شهادات وضحايا.. تحقيق يكشف أدلة جديدة على استخدام الجيش السوداني للسلاح الكيميائي
التحقيق الذي نشرته شبكة «يورونيوز» حمل شهادات لسودانيين وأدلة بصرية ورقمية ومؤشرات صحية وبيئية، قال خبراء سابقون في منظمة حظر الأسلحة الكيماوية إنها تستوجب فتح تحقيق رسمي.
تفاصيل التحقيق
وكشف تحقيق من 32 صفحة طالعته «يورونيوز» عن أدلة ومؤشرات أكد المسؤولون السابقون بمنظمة حظر الأسلحة أنها تدعم احتمال استخدام مواد كيماوية خلال الحرب السودانية، بما في ذلك حادث وقع في مصفاة الجيلي للنفط شمال الخرطوم في سبتمبر/أيلول 2024.
ويستند التحقيق إلى شهادات 8 شهود سودانيين، مدعومة بمقاطع فيديو وصور ومواد رقمية أخرى أعدها أشخاص قال التحقيق إنهم ضحايا.
جاء ذلك في وقت حدد فيه فريق من الخبراء مؤشرات شملت ضيقًا حادًا في التنفس، وروائح غير مألوفة، وانفجارات ملوّنة، ومشكلات صحية طويلة الأمد وتدهورًا بيئيًا.
وقاد التحقيق مسؤولون سابقون كبار في منظمة حظر الأسلحة الكيمياوية، كان 2 منهم قد عملا في المنظمة عندما منحت جائزة نوبل للسلام عام 2013 تقديرًا لجهودها في تنفيذ الحظر العالمي على الأسلحة الكيماوية.
وتحدث المسؤولان السابقان، اللذان يقودان الفريق، إلى «يورونيوز»، لكنهما طلبا عدم الكشف عن اسميهما بسبب الطبيعة الحساسة للمحتوى.
وقال المسؤولان السابقان: «نظرًا إلى أن إحدى الدول الأطراف (أمريكا) على الأقل فرضت عقوبات على أفراد على خلفية استخدام الأسلحة الكيماوية، وأن هناك أدلة جديدة ومتزايدة بشأن وجود برنامج سري، وأن هناك شهادات قوية من شهود تشير إلى وقوع حادث في سبتمبر/أيلول 2024 ربما تضمن استخدام الكلور، فإن منظمة حظر الأسلحة الكيماوية والدول الأطراف فيها بحاجة إلى فتح تحقيق».
ويضيف التحقيق الجديد طبقة أخرى إلى أدلة سبق أن طُرحت بشأن استخدام الأسلحة الكيماوية في السودان، في ظل استمرار الحرب التي اندلعت عام 2023.
أدلة جديدة على «كيماوي الجيش»
ووفق التحقيق، فقد رصد فريق الخبراء عددًا من الحوادث التي وصفها بأنها موثوقة، وارتبطت بحالات مرضية غير مفسرة أعقبت أنشطة عسكرية.
وأجرى الفريق مقابلات مع 8 شهود في العاصمة الكينية نيروبي، وقال إن المجموعة ضمت أشخاصًا أفادوا بتعرضهم المباشر لحوادث مزعومة، وأشخاصًا شاركوا في أنشطة الاستجابة للطوارئ، ومتخصصًا في الرعاية الصحية عالج مرضى متضررين، إلى جانب أفراد قال التحقيق إن بإمكانهم تقديم مواد وثائقية ورقمية داعمة ذات صلة.
وخلص الخبراء، بحسب التقرير، إلى وجود «عدد من الحوادث الموثوقة التي تضمنت حالات مرضية غير مفسرة أعقبت أنشطة عسكرية».
لكن أقوى الأدلة، بحسب التحقيق، جاءت من شهادتي شخصين جرت مقابلتهما بشكل منفصل، وكان كلاهما حاضرًا في أثناء حادث وقع في مصفاة الجيلي للنفط بالقرب من الخرطوم في سبتمبر/أيلول 2024.
طائرة عسكرية وحاويات وروائح غريبة
وذكر الشاهدان أن طائرة عسكرية حلقت فوق المنطقة مباشرة قبل الحادث، وتحدثا عن أجسام على شكل براميل مرتبطة بمرور الطائرة فوق المنطقة.
كما تحدثا عن ارتطامات قالا إنها لم تشبه الهجمات التقليدية بالمتفجرات، وعن انبعاثات غير مألوفة في الهواء وروائح غير معتادة، إلى جانب أعراض تنفسية حادة أصابت نحو 20 عاملًا، وتلقي المصابين العلاج في العيادة الطبية بالمصفاة.
ولم تتوقف رواية الشاهدين عند الأعراض البشرية، إذ تحدثا أيضًا عن تغير لاحق في الغطاء النباتي بالقرب من منطقة الارتطام.
وبحسب التقرير، اعتبر فريق الخبراء أن الآثار التنفسية والعينية الحادة التي وصفها الشاهدان تتوافق مع التعرض لمهيّج محمول جوًا أو مادة كيماوية خطرة.
لكن الخبراء لم يتمكنوا من تحديد المادة التي تسببت في تلك الأعراض.
أعراض متشابهة في حوادث أخرى
وتحدث شهود آخرون عن حوادث إضافية في أماكن مختلفة، مع تكرار أنماط وصفها التحقيق بأنها متشابهة.
وقال التقرير إن «العديد من الشهود وصفوا هجمات جوية أعقبها ظهور سريع لأعراض تنفسية لدى الأشخاص الموجودين في المنطقة المجاورة مباشرة».
وشملت الأعراض المشتركة التي وردت في الشهادات:
• السعال.
• صعوبة التنفس.
• تهيج العينين.
• أعراض في الجهاز الهضمي في بعض الحالات.
• أعراض جلدية.
كما وصف الشهود روائح غير مألوفة، وانبعاثات ملوّنة في الهواء، وغيابًا واضحًا للآثار الانفجارية التي عادة ما ترتبط بالقصف الجوي التقليدي.
الخبراء يطالبون بالتحقيق
وخلص فريق الخبراء إلى وجود أدلة موثوقة ومتسقة تشير إلى أن استخدام مواد كيماوية ربما وقع بالفعل، ودعا منظمة حظر الأسلحة الكيماوية إلى النظر في تلك الأدلة ومواصلة التحقيق استنادًا إلى النتائج الأولية.
وقال المسؤولان السابقان في المنظمة إن مجمل التطورات، بما فيها العقوبات التي فرضتها دولة عضوة والأدلة المتزايدة بشأن وجود برنامج سري، إضافة إلى الشهادات المتعلقة بحادث سبتمبر/أيلول 2024، تجعل فتح تحقيق من منظمة حظر الأسلحة الكيماوية أمرًا ضروريًا.
تحقيقات «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست»
ولا يأتي تحقيق «يورونيوز» بمعزل عن أدلة سابقة.
فقد نشرت «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» تحقيقين في أوائل سبتمبر/أيلول استندا إلى أدلة قدمتها أجهزة استخبارات شرق أوسطية، من بينها صور لمخزونات ومراسلات بين مسؤولين سودانيين.
ووفق التحقيق، فإن لاستخدام الأسلحة الكيماوية كان من بين الأسباب التي دفعت الحكومة الأمريكية إلى فرض عقوبات على السودان في أبريل/نيسان 2025.
وأضافت «يورونيوز» أن التحقيق الجديد يضيف إلى تلك الادعاءات بُعدًا إنسانيًا وأسُسًا موضوعية من خلال شهادات مباشرة وتحليلات خبراء ومواد بصرية ورقمية مرتبطة بالحوادث المزعومة.
وبحسب التحقيق فإن مراجعة الصور الواردة فيه تمت من جانب «يورونيوز»، وبذلك تبقى النتائج الواردة في التقرير ضمن نطاق الأدلة والشهادات التي تشير إلى احتمال استخدام مواد كيماوية.
ويتطلب إثبات طبيعة المادة المستخدمة والجهة المسؤولة بصورة قاطعة تحقيقًا فنيًا مستقلًا، وهو ما دعا إليه المسؤولون السابقون في منظمة حظر الأسلحة الكيماوية.
حرب تخلّف ملايين النازحين والجوعى
ويأتي ظهور هذه الأدلة الجديدة في ظل واحدة من أشد الأزمات الإنسانية في العالم.
وبحسب بيانات الأمم المتحدة الصادرة في أبريل/نيسان 2026، نزح نحو 14 مليون شخص منذ اندلاع الحرب في السودان عام 2023.
كما تسبب الصراع فيما يُوصف على نطاق واسع بأنه واحدة من أسوأ أزمات الجوع في العالم، مع مواجهة نحو 19.5 مليون شخص انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي وظروفًا مرتبطة بالمجاعة.




