السعودية شريك في إطالة حرب السودان وحماية سلطة العسكر
لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع بين الجيش وقوات الدعم السريع، ولا مجرد مواجهة عسكرية اندلعت بسبب الخلاف على دمج القوات المسلحة وترتيبات الانتقال السياسي. لقد أصبحت الحرب اختبارًا حقيقيًا لطبيعة العلاقات بين السودان والقوى الإقليمية التي تنظر إلى هذا البلد باعتباره مساحة استراتيجية على البحر الأحمر، ومصدرًا للثروات الزراعية والحيوانية والمعدنية، وساحة للتنافس على النفوذ السياسي والأمني. وفي قلب هذه المعادلة تقف السعودية، التي تمتلك من الإمكانات الاقتصادية والدبلوماسية ما يؤهلها للتأثير في مسار الحرب، لكنها لم تنجح، حتى الآن، في تحويل نفوذها إلى تسوية تنهي معاناة السودانيين بصورة مستدامة.
إن السؤال الأساسي ليس ما إذا كانت السعودية قد أعلنت تأييدها للسلام، بل ما إذا كانت سياساتها العملية قد ساهمت في تهيئة الظروف الضرورية لإنهاء الحرب، أم أنها اكتفت بإدارة الأزمة بما يحفظ مصالحها ويمنع خروج السودان من دائرة النفوذ الإقليمي. فهناك فرق كبير بين دولة تستثمر قوتها السياسية والاقتصادية لفرض وقف إطلاق النار، ودولة تكتفي باستضافة الاجتماعات وإصدار البيانات بينما يستمر القتال وتتسع دائرة الكارثة الإنسانية.
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تبنّت الرياض خطابًا يدعو إلى وقف القتال وحماية المدنيين، وشاركت الولايات المتحدة في استضافة محادثات جدة. وقد مثّلت هذه المبادرة إحدى أهم محاولات التفاوض المباشر بين الجيش وقوات الدعم السريع في الأشهر الأولى للحرب. لكن الاتفاقات والتعهدات الإنسانية التي خرجت من هذه المساعي لم تتحول إلى وقف دائم لإطلاق النار، ولم تنجح في إنشاء آلية فعالة تضمن التزام الطرفين بما تعهدا به. واستمرت الانتهاكات، وتوسعت رقعة الدمار، ووجد ملايين السودانيين أنفسهم بين النزوح والجوع وانهيار الخدمات الأساسية.
لا يمكن تحميل السعودية وحدها مسؤولية فشل المفاوضات، لأن قرار استمرار القتال ظل في يد القيادات السودانية المتحاربة، ولأن مواقف القوى الدولية والإقليمية الأخرى أسهمت بدورها في تعقيد المشهد. لكن هذه الحقيقة لا تعفي الرياض من المسؤولية السياسية التي تترتب على حجم نفوذها وعلاقاتها بقيادة الجيش السوداني. فالدولة التي تستطيع الوصول إلى أعلى مستويات القيادة العسكرية، وتملك أدوات الاستثمار والمساعدات والوساطة، لا يمكنها الاكتفاء بالقول إنها تدعم السلام، ثم تتعامل مع استمرار الحرب باعتباره أزمة خارجة عن قدرتها على التأثير.
لقد كشفت التجربة السودانية عن محدودية الدبلوماسية التي تكتفي بتقريب وجهات النظر من دون وضع ثمن سياسي واضح أمام من يرفض التسوية. فحين يرفض طرف تقديم تنازلات حقيقية، أو يضع شروطًا تجعل وقف الحرب مستحيلًا عمليًا، يصبح من الضروري أن تنتقل الوساطة من مرحلة الدعوات العامة إلى مرحلة الضغط الفعلي. ويشمل ذلك ربط العلاقات السياسية والاقتصادية بالتزامات قابلة للقياس، وفرض جدول زمني واضح لوقف الأعمال العدائية، وإنشاء آلية مستقلة لمراقبة تنفيذ الاتفاقات، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة.
أما استمرار الاكتفاء بالاجتماعات، فإنه يمنح القيادات المتحاربة وقتًا إضافيًا لإعادة ترتيب صفوفها وتعبئة قواتها، حتى لو لم يكن هذا هو الهدف المعلن للوساطة. وقد تتحول عملية السلام، من حيث النتيجة، إلى فترة استراحة تستخدمها الأطراف لتجديد قدرتها على القتال، بدلًا من أن تكون طريقًا لإنهائه. وهذا أحد أخطر أوجه الفشل في إدارة الأزمة السودانية: أن تصبح المفاوضات نشاطًا دبلوماسيًا منفصلًا عن واقع الميدان، بينما يدفع المدنيون ثمن الفجوة بين التصريحات والنتائج.
وتكتسب المصالح السعودية في السودان أهمية خاصة بسبب الموقع الجغرافي للبلاد. فالسودان يطل على البحر الأحمر، بالقرب من ممرات بحرية تؤثر في التجارة الدولية وأمن الطاقة وحركة السفن. كما يمتلك أراضي زراعية واسعة، وموارد حيوانية ومعدنية، وإمكانات يمكن أن تجعل منه شريكًا اقتصاديًا مهمًا لدول الخليج. ولذلك فإن استقرار السودان ليس مسألة إنسانية فحسب، بل يرتبط مباشرة بالحسابات الاستراتيجية والاقتصادية السعودية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستقرار إلى مفهوم يقتصر على حماية المؤسسات القائمة، بدلًا من بناء دولة مستقرة تستند إلى الشرعية الشعبية. فاستمرار مؤسسة عسكرية في السلطة لا يعني بالضرورة استقرار البلاد، كما أن بقاء القيادة القائمة لا يضمن وحدة الدولة أو سلامة أراضيها. قد يبدو الحفاظ على قيادة مركزية خيارًا أقل مخاطرة بالنسبة إلى دولة إقليمية تبحث عن شريك معروف يمكن التفاوض معه، لكنه قد يصبح خيارًا مكلفًا إذا ارتبط باستمرار الحرب وإقصاء القوى المدنية وتوسيع نفوذ الجماعات المسلحة.
وهنا تظهر إحدى المعضلات الأساسية في السياسة السعودية تجاه السودان: هل الأولوية لإنهاء الحرب وإقامة نظام سياسي قادر على الاستمرار، أم للحفاظ على علاقة مستقرة مع السلطة التي تسيطر على مؤسسات الدولة في الوقت الراهن؟ قد تجتمع الأولويتان في بعض الظروف، لكنهما تتعارضان عندما ترفض القيادة العسكرية تقديم تنازلات سياسية، أو عندما تستخدم خطاب السيادة لتجنب أي مساءلة عن قراراتها.
إن التعامل مع قيادة الجيش باعتبارها الممثل الوحيد الممكن للسودان ينطوي على مخاطر كبيرة. فالسودان ليس مؤسسة عسكرية، ولا يمكن اختزال شعبه في مجلس سيادة أو قيادة أركان أو حكومة تدير شؤون البلاد من مدينة بورتسودان. هناك قوى مدنية ونقابات ولجان مقاومة ومنظمات مهنية ومبادرات مجتمعية وناشطون يعملون في ظروف بالغة الصعوبة، وهم جزء أساسي من أي عملية سياسية تريد إنهاء الحرب بصورة مستدامة.
وعندما تتعامل الدبلوماسية الإقليمية مع هؤلاء الفاعلين باعتبارهم أطرافًا ثانوية، بينما تمنح القيادات العسكرية الاعتراف والوقت والموارد السياسية، فإنها تسهم في إعادة إنتاج اختلال القوة الذي قاد البلاد إلى الأزمة. فالجيش والدعم السريع لم ينشآ في فراغ، بل تطورا داخل نظام سياسي وأمني سمح بتضخم القوة المسلحة على حساب المؤسسات المدنية. ومن ثم فإن معالجة الحرب دون معالجة جذورها السياسية تعني تأجيل الانفجار المقبل، لا ضمان عدم وقوعه.
ولا يكفي هنا القول إن الرياض استضافت مفاوضات جدة، لأن نجاح الوساطة لا يقاس بعدد الاجتماعات أو بمستوى المسؤولين المشاركين فيها، وإنما بقدرتها على تغيير سلوك الأطراف المتحاربة. وقدرة الوسيط على جمع المتفاوضين ليست دليلًا على نجاحه النهائي، كما أن الإعلان عن مبادرة جديدة لا يمثل في حد ذاته تقدمًا إذا لم يتبعه تنفيذ على الأرض.
المطلوب من السعودية أن تتعامل مع وقف الحرب باعتباره التزامًا سياسيًا محددًا، لا مجرد هدف دبلوماسي عام. ويعني ذلك أن تطالب الجيش وقوات الدعم السريع بوقف الهجمات على المدنيين، وتسهيل الإغاثة، والكشف عن مصير المحتجزين والمفقودين، وفتح ممرات آمنة، والقبول بمسار سياسي مدني لا يمنح أي طرف حق احتكار السلطة. كما يتطلب الأمر الشفافية بشأن طبيعة العلاقات الاقتصادية والعسكرية مع الأطراف السودانية، حتى لا تتحول المصالح الخارجية إلى عامل غامض يصعب تقييم أثره على مسار الحرب.
إن السعودية ليست مضطرة إلى الاختيار بين مصالحها وبين مصلحة الشعب السوداني. على العكس، فإن السودان المستقر، الذي يمتلك مؤسسات مدنية قوية واقتصادًا قابلًا للتعافي، يمكن أن يكون شريكًا أكثر موثوقية من بلد تحكمه الانقسامات العسكرية وتنهكه الحروب المتكررة. لكن تحقيق ذلك يتطلب التخلي عن الاعتقاد بأن بقاء السلطة القائمة هو الطريق الأقصر إلى الاستقرار.
في النهاية، لا يمكن وصف الدور السعودي بأنه السبب الوحيد في إطالة الحرب، ولا تتوافر أدلة كافية تسمح بالجزم بأن الرياض اتخذت قرارًا متعمدًا لإبقائها مشتعلة. لكن يمكن توجيه نقد سياسي واضح إلى محدودية الضغط الذي مارسته، وإلى الفجوة بين وزنها الإقليمي والنتائج التي حققتها وساطتها. فحين تفشل المبادرات في وقف الحرب، ويستمر التعامل مع القيادة العسكرية من دون ضمانات سياسية ملزمة، يصبح من المشروع مساءلة الوسيط عن حدود جهوده وعن المصالح التي تحكم أولوياته.
السودانيون لا يحتاجون إلى مزيد من المؤتمرات التي تنتهي ببيانات عامة، بل إلى موقف إقليمي يضع حدًا لاستمرار الحرب، ويجعل حماية المدنيين أولوية تتقدم على حسابات النفوذ، ويمنع تحويل السودان إلى ورقة تفاوض في صراعات الآخرين. وإذا كانت الرياض تريد أن تكون شريكًا حقيقيًا في مستقبل السودان، فعليها أن تثبت أن علاقتها بالقيادة العسكرية ليست أهم من حق السودانيين في الحياة والحرية واختيار من يحكمهم.




