تسريبات

حرب بلا نهاية.. كيف تعقدت الأزمة السودانية


بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب السودانية في 15 أبريل 2023، لم تعد الأزمة مجرد مواجهة عسكرية يمكن أن تنتهي بانتصار طرف على آخر. فقد تحولت الحرب إلى منظومة معقدة تتداخل فيها القوة العسكرية مع الاقتصاد والسياسة والحدود والتدخلات الخارجية، وأصبح استمرار القتال مرتبطاً بمصالح متعددة داخل السودان وخارجه. الجيش وقوات الدعم السريع ما زالا يمثلان قلب الصراع، لكن الحرب نفسها أصبحت أكبر من قيادتي الطرفين. فهناك اقتصاد حرب، وشبكات تسليح، ومصالح إقليمية، وحدود مفتوحة، وموارد طبيعية، ومبادرات دبلوماسية متنافسة، وكل عنصر من هذه العناصر يمنح الحرب قدرة إضافية على البقاء. ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط: متى تنتهي الحرب؟ وإنما أصبح: ما الذي يجعلها قابلة للاستمرار كل هذه السنوات؟

الحرب لم تبدأ لأن السودان كان دولة مستقرة ثم تعرض فجأة لتدخل خارجي. جذورها سودانية بامتياز. فقد فشل الانتقال السياسي الذي أعقب سقوط عمر البشير، وظلت السلطة الحقيقية موزعة بين قوى عسكرية وأمنية ومدنية غير قادرة على بناء توافق مستدام. ثم جاء انقلاب أكتوبر 2021 ليعمق الأزمة، قبل أن يتحول الخلاف بين عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو، قائد قوات الدعم السريع، حول مستقبل المؤسسة العسكرية ودمج الدعم السريع إلى مواجهة مسلحة مفتوحة. وبذلك كانت الرصاصة الأولى نتيجة تراكم سياسي وعسكري طويل، وليس نتيجة قرار خارجي. لكن ما حدث بعد ذلك هو الذي غير طبيعة الحرب: فقد بدأت القوى الإقليمية والدولية تنظر إلى السودان باعتباره ساحة استراتيجية، وبدأت مصالحها تتقاطع مع استمرار الصراع.

https://images.openai.com/static-rsc-4/xxdHvkVH8N_v60-m5xlLIy3WJYxTwUeyZh9SkdMuc3KxANq2ncOMxWTaGQUhrJxw0L-d9HRttfcV2GqEW2PfBeDb7S58F0Gx-dXSj7Sunf7_jHUIKD6llHFyuwFgp4lrNyPPQzqfOzRTEzJfFLENtO7PLM2CZl1W7g0QPKVmrtXdeqaLnIv_trPTptAOVUSf?purpose=fullsize

وهنا يجب أن تكون الصورة واضحة: التدخل الخارجي لم يصنع الأزمة السودانية من الصفر، لكنه ساهم في تحويلها من حرب داخلية إلى حرب إقليمية متعددة المسارات. وهذا الفرق أساسي. فالجيش والدعم السريع يتحملان المسؤولية الرئيسية عن القتال والانتهاكات وتدمير الدولة، لكن قدرة الحرب على الاستمرار ترتبط أيضاً بالبيئة الخارجية التي توفر المال والسلاح والغطاء السياسي والطرق اللوجستية. وكلما طال أمد الحرب، أصبحت هذه البيئة أكثر رسوخاً.

https://images.openai.com/static-rsc-4/0wGmKV_9m9Tlk18qowZEG_tD1hp4_VUToAMpniDjjLZ2tTccmjs3FqIp-eGp92YwgPQRGcrmylre6JYOzSdV4CjQIkwAvgU0LdcGoFE1TiiAvISa68tyj3YpSK7xm65WaOwBEeACxdc_t0N9vj0RSCZJ0PPGghg-WxP123YlDbrprYvZFYHYNq7o0LushMk3?purpose=fullsize
6

الجغرافيا تحاصر السودان

أحد أسباب صعوبة إنهاء الحرب هو موقع السودان نفسه. فالبلاد تقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح مصر والقرن الإفريقي والبحر الأحمر والساحل الإفريقي والخليج. وهي دولة واسعة ذات حدود طويلة، ما يجعل السيطرة على الحدود ومراقبة حركة السلاح والمقاتلين أمراً شديد الصعوبة. كما أن قرب السودان من البحر الأحمر يمنحه أهمية استراتيجية تتجاوز حجمه الاقتصادي.

بالنسبة إلى مصر، السودان مرتبط مباشرة بأمن الحدود والنيل. وبالنسبة إلى السعودية، يمثل الساحل السوداني جزءاً من البيئة الأمنية للبحر الأحمر. أما تركيا، فترى في السودان موقعاً مهماً ضمن حضورها الإفريقي والبحري، بينما تحتفظ روسيا باهتمام استراتيجي بالساحل والموارد. وفي الوقت نفسه، تتأثر تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا وليبيا وإريتريا بما يحدث داخل السودان. وهكذا أصبح الصراع السوداني محاطاً بدول لكل منها حساباتها ومخاوفها ومصالحها.

هذه الجغرافيا تجعل من الصعب تطبيق وقف إطلاق نار من دون وجود تعاون إقليمي. فقد يستطيع طرف أن يوقف القتال في منطقة، لكنه يعوض ذلك بإعادة تنظيم قواته في منطقة أخرى. ويمكن للسلاح أن يدخل من مسار حدودي مختلف، ويمكن للذهب أن يخرج عبر دولة مجاورة، ويمكن للمقاتلين أن يتحركوا عبر مناطق لا تسيطر عليها الدولة. ولذلك فإن الحدود نفسها أصبحت جزءاً من الحرب.

مصر والرهان على الدولة

مصر ترى أن الحفاظ على الدولة السودانية ومؤسساتها، وعلى رأسها الجيش، ضرورة أمنية. القاهرة لا تريد انهيار الجيش السوداني أو تحول السودان إلى مجموعة من المناطق التي تسيطر عليها جماعات مسلحة. كما أن ملف النيل يجعل استقرار السودان أكثر أهمية بالنسبة إليها.

لكن هذه الرؤية تحمل تناقضاً. فالدعم السياسي لمؤسسات الدولة يمكن أن يصبح، في ظروف الحرب، دعماً غير مباشر لطرف من أطراف الصراع عندما تكون تلك المؤسسة طرفاً عسكرياً في القتال. القاهرة تنفي تقديم دعم عسكري مباشر للجيش، لكن تقارير مختلفة تحدثت عن تعاون عسكري وأمني واسع، وعن أشكال من المساعدة أو التدريب أو الدعم اللوجستي. ولذلك فإن الدور المصري يظل أحد أكثر الأدوار حساسية في المعادلة السودانية.

https://images.openai.com/static-rsc-4/PIb09nBEvHU2SIqiPPa-xfC0HxecnIvUH1FZiX7XP5cZU6NapCTMW-Xi8H5XK-olkn-SpHpFElOQ6lJ8RsdgWjsUNY8Z-mlPsQgb2vgC1umJVpuSyewLBl8S_xtLtDQ2zuNKydeyeGD1UgxBAthHwzK-zJynP6EpB6NxvBVMKunMl4PkHQ8aPPlxJJuCRkva?purpose=fullsize

المشكلة ليست في أن مصر تمتلك مصالح في السودان، فهذا أمر طبيعي، وإنما في أن أي دولة إقليمية تدعم طرفاً سياسياً أو عسكرياً تمنحه مساحة أكبر للاستمرار. وإذا كان الجيش يشعر بأن سقوطه غير ممكن بسبب الدعم الإقليمي، فقد يصبح أقل استعداداً لتقديم تنازلات سياسية. وبالمقابل، إذا شعرت قوات الدعم السريع أن لديها داعمين إقليميين، فإنها أيضاً تصبح أقل استعداداً للتراجع.

تركيا والسلاح الجديد

الدور التركي أكثر ارتباطاً بالتكنولوجيا العسكرية والاقتصاد والسياسة. العلاقات التركية السودانية سبقت الحرب، لكن الحرب أعطت البعد العسكري لهذه العلاقة أهمية أكبر. فحصول الجيش السوداني على طائرات مسيرة تركية ساعده على تعزيز قدراته الجوية، وأصبح استخدام المسيّرات جزءاً أساسياً من المعارك.

وهنا يظهر تأثير السلاح الحديث على الحرب. فالمسيّرة لا تعني فقط ضربة عسكرية، بل تمنح الطرف الذي يمتلكها قدرة على الاستمرار في المعركة من مسافة بعيدة. وقد ساهم انتشار المسيّرات في تحويل الحرب السودانية إلى صراع أكثر تعقيداً، خصوصاً مع ارتفاع استخدامها ضد مواقع عسكرية ومدنية. وفي 2026، حذرت الأمم المتحدة من تصاعد استخدام الطائرات المسيرة، ومن أثرها الكبير في سقوط المدنيين. (un.org)

تركيا، من جانبها، تمتلك مصلحة في الحفاظ على علاقاتها مع مؤسسات الدولة السودانية، وفي حماية استثماراتها ونفوذها في إفريقيا والبحر الأحمر. لكن هذا الدور يوضح التناقض الذي يرافق التدخل الخارجي: العلاقة العسكرية قد تقوي طرفاً في الحرب، بينما المصلحة الاقتصادية والسياسية التركية تقتضي وجود سودان مستقر.

السعودية وقطر

السعودية تمتلك موقعاً خاصاً في الملف السوداني. فهي ليست مجرد دولة لديها علاقات مع الخرطوم، وإنما دولة مقابلة للسودان على البحر الأحمر، وتملك مصالح مباشرة في أمن الملاحة والاستقرار الإقليمي. ولهذا لعبت دوراً في استضافة مفاوضات جدة بالتعاون مع الولايات المتحدة، وسعت إلى وقف إطلاق النار وحماية المدنيين.

لكن تجربة جدة كشفت حدود الوساطة عندما لا تترافق مع قدرة حقيقية على فرض التنفيذ. فالطرفان يستطيعان توقيع اتفاقات، ثم العودة إلى القتال إذا لم تكن هناك تكلفة فعلية لخرقها. وفي 2026، أكدت السعودية أمام مجلس الأمن أن عدم تنفيذ التزامات جدة ساهم في تفاقم الأزمة الإنسانية، وجددت دعوتها إلى وقف القتال والحل السياسي. (spa.gov.sa)

قطر من جهتها تمتلك تاريخاً طويلاً في السودان، خصوصاً في ملف دارفور، كما قدمت مساعدات إنسانية واحتفظت بعلاقات سياسية ودبلوماسية مع الخرطوم. لكن الدور القطري يواجه أيضاً مشكلة تعدد المبادرات. السودان لا يحتاج فقط إلى مزيد من الوسطاء، وإنما يحتاج إلى تنسيق حقيقي بين الوسطاء، بحيث لا يستطيع طرف استخدام مسار تفاوضي للهروب من ضغط مسار آخر.

الذهب يطيل الحرب

ربما يكون الذهب أهم مفتاح اقتصادي لفهم قدرة الحرب على الاستمرار. عندما تكون الحرب مكلفة، تحتاج الأطراف إلى مصدر دائم للمال. والسودان يمتلك مورداً يمكن أن يوفر العملات الأجنبية حتى في ظل انهيار الدولة: الذهب.

تشير دراسات حديثة إلى أن الذهب أصبح جزءاً مركزياً من اقتصاد الحرب، وأن شبكات إنتاجه وتجارته تمتد خارج السودان. وقد أصبح المورد وسيلة لتمويل العمليات العسكرية، بينما تحولت مناطق التعدين وطرق نقل الذهب إلى أهداف استراتيجية. (chathamhouse.org)

هذه النقطة تغير طبيعة الحرب. ففي الحرب التقليدية، عندما ينهار الاقتصاد تتراجع قدرة الأطراف على القتال. أما في السودان، فقد أصبحت الحرب نفسها وسيلة للسيطرة على الموارد. الطرف الذي يسيطر على الذهب يستطيع تمويل السلاح، والسلاح يسمح له بالسيطرة على مزيد من الموارد، والموارد تعيد تمويل السلاح.

وهكذا تتشكل دائرة مغلقة: المورد يمول الحرب، والحرب تحمي المورد، والمورد يمول استمرار الحرب.

اقتصاد لا يريد السلام

بعد سنوات من القتال، ظهرت مصالح اقتصادية مرتبطة باستمرار الفوضى. طرق التهريب، تجارة الوقود، الذهب، الماشية، السلع الأساسية، الرسوم التي تفرضها الجماعات المسلحة، كلها أصبحت أجزاء من اقتصاد غير رسمي واسع.

وهنا تكمن إحدى أصعب مشكلات السلام. حتى لو توصل القادة إلى اتفاق سياسي، فإن مجموعات كثيرة ظهرت خلال الحرب وقد لا تكون مستعدة للتخلي عن مصادر دخلها. ولذلك فإن اتفاقاً بين البرهان وحميدتي وحدهما لن يكون كافياً لإنهاء كل أشكال العنف.

الحرب أصبحت أكثر من مجرد قيادة عسكرية؛ أصبحت شبكة مصالح. وكل شبكة تحتاج إلى معالجة اقتصادية، لا سياسية فقط.

الدبلوماسية المتعددة

المشكلة الثانية هي تعدد الوسطاء. الولايات المتحدة والسعودية، مصر، الاتحاد الإفريقي، إيغاد، الأمم المتحدة، قطر، ودول أخرى حاولت بدرجات مختلفة التأثير في الأزمة. تعدد المبادرات في حد ذاته ليس مشكلة، لكن عندما لا تكون هناك استراتيجية مشتركة يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف.

الطرف الذي يرفض مبادرة يستطيع انتظار المبادرة التالية. والطرف الذي يشعر بأن الضغط عليه يزداد في مسار معين يمكنه الانتقال إلى مسار آخر. وهكذا تصبح الدبلوماسية جزءاً من لعبة الوقت.

الحرب الطويلة تحتاج إلى دبلوماسية مختلفة: ليست دبلوماسية بيانات، وإنما دبلوماسية ضغط. يجب أن تكون هناك كلفة واضحة على من يخرق وقف إطلاق النار، وكلفة على من يمول الحرب، وكلفة على من ينقل السلاح، وكلفة على من يستفيد من الذهب غير المشروع.

لماذا لا ينتصر أحد؟

قد يبدو أن الحل العسكري ممكن، لكن السنوات الماضية أثبتت أن تحقيق نصر حاسم ليس أمراً سهلاً. مساحة السودان شاسعة، والقوى المسلحة متعددة، والحدود مفتوحة، والموارد موزعة، والدعم الخارجي متاح بدرجات مختلفة.

الجيش يستطيع الاستفادة من مؤسسات الدولة والقوة الجوية، بينما تستطيع قوات الدعم السريع الاستفادة من الانتشار الواسع والخبرة القتالية والشبكات المحلية. وكل تقدم عسكري لطرف لا يعني بالضرورة انهيار الطرف الآخر.

وهذا يقود إلى أخطر نتيجة: حرب لا يستطيع أي طرف حسمها، ولا يريد أي طرف الاعتراف بأنه عاجز عن حسمها.

في هذه الحالة يصبح الزمن سلاحاً. كل طرف ينتظر أن يتغير ميزان القوى لصالحه، وكل طرف يحاول تحسين موقعه قبل العودة إلى التفاوض. لكن مرور الوقت لا يؤدي إلى حل المشكلة؛ بل يزيد عدد الضحايا ويعمق الانقسام ويخلق مصالح جديدة في استمرار الحرب.

المدنيون يدفعون الثمن

وسط كل هذه الحسابات، يظل المدنيون الطرف الأكثر تضرراً. الحرب أدت إلى واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، وتسببت في انهيار واسع للخدمات الصحية والتعليمية والغذائية. وتقول الأمم المتحدة إن ملايين السودانيين اضطروا إلى النزوح، فيما استمرت الهجمات على المدنيين وتدهورت الأوضاع الإنسانية بصورة حادة. (un.org)

لكن الكارثة الإنسانية لا يمكن فصلها عن الاقتصاد السياسي للحرب. عندما يتم تدمير الزراعة والأسواق وطرق النقل، يصبح السكان أكثر اعتماداً على المساعدات. وعندما تصبح المساعدات نفسها صعبة الوصول، تتحول المجاعة والنزوح إلى أدوات ضغط في الصراع.

ولهذا فإن السلام ليس فقط وقف إطلاق النار. السلام يعني أيضاً إعادة بناء الاقتصاد، وإعادة النازحين، وفتح الطرق، واستعادة الخدمات، وإعادة دمج المقاتلين، وإصلاح المؤسسات الأمنية، وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع.

هل يمكن إنهاء الحرب؟

نعم، لكن ليس من خلال اتفاق عسكري ضيق. السودان يحتاج إلى تسوية تعالج الأسباب التي أنتجت الحرب والآليات التي جعلتها تستمر.

أولاً، يجب أن يكون هناك وقف حقيقي لإطلاق النار قابل للمراقبة. ثانياً، يجب أن تكون هناك عملية سياسية شاملة لا تعيد إنتاج احتكار السلطة بواسطة المؤسسة العسكرية أو القوى المسلحة. ثالثاً، يجب إعادة بناء مؤسسة أمنية وطنية موحدة، وهو ملف شديد الصعوبة لكنه أساسي. رابعاً، يجب قطع مصادر تمويل الحرب، خصوصاً شبكات الذهب والتهريب. خامساً، يجب أن تتفق الدول الإقليمية المؤثرة على وقف أي دعم عسكري يمكن أن يطيل القتال.

وهنا تحديداً تكمن أهمية الدول الخارجية. فالدولة التي تمتلك نفوذاً على طرف سوداني يمكنها أن تستخدمه لإقناعه بالتسوية. والدولة التي تستطيع إغلاق طريق للسلاح يمكنها أن تقلل قدرة الحرب على الاستمرار. والدولة التي تمتلك نفوذاً اقتصادياً يمكنها أن تضغط على شبكات التمويل. والدولة التي تمتلك قناة دبلوماسية يمكنها أن تدفع باتجاه اتفاق.

لكن إذا استخدمت كل دولة نفوذها لتحقيق مصالحها فقط، فإن السودان سيبقى ساحة للتنافس.

السودان بعد الحرب

أصعب سؤال ليس كيف تتوقف الحرب، بل ماذا سيحدث بعد توقفها. فالسودان الذي خرج من الحرب لن يكون السودان الذي دخلها. هناك مدن مدمرة، وملايين النازحين، واقتصاد منهار، ومجتمع أكثر انقساماً، ومؤسسات دولة ضعفت بصورة كبيرة.

والخطر هو أن يتحول وقف إطلاق النار إلى مجرد استراحة بين حربين. فإذا لم تتم معالجة أسباب الصراع، يمكن أن يعود القتال بعد سنوات. وهذا حدث في السودان تاريخياً بأشكال مختلفة: اتفاقات سلام تنهي مرحلة، لكنها لا تبني دولة قادرة على منع عودة الصراع.

لذلك فإن السلام الحقيقي يحتاج إلى إعادة تعريف الدولة السودانية نفسها. يجب أن يكون السلاح تحت سلطة الدولة، والجيش مؤسسة وطنية لا لاعباً سياسياً، والموارد الطبيعية ملكاً للدولة والمجتمع، والحكم قائماً على المؤسسات، والانتقال السياسي محمياً من الانقلابات.

الخلاصة

الحرب السودانية ليست حرباً بلا نهاية بالمعنى الحتمي، لكنها أصبحت حرباً قادرة على إنتاج أسباب استمرارها. وهذا هو الخطر الأكبر.

بدأت الحرب بسبب صراع سوداني على السلطة، ثم دخلت إليها التدخلات الخارجية. السلاح رفع قدرة الأطراف على القتال، والمال سمح بتمويل المعارك، والذهب وفر مورداً مستمراً، والحدود وفرت طرقاً للإمداد، والدبلوماسية المتعددة منحت المتحاربين مساحات للمناورة.

مصر تنظر إلى السودان من بوابة الأمن والنيل والحدود، وتركيا من بوابة السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا العسكرية، والسعودية من بوابة البحر الأحمر والوساطة والأمن الإقليمي، وقطر من بوابة الوساطة والعلاقات التاريخية والمساعدات. وإيران وروسيا وقوى أخرى لها حساباتها الخاصة. لكن أياً من هذه الدول لا تستطيع وحدها إنهاء الحرب.

الحل الحقيقي يبدأ عندما تتوقف القوى الخارجية عن التعامل مع السودان باعتباره مجرد مساحة للمصالح، وتبدأ في التعامل معه باعتباره دولة يجب أن تبقى موحدة ومستقرة. ويبدأ أيضاً عندما يدرك طرفا الحرب أن الدعم الخارجي لا يمكن أن يمنحهما نصراً نهائياً، وأن استمرار القتال لن يؤدي إلا إلى تدمير الدولة التي يتنافسان على حكمها.

فالجيش قد يربح معركة، والدعم السريع قد يسيطر على مدينة، ودولة خارجية قد تكسب نفوذاً مؤقتاً، وشبكة اقتصادية قد تحقق أرباحاً من الذهب، لكن لا أحد يستطيع أن يربح السودان إذا خسر السودان نفسه.

وهذه هي المفارقة الكبرى في الحرب: الجميع يقاتل من أجل الدولة، بينما الدولة نفسها تتآكل.

ولهذا فإن نهاية الحرب لن تأتي عندما يرفع طرف راية النصر فوق الخرطوم، وإنما عندما يصبح السلام أكثر فائدة من الحرب بالنسبة إلى السودانيين، وأكثر فائدة أيضاً بالنسبة إلى القوى الإقليمية التي تملك القدرة على التأثير فيها. حينها فقط يمكن أن تتحول التدخلات الخارجية من وقود للحرب إلى أدوات لصناعة السلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى