السودانيون يواجهون البرهان بحملة إلكترونية.. وسم «أختانا» يتصدر المنصات
يتواصل تداول هاشتاغ «أختانا» على منصات التواصل الاجتماعي، في إطار حملة احتجاجية رقمية يشارك فيها ناشطون ومواطنون سودانيون للمطالبة برحيل قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، وسط تصاعد الغضب الشعبي من استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وتفاقم الأزمة الإنسانية التي ألقت بظلالها على ملايين السودانيين منذ اندلاع الصراع في أبريل 2023.
ويحمل الهاشتاغ، الذي يستند إلى تعبير متداول في اللهجة السودانية بمعنى «اتركنا وشأننا» أو «ارحل»، دلالات تتجاوز مجرد الاحتجاج على الأوضاع الراهنة، ليعكس حالة من السخط تجاه استمرار الحرب وتعثر الجهود الرامية إلى إنهائها، فضلاً عن تزايد المطالب الشعبية بفتح صفحة سياسية جديدة تضع معاناة المواطنين في صدارة الأولويات.
وتأتي هذه الحملة في وقت يواجه فيه السودان واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في تاريخه الحديث، مع استمرار المواجهات المسلحة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وما يرافقها من نزوح واسع النطاق، وانهيار أجزاء من الخدمات الأساسية، وتراجع فرص العمل ومصادر الدخل، إلى جانب صعوبات متزايدة في الحصول على الغذاء والدواء والرعاية الصحية.
هاشتاغ يتحول إلى مساحة للاحتجاج
لم يعد استخدام منصات التواصل الاجتماعي في السودان مقتصراً على متابعة التطورات العسكرية أو تداول الأخبار المتعلقة بمناطق الاشتباكات، بل تحولت هذه المنصات إلى فضاء للتعبير عن الغضب ومناقشة مستقبل البلاد، في ظل محدودية المساحات المتاحة للاحتجاج والتنظيم السياسي في ظروف الحرب.
وفي هذا السياق، يتيح هاشتاغ «أختانا» للمشاركين التعبير عن رفضهم استمرار الصراع، وتوجيه انتقادات إلى قيادة السلطة في بورتسودان، والمطالبة بتغيير المسار السياسي والعسكري الذي يحكم إدارة الأزمة. ويستخدم ناشطون مثل هذه الوسوم لتجميع المواقف المتفرقة ضمن نقاش عام يتجاوز الحدود الجغرافية، خصوصاً مع انتشار أعداد كبيرة من السودانيين داخل البلاد وخارجها.
وتكتسب الحملات الرقمية أهمية خاصة في بلد تسببت الحرب فيه في تفكيك الروابط الاجتماعية، وتعطيل المؤسسات، ودفع ملايين الأشخاص إلى مغادرة منازلهم. ففي ظل هذه الظروف، أصبحت المنصات الإلكترونية إحدى الوسائل المتاحة أمام قطاعات من المجتمع لإيصال أصواتها، وتبادل الشهادات حول الأوضاع المعيشية، وإبقاء المطالب السياسية حاضرة في النقاش العام.
غير أن اتساع تداول الهاشتاغ، في حد ذاته، لا يكفي لتحديد حجم التأييد الشعبي للحملة أو قياس مدى انتشارها داخل مختلف المناطق السودانية، خصوصاً أن الوصول إلى الإنترنت يظل متفاوتاً، كما أن ظروف النزوح وانقطاع الاتصالات وتفاوت القدرة على استخدام المنصات قد تؤثر في طبيعة التفاعل الرقمي.
الحرب تضاعف الضغوط على السودانيين
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، دخل السودان في دوامة من الأزمات المتداخلة، حيث لم تقتصر آثار القتال على الخسائر البشرية والدمار المادي، بل امتدت إلى مختلف جوانب الحياة اليومية، من توفير الغذاء والمياه إلى التعليم والصحة والسكن.
وأدى استمرار العمليات العسكرية إلى موجات واسعة من النزوح، مع اضطرار عائلات كثيرة إلى مغادرة مناطقها بحثاً عن الأمان، في وقت تواجه فيه مناطق متعددة صعوبات في استقبال الوافدين وتوفير الاحتياجات الأساسية لهم. كما تضررت الأسواق والأنشطة التجارية والزراعية، وتراجعت فرص كسب العيش، ما زاد من هشاشة الأوضاع الاقتصادية لدى شرائح واسعة من السكان.
وتنعكس هذه الظروف على المواقف السياسية والاجتماعية، إذ يجد المواطن السوداني نفسه أمام أسئلة يومية تتعلق بالأمن والغذاء والعلاج ومستقبل أبنائه، في وقت لا تزال فيه نهاية الحرب غير واضحة. ومع اتساع الفجوة بين الاحتياجات الملحة للسكان واستمرار القتال، تتزايد المطالب بوقف العمليات العسكرية وإيجاد تسوية تضع حداً للمعاناة.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة الحملة الرقمية باعتبارها جزءاً من حالة أوسع من الاستياء المرتبطة بكلفة الحرب وتداعياتها، وليس فقط باعتبارها موقفاً سياسياً موجهاً ضد شخص أو قيادة بعينها. فالشعار الذي يطالب بالرحيل أو بترك المواطنين وشأنهم يعبر، في جانب منه، عن رغبة في الخروج من دائرة الصراع والعودة إلى حياة طبيعية تتيح للسودانيين تأمين احتياجاتهم الأساسية بعيداً عن مخاطر القتال وعدم الاستقرار.
انتقادات لقيادة السلطة في بورتسودان
تتضمن التفاعلات المرتبطة بالحملة انتقادات لقيادة عبد الفتاح البرهان، حيث يرى مشاركون أن استمرار الخيار العسكري لم يفضِ إلى إنهاء الحرب، بل أسهم في إطالة أمد الأزمة وتعميق التداعيات الإنسانية والاقتصادية. كما يعبّر منتقدون عن رفضهم لما يعتبرونه تغليباً للحسابات العسكرية والسياسية على متطلبات حماية المدنيين واستعادة الاستقرار.
وتتركز هذه الانتقادات على عدد من القضايا، من بينها غياب أفق واضح لإنهاء القتال، وصعوبة توفير الخدمات الأساسية، وتدهور الظروف المعيشية، فضلاً عن المخاوف المتعلقة بمستقبل الحكم المدني وموقع المؤسسات العسكرية في الحياة السياسية السودانية.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال المشهد السوداني في موقف واحد أو افتراض وجود إجماع بين المواطنين بشأن طبيعة الحل السياسي أو الأطراف التي ينبغي أن تقوده. فالمواقف داخل المجتمع تتباين بفعل الاختلافات السياسية والمناطقية والاجتماعية، كما تتأثر بالتجارب المباشرة للحرب وبالأوضاع الأمنية والإنسانية في كل منطقة.
لكن استمرار الحرب يضع القيادة العسكرية أمام ضغوط متزايدة بشأن قدرتها على تقديم مسار عملي ينهي الصراع ويحد من الخسائر. كما يثير تساؤلات حول مستقبل إدارة الدولة، والضمانات المطلوبة لمنع تكرار المواجهات المسلحة، وكيفية بناء مؤسسات قادرة على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.
وفي هذا السياق، تمثل الشعارات الاحتجاجية، ومنها «أختانا»، وسيلة للتعبير عن الاعتراض على المسار القائم، حتى إن كان تأثيرها المباشر في موازين القوى السياسية والعسكرية يظل رهناً بعوامل أخرى، بينها قدرة القوى المدنية على التنسيق، واتساع المشاركة الشعبية، وتوافر ظروف تسمح بتحويل المطالب إلى تحرك سياسي منظم.
المطالبة بإنهاء الحرب واستعادة الحكم المدني
إلى جانب الدعوات المطالبة برحيل البرهان، تعكس الحملة، وفق المواقف التي يتداولها المشاركون فيها، مطلباً أوسع يتمثل في إنهاء الحرب وفتح الطريق أمام انتقال سياسي يعيد الاعتبار للحكم المدني. وتكتسب هذه المطالب أهمية في ظل تعثر الجهود الرامية إلى وقف القتال، واستمرار الخلافات بشأن مستقبل مؤسسات الدولة وترتيبات المرحلة المقبلة.
ويرى أنصار الحل السياسي أن إنهاء الصراع لا ينبغي أن يقتصر على التوصل إلى هدنة مؤقتة، بل يجب أن يشمل ترتيبات تضمن حماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين، إلى جانب إطلاق عملية سياسية تتيح للسودانيين المشاركة في تحديد مستقبل بلادهم.
ويطرح هذا التصور تحديات كبيرة، في ظل تعقيد المشهد العسكري وتعدد الأطراف المؤثرة فيه، فضلاً عن تباين المواقف بشأن شكل السلطة الانتقالية، ومستقبل المؤسسات الأمنية، وآليات المساءلة عن الانتهاكات التي شهدتها الحرب. كما أن أي تسوية سياسية تواجه اختباراً أساسياً يتمثل في قدرتها على الانتقال من الاتفاقات المعلنة إلى إجراءات ملموسة يشعر المواطنون بنتائجها على أرض الواقع.
وتبرز هنا أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه القوى المدنية والمجتمعية في بلورة مطالب مشتركة، بعيداً عن الاصطفافات التي قد تعمق الانقسام. فوقف الحرب، واستعادة الخدمات، وتوفير الحماية للسكان، تمثل قضايا تتجاوز الخلافات السياسية، وتتطلب تنسيقاً واسعاً بين مختلف الأطراف السودانية، إلى جانب دعم إقليمي ودولي لجهود التسوية.
هل تتحول الاحتجاجات الرقمية إلى ضغط سياسي؟
يثير انتشار هاشتاغ «أختانا» سؤالاً بشأن قدرة الاحتجاج الرقمي على التأثير في مسار الأزمة السودانية. فالتجارب المختلفة تشير إلى أن منصات التواصل يمكن أن تساعد في نشر المطالب، وتوثيق الأحداث، وربط الناشطين، وتوسيع النقاش حول القضايا العامة، لكنها لا تؤدي بالضرورة، بمفردها، إلى تغيير سياسي مباشر.
ويتوقف تأثير هذه الحملات على عوامل متعددة، أبرزها مدى استمرار التفاعل معها، وقدرتها على الوصول إلى فئات اجتماعية مختلفة، وارتباطها بمطالب واضحة وقابلة للتحقق، فضلاً عن وجود قنوات تسمح بترجمة التعبير الرقمي إلى مبادرات مدنية وسياسية أوسع.
كما تواجه الحملات الرقمية تحديات مرتبطة بصعوبة التحقق من بعض المعلومات المتداولة، وانتشار الحسابات مجهولة الهوية، وإمكانية توظيف الوسوم في حملات مضادة أو في صراعات بين أطراف سياسية متنافسة. ولذلك، فإن تقييم حجمها وتأثيرها يتطلب النظر إلى طبيعة المشاركات ومصادرها وسياقها، وعدم الاكتفاء بأعداد المنشورات أو سرعة انتشار الشعار.
ومع ذلك، فإن استمرار تداول مطالب إنهاء الحرب والتغيير السياسي يسلط الضوء على حضور الأزمة السودانية في المجال العام، وعلى محاولات قطاعات من المجتمع إيجاد وسائل للتعبير عن مواقفها رغم القيود التي تفرضها ظروف الصراع.
أزمة تتجاوز تغيير الأشخاص
في نهاية المطاف، لا تنفصل المطالب التي يعبر عنها هاشتاغ «أختانا» عن سؤال أوسع يتعلق بمستقبل السودان، وطبيعة النظام السياسي الذي يمكن أن يخرج البلاد من دوامة الحرب والانقسام. فرحيل مسؤول أو تغيير قيادة لا يشكل، بمفرده، ضمانة لإنهاء الصراع ما لم يترافق مع اتفاق سياسي واضح، وترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ، ومؤسسات مدنية قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية.
ويحتاج السودان إلى مسار يعالج جذور الأزمة، ويعيد بناء الثقة بين المكونات السياسية والاجتماعية، ويضع حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات ضمن أولوياته. كما يتطلب التعافي إعادة تأهيل البنية التحتية، واستعادة الخدمات الأساسية، ودعم الاقتصاد، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين بصورة آمنة وطوعية.
وفي ظل هذه التحديات، يظل هاشتاغ «أختانا» تعبيراً عن حالة من الغضب والإنهاك لدى المشاركين فيه، ورسالة مفادها أن استمرار الحرب لم يعد بالنسبة إليهم مجرد صراع على السلطة، بل أزمة تمس تفاصيل الحياة اليومية ومستقبل أجيال كاملة.
وبين المطالبة برحيل البرهان والدعوة إلى استعادة الحكم المدني، يبقى التحدي الأكبر أمام السودانيين هو تحويل الغضب المتراكم إلى مسار سياسي قادر على وقف الحرب، وحماية المدنيين، واستعادة مؤسسات الدولة، وفتح أفق جديد أمام بلد أنهكته سنوات من الصراع وعدم الاستقرار.




