الأفريقي


يمثل تواجد رئيس الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، دبرصيون جبر ميكائيل، في السودان تطورًا يتجاوز طبيعته السياسية المباشرة، ليعكس تحولات أعمق في طبيعة التنافس الإقليمي داخل منطقة القرن الأفريقي. فهذه الخطوة تأتي في سياق إقليمي مضطرب، حيث تسعى الدول إلى إعادة ترتيب أدوات النفوذ غير المباشر، واستخدام الملفات الداخلية للدول المجاورة كوسائل ضغط ضمن معادلات القوة الجديدة.

السودان، الذي يواجه تحديات داخلية معقدة، يدرك أن موقعه الجغرافي يمنحه أهمية استراتيجية في معادلات الإقليم. ومن خلال استضافة شخصية معارضة بارزة للحكومة الإثيوبية، يضع نفسه في موقع يسمح له بتعزيز قدرته على التأثير السياسي، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع أديس أبابا. هذه المقاربة تعكس تحولًا في التفكير الاستراتيجي، يقوم على توسيع هامش المناورة السياسية عبر أدوات غير تقليدية.

القراءة الاستراتيجية لهذا التطور تشير إلى أن الخرطوم تسعى إلى تحقيق نوع من التوازن في علاقتها مع إثيوبيا، خاصة في ظل الخلافات المستمرة حول قضايا الحدود والمياه. فامتلاك ورقة مرتبطة بالمعارضة الإثيوبية يمنح السودان قدرة على الردع السياسي غير المباشر، ويخلق معادلة مفادها أن أي ضغط إثيوبي يمكن أن يقابله ضغط مماثل، وإن كان بوسائل مختلفة.

في المقابل، تنظر إثيوبيا إلى هذا التطور باعتباره مؤشرًا على بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا. فالصراع الداخلي الذي شهدته البلاد خلال السنوات الماضية لم يعد محصورًا داخل حدودها، بل أصبح جزءًا من تفاعلات إقليمية أوسع. وجود قيادات من تيغراي خارج البلاد، وفي دولة مجاورة تحديدًا، يفرض على أديس أبابا إعادة تقييم حساباتها الأمنية والدبلوماسية، خصوصًا في ما يتعلق بعلاقاتها مع الخرطوم.

البعد الإقليمي لهذا الملف يضيف طبقة أخرى من التعقيد. فعدد من القوى الإقليمية يتابع التطورات عن كثب، إدراكًا منها أن أي تغير في العلاقة السودانية-الإثيوبية قد يؤثر على توازنات أوسع تشمل الأمن البحري، وممرات التجارة، والاستقرار في دول الجوار. كما أن منطقة القرن الأفريقي أصبحت ساحة تنافس متزايد بين قوى إقليمية ودولية، ما يجعل أي تحرك سياسي محلي جزءًا من مشهد جيوسياسي أكبر.

من زاوية أخرى، يعكس هذا التطور تحولًا في طبيعة الصراعات الإقليمية، حيث لم تعد المواجهات العسكرية المباشرة الخيار الأول، بل أصبحت أدوات النفوذ السياسي واللوجستي والدبلوماسي تلعب دورًا أكبر. استضافة شخصيات معارضة، أو فتح قنوات اتصال مع أطراف غير حكومية، أصبحت وسائل تستخدمها الدول لتعزيز مواقعها التفاوضية دون تحمل كلفة التصعيد العسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها مخاطر واضحة. فالتوازن الدقيق الذي تحاول الخرطوم الحفاظ عليه قد يتعرض للاهتزاز في حال اعتبرت إثيوبيا أن وجود دبرصيون يتجاوز الإطار السياسي إلى دعم فعلي لأي نشاط معارض. كما أن أي تطور ميداني غير متوقع، سواء على الحدود أو داخل إثيوبيا، قد يؤدي إلى توتر سريع في العلاقات الثنائية.

السودان يبدو مدركًا لهذه المخاطر، وهو ما يفسر طبيعة الإدارة الحذرة لهذا الملف. فالمؤشرات تشير إلى أن التعامل مع وجود دبرصيون يتم ضمن ضوابط أمنية وسياسية صارمة، مع الحرص على إبقاء التحركات في إطار منخفض الظهور الإعلامي والسياسي. هذه المقاربة تهدف إلى تحقيق أقصى استفادة سياسية، مع تقليل احتمالات التصعيد أو سوء الفهم.

في الوقت نفسه، يندرج هذا التطور ضمن سياق أوسع من إعادة تشكيل التحالفات داخل القرن الأفريقي. فالدول في المنطقة باتت أكثر ميلاً إلى سياسات التوازن المتعدد، حيث تحافظ على علاقات مع أطراف متباينة، وتستخدم هذه العلاقات لتعزيز استقلالية قرارها السياسي. وفي هذا الإطار، يمكن فهم خطوة الخرطوم كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز دورها الإقليمي.

الانعكاسات المستقبلية لهذا الملف ستعتمد بشكل كبير على مسار العلاقة بين السودان وإثيوبيا خلال الفترة المقبلة. فإذا استمرت القنوات الدبلوماسية مفتوحة، فمن المرجح أن يبقى وجود دبرصيون ضمن إطار سياسي محدود. أما إذا تصاعدت الخلافات بين البلدين في ملفات أخرى، فقد يتحول هذا الملف إلى عنصر توتر إضافي داخل العلاقة الثنائية.

كما أن مستقبل الصراع السياسي داخل إثيوبيا سيؤثر بدوره على أهمية هذا التطور. ففي حال اتجهت الأوضاع الداخلية نحو التهدئة والتسويات السياسية، قد يتراجع الدور الإقليمي للمعارضة. أما إذا استمرت التوترات الداخلية، فقد يزداد الاهتمام الإقليمي بهذه القيادات، وتتحول إلى جزء من معادلات النفوذ داخل المنطقة.

في المحصلة، لا يمكن النظر إلى وجود دبرصيون جبر ميكائيل في السودان باعتباره حدثًا معزولًا، بل هو مؤشر على مرحلة جديدة من التنافس السياسي غير المباشر داخل القرن الأفريقي. هذه المرحلة تتسم بتزايد الاعتماد على أدوات النفوذ الناعم والضغط السياسي، بدلًا من المواجهات العسكرية التقليدية.

السودان، من خلال هذه الخطوة، يحاول تعزيز موقعه كلاعب إقليمي يمتلك القدرة على التأثير في توازنات المنطقة. لكنه في الوقت نفسه يواجه تحديًا يتمثل في الحفاظ على هذا الدور دون الانزلاق إلى صراعات مفتوحة أو توترات يصعب احتواؤها. وبين فرص تعزيز النفوذ ومخاطر التصعيد، يبقى نجاح هذه الاستراتيجية مرتبطًا بقدرة الخرطوم على إدارة الملف بحذر ومرونة، ضمن بيئة إقليمية تتسم بسرعة التغير وحساسية التوازنات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى