تسريبات
الأبعاد الخفية للدعم الإقليمي واستمرار آلة القتل في السودان
الحروب الحديثة لا تُحسم فقط بالسلاح والرجال، بل بالمال واللوجستيات. الأزمة السودانية، التي دخلت عامها الثالث، لم تكن لتستمر كل هذه المدة لولا “الاقتصاد السياسي” المعقد الذي يحيط بها، والذي تتشابك فيه المصالح الاقتصادية لدول الجوار والخليج. هذا المقال يغوص في الأعماق المظلمة للصراع، ليكشف كيف أسهمت الشبكات الاقتصادية واللوجستية الممتدة بين السودان وتركيا، قطر، السعودية، ومصر في تعقيد المشهد، وتحويل الحرب إلى “نظام بيئي” قائم بذاته، يصعب تجويعه أو إيقافه.
الذهب، التهريب، وشبكات التمويل
يعد السودان من أكبر منتجي الذهب في أفريقيا، وتقع معظم المناجم في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع (خاصة في دارفور). هذا الذهب لا يبقى في السودان؛ بل يتم تهريبه عبر شبكات معقدة تصل إلى أسواق في دول الجوار، ومنها إلى الأسواق العالمية. هنا تكمن التعقيدات: فأي محاولة من قبل الجيش السوداني للسيطرة على هذه المناجم تصطدم بشبكات تهريب إقليمية ودولية. في المقابل، يسيطر الجيش على الموانئ (بورتسودان) والبنك المركزي والموارد الزراعية. الدول الإقليمية لها مصالح في كلا الجانبين. السعودية ومصر لهما استثمارات زراعية وطموحات في موانئ البحر الأحمر، مما يجعلهما مضطرتين للتعامل مع الأمر الواقع (الجيش)، بينما تفتح الفوضى في الغرب السوداني أبواباً لشبكات لوجستية تستفيد منها أطراف إقليمية أخرى. هذا “التكافل الاقتصادي” بين أطراف الحرب وشبكات إقليمية جعل الحرب “مربحة” لفئات واسعة، مما يقلل من الحافز الداخلي والإقليمي لإنهائها.
اللوجستيات العسكرية: الطائرات المسيرة وشبكات الإمداد
رغم الحظر الدولي والسرية التي تحيط بتوريد الأسلحة، إلا أن تقارير أممية متعددة أكدت تدفق أسلحة ومسيّرات إلى طرفي الصراع عبر حدود تشاد وليبيا. هنا يبرز دور تركيا كقوة إقليمية مصنعة للطائرات المسيرة (بيرقدار). رغم أن أنكارا تنفي رسمياً دعم أي طرف، إلا أن وجود تقنيات تركية (أو تقنيات مستوحاة منها) في ساحة الصراع، وتقاطع المصالح التجارية واللوجستية بين شركات تركية وأطراف في المنطقة، يخلق حالة من “التوتر اللوجستي”. مصر والسعودية، من جانبهما، تعملان على تعزيز القدرات الاستخباراتية واللوجستية للجيش السوداني عبر قنوات غير مباشرة أو عبر توفير غطاء جوي واستخباراتي في البحر الأحمر. هذا “التسليح غير المباشر” أو “تسهيل سلاسل الإمداد” يعني أن أي طرف يقترب من الانهيار المالي أو اللوجستي، يجد من يسد له الثغرة عبر شبكات تهريب إقليمية، مما يطيل أمد المعارك.
الموانئ والزراعة: رهائن الصراع
السعودية ومصر تنظران إلى السودان كسلة غذاء ومستقبل للأمن الغذائي العربي. لكن الحرب دمرت البنية التحتية. التعقيد هنا يكمن في أن أطراف الصراع يستخدمون “الاستثمارات الأجنبية” كورقة ضغط. فالجيش يمنح امتيازات لشركات سعودية ومصرية في البحر الأحمر مقابل دعم سياسي، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على طرق التهريب التي تضر بمصالح هذه الدول. تركيا وقطر، اللتان تمتلكان نفوذاً تجارياً ولوجستياً واسعاً في أفريقيا، تحاولان الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع كافة الأطراف لضمان عدم خسارة حصصهما في مرحلة “إعادة الإعمار” ما بعد الحرب. هذا الموقف “البراغماتي” للدول الأربع يعني أن لا أحد يريد انهياراً تاماً للدولة السودانية، لكن لا أحد يريد أيضاً نصراً حاسماً لطرف قد يلغي عقود ومصالح الطرف الآخر.
العملة والاقتصاد الموازي
أطال الصراع أمدانه بسبب انهيار العملة وتعدد مراكز القوة الاقتصادية. شبكات الصرافة وتهريب الدولار عبر الحدود (إلى مصر، تشاد، إثيوبيا، ودول الخليج عبر شركات تحويل) أصبحت جزءاً من اقتصاد الحرب. الدول الإقليمية، بوعي أو بدون وعي، تتأثر بهذه التدفقات. فمصر مثلاً تعاني من تهريب السلع والبضائع عبر حدودها، والسعودية تتأثر بتقلبات أمن البحر الأحمر. لكن بدلاً من إغلاق هذه الشرايين بشكل حاسم، تتعامل الدول معها كـ “صمامات أمان” للتعامل مع الأطراف السودانية، مما يغذي اقتصاد الحرب.
إن الأبعاد الاقتصادية واللوجستية للصراع السوداني تكشف حقيقة مأساوية: الحرب في السودان أصبحت “صناعة”. إن تداخل المصالح الاقتصادية، وشبكات التهريب، والامتيازات الممنوحة للشركات الإقليمية، خلق طبقة من المستفيدين داخل السودان وخارجه. طالما أن تركيا، قطر، السعودية، ومصر تتعامل مع السودان كـ “سوق” للمصالح واللوجستيات، وطالما أن أطراف الصراع يمولون حربهم عبر شبكات إقليمية، فإن مسارات السلام ستظل حبراً على ورق، وسيستمر السودانيون في دفع ثمن “اقتصاد الحرب” بدمائهم.




