تسريبات
مناوي يتهم البرهان بالتنازل عن دارفور: صراع الروايات حول مستقبل الإقليم المنكوب
في تصعيد لافت يعكس عمق الأزمة بين الحركات المسلحة والمؤسسة العسكرية في السودان، وجه مني أركو مناوي اتهاماً صريحاً للفريق أول عبد الفتاح البرهان والجيش بالتنازل عن قضية دارفور في مسارات الحل المقترحة لمعالجة الأزمة السودانية. هذا الاتهام، الذي يحمل في طياته أبعاداً سياسية واستراتيجية عميقة، يفتح ملفاً حساساً ظل مسكوتاً عنه طويلاً: ما هو مستقبل دارفور في أي تسوية سياسية قادمة؟ وهل هناك فعلاً توجه لتهميش قضية الإقليم في خضم البحث عن حل للأزمة الوطنية الشاملة؟
اتهام مناوي يستند إلى عدة مؤشرات يراها دليلاً على هذا التنازل. أولاً، المسارات السياسية المطروحة حالياً لمعالجة الأزمة تركز بشكل أساسي على وقف إطلاق النار بين الجيش وقوات الدعم السريع، وعلى ترتيبات الحكم الانتقالي، دون تخصيص مساحة كافية لقضية دارفور خصوصاً وقضايا الأطراف عموماً. ثانياً، هناك حديث متزايد عن حلول مركزية تتعامل مع السودان ككتلة واحدة، متجاهلة الخصوصيات الإقليمية والتاريخية التي جعلت من دارفور قضية قائمة بذاتها. ثالثاً، استبعاد الحركات المسلحة من المشهد السياسي يعني عملياً استبعاد صوت دارفور من أي حوار حول مستقبل السودان.
لكن هل هذه الاتهامات مبررة بالكامل؟ هنا تتباين الآراء. فمؤيدو الجيش يرون أن القضية السودانية لا يمكن تجزئتها، وأن أي حل يجب أن يكون شاملاً يعالج جذور الأزمة في كل أنحاء السودان، لا في دارفور فقط. ويضيفون أن التركيز المفرط على قضية دارفور على حساب القضايا الأخرى قد يؤدي إلى تفتيت الجهود وإطالة أمد الأزمة. كما يشيرون إلى أن الحرب الراهنة جعلت من الصعب التعامل مع قضايا محددة بمعزل عن السياق العام.
في المقابل، يرى أنصار مناوي أن قضية دارفور ليست مجرد قضية محلية يمكن تذويبها في إطار وطني عام. فهي قضية لها جذور تاريخية عميقة تمتد لعقود من التهميش والإقصاء والعنف المنظم. هناك ملايين النازحين واللاجئين الذين ينتظرون العودة إلى ديارهم، وهناك قضايا عدالة انتقالية لا يمكن القفز عليها، وهناك حقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية يجب أن تُصان في أي تسوية. تذويب هذه القضية في إطار عام يعني، في نظرهم، تكريس الظلم وإفلات الجناة من العقاب.
البعد الإقليمي لاتهامات مناوي لا يقل أهمية عن البعد الداخلي. فدارفور تقع على حدود حساسة مع تشاد وأفريقيا الوسطى وليبيا، وأي حل لا يراعي هذا البعد الإقليمي قد يكون ناقصاً. كما أن هناك أطرافاً إقليمية لها مصالح مباشرة في دارفور، واستبعاد الحركات المسلحة من المشهد قد يفتح المجال أمام هذه الأطراف للتدخل بشكل أكبر، مما يعقد الأزمة بدلاً من حلها.
اللافت أن اتهامات مناوي تأتي في وقت يشهد فيه إقليم دارفور تدهوراً إنسانياً كارثياً. فالحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع فاقمت من معاناة السكان، وزادت من أعداد النازحين، ودمرت ما تبقى من بنية تحتية. في هذا السياق، يبدو أي حديث عن تسوية سياسية لا تعالج بشكل جذري أزمة دارفور حديثاً مجتزأ وغير مكتمل.
مناوي، في اتهاماته، يحاول أيضاً إعادة وضع قضية دارفور في صدارة الأجندة الوطنية والدولية. فهو يدرك أن الأضواء مسلطة حالياً على الحرب بين الجيش والدعم السريع، وأن قضية دارفور تكاد تغيب عن الاهتمام الإعلامي والسياسي. اتهاماته تهدف إلى كسر هذا الصمت وإعادة القضية إلى الواجهة، حتى لا تُنسى في زحام الأحداث.
لكن هناك أيضاً بعداً شخصياً وسياسياً في هذه الاتهامات. فمناوي، الذي يجد نفسه مستبعداً من المشهد السياسي، يستخدم قضية دارفور كورقة ضغط ومصدر شرعية. فهو يقدم نفسه كمدافع عن حقوق أهل دارفور في مواجهة جيش يريد تهميشهم. هذا التموضع يمنحه شرعية شعبية في الإقليم، ويجعل من الصعب على البرهان تجاوزه دون أن يبدو وكأنه يتجاهل قضية دارفور.
المفارقة المؤلمة في كل هذا هي أن أهل دارفور، الذين يفترض أنهم المستفيدون من هذا الصراع بين مناوي والبرهان، هم في الواقع أكبر الخاسرين. فبينما يتصارع الرجلان على المناصب والأدوار السياسية، يعاني ملايين الدارفوريين من الجوع والمرض والنزوح. قراهم مدمرة، وأراضيهم منهوبة، وأحلامهم في العودة والعيش الكريم تتبخر يوماً بعد يوم.
في المحصلة، اتهامات مناوي للبرهان بالتنازل عن قضية دارفور، سواء كانت صحيحة بالكامل أو جزئياً، تسلط الضوء على إشكالية حقيقية في مقاربة الأزمة السودانية. فأي حل لا يعالج بشكل جذري قضايا الأطراف، وعلى رأسها قضية دارفور، لن يكون حلاً مستداماً. السودان لا يمكن أن يستقر إذا ظل مركزه يتعامل مع أطرافه بمنطق الإقصاء والتهميش. المستقبل يتطلب رؤية شاملة تعترف بخصوصية كل إقليم وتحترم حقوق كل مكون، وإلا فإن دورة العنف ستستمر، وسيبقى دارفور جرحاً نازفاً في جسد الوطن.




