زيارة دبرصيون للسودان: سيناريوهات محتملة لتصعيد الصراع الإقليمي
أثارت زيارة رئيس الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، دبرصيون جبر ميكائيل، إلى السودان جدلاً واسعًا على المستويين السياسي والاستراتيجي، إذ يرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثل نقطة محورية في إعادة رسم التوازنات الإقليمية في القرن الأفريقي. فوجود قيادات المعارضة الإثيوبية على الأراضي السودانية ليس حدثًا اعتياديًا، بل مؤشر على تحولات محتملة قد تؤثر على مسار العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا، وعلى طبيعة النزاعات الحدودية التي تشهدها المنطقة منذ سنوات.
من منظور استراتيجي، تبرز عدة أبعاد لهذه الزيارة، أهمها البعد العسكري والأمني. فالجبهة الشعبية لتحرير تيغراي تمتلك خبرة قتالية كبيرة وقدرة على تنفيذ عمليات معقدة داخل إثيوبيا، وهو ما يطرح سؤالًا حول ما إذا كانت الخرطوم ستسمح باستخدام أراضيها كنقطة انطلاق لتحركات محتملة، أو إذا كانت الزيارة ستظل ضمن تنسيق سياسي ودبلوماسي بحت. وفي كل الأحوال، فإن مجرد وجود قيادات مسلحة خارج حدود إثيوبيا يفرض تحديات أمنية واضحة على السودان، خصوصًا في المناطق الحدودية الشمالية الشرقية التي شهدت في الماضي مواجهات محدودة.
تحليل السيناريوهات المستقبلية يشير إلى ثلاثة مسارات رئيسية يمكن أن تتخذها الخرطوم في التعامل مع الملف:
-
استراتيجية الاحتواء والتفاوض: في هذا السيناريو، يدير السودان الملف بحذر شديد، مع التركيز على التواصل الدبلوماسي مع الحكومة الإثيوبية ومنع أي تصعيد عسكري مباشر. يمكن أن يشمل ذلك مراقبة تحركات تيغراي داخل الحدود السودانية، مع تعزيز التنسيق الأمني لمنع أي تجاوزات.
-
استراتيجية الضغط السياسي المحدود: في هذا الإطار، قد يستخدم السودان وجود قيادات تيغراي كورقة ضغط ضمن مفاوضات ثنائية وإقليمية، مثل ملفات الحدود والمياه والتحالفات الإقليمية، دون الانخراط في مواجهات مباشرة. هذا السيناريو يسمح للخرطوم بتحقيق مكاسب استراتيجية دون المخاطرة بصراع مفتوح.
-
تصعيد محتمل محدود أو غير مباشر: وهو السيناريو الأكثر خطورة، إذ يمكن لأي سوء تقدير أو تحرك عسكري أن يؤدي إلى مواجهة بين القوات السودانية والإثيوبية، مع مخاطر عالية على الأمن والاستقرار الإقليمي. هذا المسار سيكون مكلفًا للغاية، على الصعيدين العسكري والسياسي، ولن يكون في مصلحة أي من الطرفين.
من الناحية الإقليمية، يعكس وجود دبرصيون في السودان رغبة بعض الأطراف في إعادة ترتيب موازين القوى في القرن الأفريقي. فدول مثل مصر والإمارات والسعودية قد ترى في هذا التحرك أداة لضمان مصالحها الاستراتيجية، سواء عبر دعم السودان دبلوماسيًا أو عبر التنسيق مع المعارضة الإثيوبية لتحقيق أهداف محددة. ويظهر هذا أن السودان لم يعد مجرد دولة حدودية، بل أصبح لاعبًا محوريًا في السياسة الإقليمية، قادراً على التأثير في التوازنات الكبيرة خارج حدوده.
الجانب الداخلي للخرطوم يحمل بدوره تحديات كبيرة. فاستضافة قيادات مسلحة لدولة مجاورة قد يؤدي إلى توترات أمنية داخلية، خصوصًا في المناطق الحدودية، ويضع السلطات أمام مسؤوليات كبيرة لضمان عدم حدوث أي خروقات. وفي هذا السياق، تشير التقارير إلى أن الخرطوم تعتمد على خطة مراقبة دقيقة، تشمل التنسيق مع السلطات المحلية والجيش والأجهزة الأمنية، لتجنب أي مواجهة محتملة مع القوات الإثيوبية.
من جهة أخرى، يطرح التحرك تساؤلات حول المستقبل السياسي لإقليم تيغراي في إثيوبيا. فالوجود خارج البلاد يعزز قدرة القيادات المعارضة على التفاوض داخليًا ويزيد من الضغط على الحكومة المركزية، خصوصًا في ظل استمرار النزاع على السلطة والسيطرة على المناطق الحيوية. السودان هنا يصبح لاعبًا مؤثرًا، قادرًا على تعديل موازين القوى عبر توفير بيئة آمنة للقيادات الإثيوبية المعارضة، ما يعزز نفوذ الخرطوم الإقليمي ويمنحه ورقة قوية في المفاوضات مع القوى الإقليمية.
تقييم المحللين يشير إلى أن السودان يسعى لتحقيق توازن دقيق بين استغلال الفرص السياسية وحماية مصالحه الوطنية. فإدارة الملف بشكل غير محسوب قد تؤدي إلى تصعيد واسع، يؤثر على الاستقرار الحدودي الداخلي، وعلى مكانة السودان الإقليمية والدولية. أما الإدارة الحكيمة للملف، مع الحفاظ على قنوات دبلوماسية مفتوحة مع أديس أبابا، فتمثل فرصة لتعزيز دور الخرطوم كلاعب محوري في المنطقة.
في الختام، يمكن القول إن زيارة دبرصيون جبر ميكائيل إلى السودان تمثل اختبارًا استراتيجيًا معقدًا للخرطوم. فهي تجمع بين أبعاد سياسية وأمنية وعسكرية وإقليمية، وتضع البلاد في قلب المشهد الإقليمي المتقلب للقرن الأفريقي. وبينما يبقى السيناريو الأكثر احتمالًا هو تبني السودان لاستراتيجية احتواء وتحقيق مكاسب سياسية محدودة، فإن أي خطأ في التقدير قد يؤدي إلى تصعيد غير محسوب، ما يجعل المنطقة بأسرها على أهبة الاستعداد للتغيرات القادمة، ويؤكد أن السودان أصبح لاعبًا رئيسيًا في الحسابات الاستراتيجية الإقليمية.




