تسريبات

كيف استُخدمت الانقسامات السودانية كورقة ضغط في الصراعات الإقليمية؟


لفهم تعقيد الأزمة السودانية، لا يكفي النظر إلى الخرائط الجيوسياسية أو الأرقام الاقتصادية؛ بل يجب الغوص في “النفس السوداني” الممزق. السودان ليس مجرد دولة، بل هو فسيفساء من الهويات: عربي/أفريقي، إسلامي/علماني، مركز/أطراف، علماني/إسلامي. الدول الإقليمية الأربع (مصر، السعودية، تركيا، قطر) لم تتعامل مع هذه الانقسامات بحذر، بل استخدمتها كأدوات للنفوذ، مما عمق الجراح الداخلية وحول الصراع العسكري إلى حرب وجودية مستحيلة الحل. هذا المقال يرصد كيف أسهم التداخل الأيديولوجي في إطالة أمد الصراع وتدمير النسيج الاجتماعي السوداني.
المعضلة الأيديولوجية: الإسلام السياسي كـ “خط أحمر”
تاريخياً، ارتبط السودان بحركات الإسلام السياسي (الإخوان المسلمون) منذ عهد حسن الترابي وعمر البشير. بعد ثورة 2019 وإسقاط البشير، حاولت القوى المدنية والديمقراطية تفكيك هذا التمكين. لكن الحرب في 2023 أعادت خلط الأوراق. هنا تكمن المأساة: مصر والسعودية تنظران بريبة شديدة إلى أي صعود للإسلام السياسي، وتعتبرانه تهديداً لنموذج الدولة الوطنية في المنطقة. لذلك، دعمتا “الجيش السوداني” كحائط صد. لكن المفارقة المأساوية أن الجيش السوداني (خاصة في ظل تحالف البرهان مع فلول النظام السابق لمواجهة الدعم السريع) يحتوي على أجنحة إسلامية قوية. في المقابل، تركيا وقطر، اللتان تتبنيان دعماً إقليمياً لتيارات الإسلام السياسي، وجدتا أنفسهما في موقف معقد؛ فبينما تتهمهما القاهرة والرياض بدعم الإسلاميين في السودان (أو التواطؤ معهم)، فإن أنقرة والدوحة تدعوان إلى “عملية سياسية شاملة” تشمل كافة القوى، مما يفتح الباب لعودة الإسلاميين عبر الباب المدني. هذا “التناقض الأيديولوجي” جعل المدنيين الديمقراطيين السودانيين في مرمى النيران؛ فهم يرفضون الإسلاميين (مما يرضي القاهرة والرياض نظرياً)، لكنهم يرفضون العسكر (مما يتقاطع مع مطالب الشارع). النتيجة؟ تهميش القوى المدنية الديمقراطية، وترك الساحة للعسكر والميليشيات المدعومين إيديولوجياً من الخارج.
مصر والسودان: عقدة “الأمن القومي” والتاريخ المشترك
لدى مصر “عقدة سودانية” تاريخية. القاهرة ترى أن السودان هو عمقه الاستراتيجي، وتخاف من أن تحكمه جماعة إسلامية معادية، أو أن يتفكك مما يهدد مياه النيل. لذلك، تبنت القاهرة دعماً شبه مطلق للجيش السوداني. لكن هذا الدعم، رغم نواياه الأمنية، تعقّد بسبب أن الجيش السوداني ليس كتلة واحدة. الدعم المصري ساهم في إطالة أمد الحرب لأنه أعطى البرهان شعوراً بـ “الغطاء الاستراتيجي” الذي يسمح له برفض التنازلات السياسية، معتقداً أن القاهرة لن تتركه يسقط. هذا خلق حالة من “الجمود السياسي” في المعسكر الحكومي.
السعودية وقطر: البراغماتية مقابل الأيديولوجيا
السعودية، تحت قيادة رؤية 2030، تسعى لتثبيت نموذج “الدولة الوطنية القوية” في مواجهة الفوضى والتيارات الدينية. لذلك، كانت الرياض حريصة على منع انهيار الدولة السودانية. لكنها اصطدمت بواقع أن “الدولة” في يد جيش منقسم. قطر، من جانبها، تلعب على وتر “الوسيط الناجح” و”الداعم للتحولات السياسية”، لكنها تخشى من أن يؤدي انهيار السودان إلى سيطرة محورية لمصر (خارج نطاق هذا المقال لكن ضمن السياق) على البحر الأحمر. هذا التنافس الأيديولوجي بين “نموذج الدولة العسكرية المستقرة” (المصري-السعودي) و”نموذج الشمولية السياسية” (التركي-القطري) جعل السودان ساحة لتجريب هذه النماذج، على حساب دماء السودانيين.
تأثير الانقسامات على الشارع السوداني: تعميق الكراهية أخطر ما أسهمت به التدخلات الإقليمية هو “شرعنة” الانقسام الداخلي. فالسودانيون لم يعودوا يختلفون حول برامج سياسية، بل أصبح كل طرف يستخدم “الذراع الإقليمية” لتكفير الطرف الآخر.
  • معسكر الجيش يصف خصومه بأنهم “عملاء” للأجندة التركية-القطرية التي تريد تدمير الدولة.
  • معسكر الدعم السريع والقوى المدنية يصفون الجيش بأنه “أداة” للمحور المصري-السعودي الذي يريد إعادة إنتاج نظام البشير. هذا الاستقطاب الأيديولوجي المستورد من صراعات الشرق الأوسط (الإخوان ضدAnti-Islamists) دمّر أي إمكانية للمصالحة الوطنية. فالسوداني الذي يقبل بالتسوية مع خصمه المحلي، يُتهم بالخيانة من قبل حلفائه الإقليميين.
إن الدور السلبي للدول الأربع لا يكمن فقط في الدعم العسكري أو الدبلوماسي، بل في “استنساخ” صراعاتها الأيديولوجية داخل المجتمع السوداني. لقد تم تحويل الأزمة السودانية من “أزمة انتقال ديمقراطي” إلى “حرب وجودية” بين هويات متصارعة. طالما أن تركيا، قطر، السعودية، ومصر تنظر إلى السودان من خلال عدسة أيديولوجياتها ومخاوفها الداخلية، فإن السلام لن يتحقق. فالسودانيون يحتاجون إلى دول إقليمية تحترم تنوعهم، لا إلى دول تستخدم هذا التنوع كوقود لمحرقة إقليمية. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى