كيف أصبحت شبكات الدعم الخارجية جزءاً من اقتصاد الحرب
لم يعد استمرار الحرب السودانية مرتبطاً فقط بقدرة القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع على القتال داخل المدن والأقاليم، وإنما أصبح مرتبطاً أيضاً بمنظومة واسعة من المال والسلاح والموارد والعلاقات الخارجية التي تمنح الطرفين القدرة على الاستمرار. فالحرب التي بدأت في أبريل 2023 تحولت تدريجياً إلى اقتصاد قائم بذاته، تتداخل فيه الموارد الطبيعية مع التجارة الحدودية، وتتحول فيه المساعدات والعلاقات السياسية والصفقات العسكرية إلى عناصر تؤثر في ميزان القوة. ولهذا فإن الحديث عن التدخلات الخارجية في السودان لا ينبغي أن يقتصر على السؤال التقليدي: من يرسل السلاح؟ بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر عمقاً: من يوفر المال الذي يشتري السلاح، ومن يوفر الطرق التي يصل عبرها، ومن يمنح الغطاء السياسي الذي يسمح باستمرار الحرب؟ وتشير تحليلات حديثة إلى أن الدعم الخارجي المالي والعسكري والسياسي أصبح عاملاً رئيسياً في قدرة أطراف الصراع على مواصلة القتال، حتى بعد دخول الحرب عامها الرابع.
منذ الأيام الأولى للحرب، كان واضحاً أن امتلاك السلاح وحده لن يحسم المعركة بسرعة. فالجيش السوداني يمتلك سلاح الجو والمدفعية ومؤسسات الدولة الرسمية، بينما تمتلك قوات الدعم السريع خبرة كبيرة في الحرب البرية وشبكات انتشار واسعة في دارفور ومناطق أخرى. ومع تحول المعارك إلى حرب طويلة، بدأ كل طرف يبحث عن مصادر إضافية تمكنه من تعويض الخسائر والحفاظ على خطوط الإمداد. وهنا أصبح الخارج جزءاً من المعادلة. فالسلاح يمكن أن يأتي عبر صفقات رسمية أو شبكات غير رسمية، والوقود يمكن أن يعبر الحدود، والمال يمكن أن يتحرك عبر التجارة والذهب، والمعلومات والتكنولوجيا العسكرية يمكن أن تأتي من دول تمتلك خبرات متقدمة. وهكذا أصبحت الحرب السودانية أقرب إلى منظومة إقليمية متكاملة، لا إلى مواجهة داخلية مغلقة.
السلاح أولاً
السلاح هو العنصر الأكثر وضوحاً في التدخل الخارجي. فمن دون الذخائر والطائرات والمسيّرات وقطع الغيار والوقود، يصعب على أي جيش أو قوة شبه عسكرية أن يخوض حرباً طويلة بهذا الحجم. ومع استمرار المعارك، ظهرت تقارير متعددة حول حصول القوات المسلحة السودانية على دعم عسكري من دول مختلفة، من بينها مصر وتركيا وإيران، بينما ارتبطت قوات الدعم السريع بشبكات دعم إقليمية مختلفة. وتشير مصادر بحثية إلى أن الجيش السوداني استفاد من الدعم العسكري التركي والإيراني، إضافة إلى علاقاته مع مصر، بينما حافظت روسيا أيضاً على مصالح وعلاقات مع أطراف مختلفة في السودان.
لكن السلاح الذي غير طبيعة الحرب بصورة متزايدة هو الطائرات المسيرة. فقد أصبحت المسيّرات جزءاً مركزياً من المعارك، ووفرت للأطراف قدرة على ضرب مواقع بعيدة من دون المخاطرة بالطائرات المأهولة أو القوات البرية بنفس الدرجة. وتظهر التقارير الحديثة أن القوات المسلحة السودانية استخدمت طائرات مسيرة تركية وإيرانية، بينما طورت قوات الدعم السريع أيضاً قدراتها في هذا المجال عبر شبكات مختلفة. وفي عام 2026، أصبح استخدام المسيّرات أحد أخطر عناصر الحرب بالنسبة إلى المدنيين، إلى درجة أن الأمم المتحدة حذرت من تصاعد استخدامها ضد السكان والمنشآت المدنية.
وهنا تظهر مشكلة خطيرة: عندما يحصل طرف في حرب داخلية على تكنولوجيا عسكرية متطورة، فإن النتيجة لا تكون بالضرورة اقتراباً من الحسم، بل قد تكون العكس تماماً. فالقدرة الجديدة تمنح الطرف أملاً في تحسين موقعه العسكري، وتجعله أقل استعداداً لتقديم تنازلات سياسية. وإذا حصل الطرف المقابل بدوره على سلاح جديد من جهة أخرى، تبدأ حلقة متواصلة من التصعيد: كل تطور عسكري يولد رداً عسكرياً، وكل دعم خارجي لطرف يدفع داعمي الطرف الآخر إلى زيادة تدخلهم.
وهكذا تتحول الحرب إلى سباق تسلح مفتوح. الجيش يحصل على المسيّرات والمعدات والتكنولوجيا، والدعم السريع يبحث عن وسائل مضادة، ثم يحاول الجيش تطوير قدراته مرة أخرى. وفي هذه الحلقة يصبح المدنيون هم الحلقة الأضعف، لأن التكنولوجيا العسكرية التي تصل إلى الميدان لا تستخدم في فراغ، بل داخل مدن مكتظة وقرى ومناطق يعيش فيها ملايين المدنيين.
مصر وتركيا وإيران
تختلف أشكال الدعم الذي حصلت عليه القوات المسلحة السودانية باختلاف الدول. مصر ترتبط بالجيش السوداني بعلاقات عسكرية وسياسية تاريخية، وقد أكدت القاهرة دعمها لمؤسسات الدولة السودانية، بينما نفت تقديم دعم عسكري مباشر لطرف الحرب. تركيا أصبحت مورداً مهماً للتكنولوجيا العسكرية والطائرات المسيرة، وهو ما عزز قدرة الجيش السوداني على خوض العمليات الجوية. أما إيران، فقد أعادت علاقاتها مع الخرطوم خلال الحرب، وظهرت تقارير عن حصول الجيش على طائرات مسيرة إيرانية. وتضع تحليلات مجلس العلاقات الخارجية هذه الدول ضمن شبكة الدعم الخارجي المرتبطة بالقوات المسلحة السودانية.
المشكلة ليست في وجود علاقات دفاعية بين الدول، وإنما في توقيت هذه العلاقات وسياقها. ففي حالة الدولة المستقرة، يمكن أن تكون صفقة عسكرية جزءاً من سياسة دفاعية طبيعية. أما في حالة دولة تخوض حرباً داخلية، فإن الصفقة نفسها تصبح جزءاً من المعركة. عندما تحصل مؤسسة عسكرية على طائرات مسيرة خلال حرب أهلية، فإنها لا تحصل فقط على سلاح؛ إنها تحصل على وقت إضافي وقدرة إضافية على الصمود.
وهذا ينطبق كذلك على الدعم السياسي. فالدولة التي تعلن دعمها لمؤسسة معينة تمنحها شرعية خارجية، حتى لو لم تقدم لها سلاحاً. وفي الحرب السودانية، أصبح الاعتراف الدولي والإقليمي بمؤسسات الدولة موضوعاً حساساً، لأن كل طرف يحاول تقديم نفسه باعتباره الممثل الشرعي للسودان.
الذهب يمول الحرب
إذا كان السلاح هو أداة الحرب، فإن الذهب هو أحد أهم مصادر تمويلها. السودان يمتلك احتياطيات وإنتاجاً كبيراً من الذهب، ومع انهيار مؤسسات الدولة والاقتصاد الرسمي، أصبح الذهب أكثر أهمية بالنسبة إلى أطراف النزاع. وتشير دراسة حديثة لمعهد تشاتام هاوس إلى أن الذهب كان قبل الحرب عاملاً مهماً في التنافس بين القوى العسكرية السودانية، وأنه أصبح أثناء الحرب مصدراً رئيسياً للدخل بالنسبة إلى القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، ضمن شبكة عابرة للحدود تضم منتجين وتجاراً ومهربين وجماعات مسلحة ودولاً خارجية.
وتكشف هذه الحقيقة أن الحرب السودانية ليست فقط حرباً على السلطة، بل أصبحت أيضاً حرباً على الموارد. السيطرة على مناطق الذهب تمنح الطرف المسيطر إمكانية الحصول على العملات الأجنبية، ودفع رواتب المقاتلين، وشراء الوقود والسلاح، وتمويل شبكات النقل والتهريب. وهذا يعني أن السيطرة على منجم أو منطقة تعدين قد تكون أهم عسكرياً من السيطرة على مدينة لا تحتوي على مورد اقتصادي قابل للاستغلال.
وفي يوليو 2026، اتخذ الاتحاد الأوروبي إجراءات جديدة تستهدف اقتصاد الحرب السوداني، شملت حظر شراء أو استيراد أو نقل الذهب القادم من السودان، إضافة إلى قيود على الزئبق والسيانيد المستخدمين في تعدين الذهب، في محاولة لتقليص الموارد التي تساعد على استمرار الصراع. ويكشف هذا القرار الأوروبي بوضوح أن الذهب لم يعد مجرد قضية تجارية، بل أصبح جزءاً من استراتيجية الحرب والسلام.
وتشير تقارير حديثة أيضاً إلى أن إنتاج الذهب السوداني بلغ نحو 70 طناً في عام 2025، وأن جزءاً كبيراً منه يتم تهريبه خارج البلاد، ما يجعل السيطرة على تجارة الذهب عاملاً أساسياً في اقتصاد الحرب.
اقتصاد الحرب
عندما انهار الاقتصاد السوداني الرسمي، لم تختفِ التجارة، بل تغيرت طبيعتها. ظهرت اقتصاديات محلية مرتبطة بالمناطق التي يسيطر عليها كل طرف. الذهب أصبح مورداً رئيسياً، كما أصبحت المنتجات الزراعية والثروة الحيوانية والصمغ العربي والوقود والسلع الأساسية جزءاً من شبكة اقتصاد الحرب. وتشير دراسة تشاتام هاوس إلى أن الاقتصاد الحربي السوداني توسع ليشمل الذهب والنفط والصمغ العربي والماشية والمنتجات الزراعية، وأن هذه التجارة أصبحت مرتبطة بشبكات إقليمية عابرة للحدود.
وهذا يعني أن الحرب لا تدمر الاقتصاد فقط؛ إنها تعيد تشكيله. فالمناطق التي لا تستطيع الدولة المركزية الوصول إليها تتحول إلى مناطق اقتصادية تابعة للقوى المسيطرة عليها. ويصبح الطريق التجاري مصدراً للنفوذ، والحاجز الأمني مصدراً للإيرادات، والميناء أو المنجم أو السوق المحلي جزءاً من شبكة تمويل الصراع.
وهنا تكمن إحدى أخطر مشكلات الحرب الطويلة. في البداية، يكون الاقتصاد ضحية للحرب، لكن بعد سنوات يصبح الاقتصاد نفسه أحد أسباب استمرارها. تظهر مجموعات تستفيد من التهريب، وأخرى تستفيد من التجارة غير الرسمية، وأخرى ترتبط بمناجم الذهب أو طرق النقل، فيصبح السلام بالنسبة إليها تهديداً لمصالحها.
الحدود المفتوحة
الحدود السودانية الطويلة جعلت من الصعب منع حركة السلاح والوقود والمقاتلين. فالسودان يجاور مصر وليبيا وتشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا، وكل حدود لها طبيعتها الخاصة وشبكاتها المحلية. ومع ضعف الدولة المركزية، تصبح الحدود أقل قدرة على منع انتقال الموارد.
وقد وثقت تقارير حديثة استمرار شبكات الدعم الخارجي عبر دول متعددة. وتفيد مذكرة حكومية بريطانية حديثة بأن الدعم الخارجي استمر في تغذية الصراع، وأن شبكة الدعم المرتبطة بقوات الدعم السريع امتدت عبر دول في المنطقة، بينما أشارت إلى أن القوات المسلحة السودانية حصلت على دعم من مصر وإيران وباكستان وتركيا، مع استمرار جهود وساطة من السعودية ودول أخرى. كما أشار تقرير أممي في 2026 إلى استخدام ليبيا كمسار لوجستي لنقل مقاتلين ووقود وأسلحة ومعدات مرتبطة بالحرب.
وهذا يوضح لماذا لا يمكن وقف الحرب من داخل السودان وحده. إذا توقفت المعارك في مدينة بينما استمر السلاح في الوصول عبر الحدود، فإن وقف إطلاق النار يصبح هشاً. وإذا أغلقت إحدى طرق الإمداد وظهرت طريق أخرى، فإن الضغط العسكري يفقد تأثيره. لذلك فإن أي اتفاق سلام حقيقي يجب أن يتضمن منظومة إقليمية لمراقبة الحدود ووقف تدفقات السلاح والوقود والمقاتلين.
الدبلوماسية كغطاء
المال والسلاح واضحان، لكن الدبلوماسية تؤدي دوراً لا يقل أهمية. فالدولة التي تحصل على دعم دبلوماسي من دول مؤثرة يمكنها أن تقلل من آثار الضغوط الدولية. وقد شهد السودان تعدد المبادرات والوسطاء، من مسار جدة إلى الاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد” والأمم المتحدة، إضافة إلى مبادرات دول أخرى.
في الأصل، تعدد المبادرات يمكن أن يكون إيجابياً، لأنه يعني اهتماماً دولياً بإنهاء الحرب. لكن عندما تتنافس المبادرات بدلاً من أن تتكامل، يستطيع المتحاربون استخدام هذا التعدد لمصلحتهم. يمكن لطرف أن يرفض مبادرة ويقبل أخرى، أو ينتظر تغير موازين القوة قبل العودة إلى التفاوض، أو يستخدم علاقاته مع دولة معينة للضغط على دولة أخرى.
ولهذا فإن الدبلوماسية قد تتحول من أداة للسلام إلى أداة لإدارة الحرب. لا يعني ذلك أن الدول التي تتوسط تريد استمرار الحرب، ولكن غياب التنسيق بينها يجعل تأثيرها أقل من المطلوب. فالوساطة التي لا تمتلك آلية تنفيذية تصبح في النهاية مجرد مساحة جديدة للتفاوض.
السعودية وقطر
تظهر هنا أهمية الدور السعودي والقطري الذي تناولناه في المقال السابق. فالسعودية تمتلك قناة جدة، وتستطيع استخدام نفوذها السياسي والاقتصادي للضغط باتجاه وقف إطلاق النار. وقطر تمتلك تاريخاً طويلاً في الوساطة السودانية والعمل الإنساني. لكن قيمة هذه الأدوار تعتمد على القدرة على ربط الدبلوماسية بالضغط الاقتصادي والسياسي.
إذا كانت دولة ما تدعو إلى السلام في العلن، بينما يستمر حلفاؤها أو شركاؤها في دعم طرف من أطراف الحرب، فإن الرسالة تصبح متناقضة. ولهذا فإن الحل الحقيقي لا يحتاج فقط إلى وسطاء، بل يحتاج إلى توافق بين الوسطاء حول كيفية التعامل مع مصادر القوة التي تسمح للمتقاتلين بالاستمرار.
وهنا يجب التمييز بين السعودية وقطر من جهة، وبين الدول التي يُتهم بعضها بتقديم دعم عسكري مباشر من جهة أخرى. فالرياض والدوحة تركزان بصورة أكبر على الدبلوماسية والمساعدات والعلاقات السياسية، بينما ارتبطت دول أخرى بتدفقات عسكرية أو اقتصادية مباشرة. لكن كل هذه الأدوار تؤثر في البيئة التي تتحرك فيها الحرب.
روسيا والمصالح الاستراتيجية
روسيا تمثل نموذجاً آخر. فاهتمام موسكو بالسودان يرتبط بالبحر الأحمر والموارد الطبيعية والعلاقات العسكرية. وتظهر تقارير وتحليلات أن روسيا حافظت على علاقات مع أطراف مختلفة في السودان، وأن مجموعة فاغنر ثم “فيلق إفريقيا” ارتبطت في مراحل مختلفة بالساحة السودانية. كما أن موسكو مهتمة بالحصول على موطئ قدم على البحر الأحمر.
هذا النوع من التدخل لا يحتاج بالضرورة إلى إرسال أعداد كبيرة من القوات حتى يكون مؤثراً. يكفي أحياناً أن تمتلك الدولة قدرة على تقديم السلاح أو التدريب أو الخدمات اللوجستية، أو أن تربط علاقاتها الاقتصادية بموارد مثل الذهب، حتى تصبح جزءاً من معادلة الحرب.
الحرب التي تمول نفسها
أخطر مرحلة تصل إليها أي حرب هي عندما تبدأ في تمويل نفسها. في البداية تحتاج الجيوش إلى الدولة، ثم تحتاج إلى الخارج، ثم تبدأ في السيطرة على الموارد المحلية. ومع الوقت يصبح الذهب والتجارة والتهريب والمناطق الزراعية والموانئ وممرات النقل مصادر تمويل مستقلة.
هذا ما يحدث بصورة متزايدة في السودان. وتقول تشاتام هاوس إن الاقتصاد الرسمي انهار بدرجة كبيرة منذ بداية الحرب، ما سمح بتوسع اقتصاد حرب يشمل عدة سلع وقطاعات، وأن هذا الاقتصاد أصبح مرتبطاً بشبكات إقليمية عابرة للحدود.
وهنا يصبح وقف الحرب أصعب بكثير. فإذا أوقفت دولة خارجية إمداداً معيناً، يستطيع طرف ما تعويضه من الذهب. وإذا أغلقت دولة حدودها، يمكن أن تظهر طرق تهريب جديدة. وإذا فرض المجتمع الدولي عقوبات على بعض القيادات، يمكن أن تستمر التجارة عبر وسطاء وشبكات غير رسمية.
لهذا فإن العقوبات وحدها لا تكفي، كما أن المساعدات وحدها لا تكفي. المطلوب هو ضرب البنية المالية للحرب نفسها.
من يقطع شريان الحرب؟
السؤال الأكثر أهمية اليوم ليس فقط من يملك السلاح، بل من يملك القدرة على قطع شريان السلاح والمال. فالدول التي تمتلك نفوذاً على الأطراف السودانية تستطيع أن تلعب دوراً أكبر من مجرد إصدار بيانات سياسية. وإذا كانت الحرب تعتمد على الذهب، فيمكن تجفيف الأسواق التي تستقبل الذهب غير المشروع. وإذا كانت تعتمد على الوقود، يمكن مراقبة طرق تهريبه. وإذا كانت تعتمد على السلاح، يمكن توسيع الحظر ومراقبة الطائرات والشحنات والوسطاء.
ولهذا اتجه الاتحاد الأوروبي في 2026 إلى استهداف تجارة الذهب ومدخلات تعدينه، بينما دعت الولايات المتحدة في أغسطس 2026 إلى توسيع حظر السلاح الأممي ليشمل كامل السودان، مع إدراج الطائرات المسيرة والتكنولوجيا المرتبطة بها ضمن نطاق الحظر المقترح.
لكن نجاح هذه الإجراءات يحتاج إلى تعاون إقليمي. فالسلاح الذي يمر عبر الحدود لا يمكن إيقافه بقرار يصدر من عاصمة بعيدة. والذهب الذي يخرج عبر طرق غير رسمية لا يمكن ضبطه من داخل السودان فقط. لذلك فإن الدول المجاورة والقوى الخليجية والدول التي تمتلك علاقات مع أطراف الحرب يجب أن تصبح جزءاً من منظومة تنفيذ السلام، لا مجرد أطراف في بيانات الوساطة.
في النهاية، تكشف الحرب السودانية أن المال والسلاح والدبلوماسية ليست عناصر منفصلة، بل ثلاثة أضلاع لمنظومة واحدة. السلاح يمنح القدرة على القتال، والمال يمول استمرار هذه القدرة، والدبلوماسية تمنح الأطراف مساحة للمناورة والحفاظ على علاقاتهم الخارجية. وعندما تتكامل هذه العناصر، يصبح من الممكن لطرف في حرب داخلية أن يقاتل سنوات طويلة رغم انهيار الاقتصاد وتدمير الدولة.
لكن هذا لا يعني أن الخارج هو المسؤول الوحيد عن الحرب. المسؤولية الأولى تقع على القوى السودانية التي اختارت السلاح طريقاً للصراع على السلطة. غير أن الحرب ما كانت لتصل إلى هذا المستوى من الاستمرار والتعقيد من دون بيئة إقليمية ودولية تسمح بتدفق الموارد والوسائل والغطاء السياسي.
ولهذا فإن إنهاء الحرب السودانية لن يتحقق فقط عندما يتفق البرهان وحميدتي على وقف إطلاق النار، بل عندما يصبح استمرار الحرب مكلفاً بالنسبة إلى كل الأطراف التي تستفيد من اقتصادها أو تستطيع تمويلها أو حمايتها سياسياً. فالسلام الحقيقي يبدأ عندما يُغلق الطريق أمام اقتصاد الحرب، وتُراقب الحدود، وتُقطع شبكات السلاح، وتُجفف مصادر التمويل، وتتحول الدبلوماسية من إدارة التنافس إلى فرض التسوية.
وهنا تظهر المعضلة الكبرى التي تقود إلى المقالة السادسة والأخيرة: إذا كان لكل طرف سوداني داعمون خارجيون، وإذا كانت لكل دولة إقليمية مصالحها الخاصة، وإذا كان الذهب والسلاح والحدود والدبلوماسية كلها متشابكة، فهل ما زال ممكناً إنهاء الحرب السودانية، أم أن السودان دخل فعلاً مرحلة حرب بلا نهاية؟




