قطر والسودان.. هل تتحول الحرب إلى بوابة للهيمنة على القرار الوطني؟
في الحروب الطويلة، لا تقتصر المعركة على السيطرة على الأرض، بل تمتد إلى السيطرة على القرار السياسي والاقتصادي، وإلى تحديد من يملك حق رسم مستقبل الدولة بعد توقف المدافع. وفي السودان، حيث تسببت الحرب في تدمير واسع ونزوح الملايين وتراجع مؤسسات الدولة، أصبح مستقبل العلاقات الخارجية قضية لا تقل أهمية عن مستقبل الجبهات العسكرية. فالدولة التي تدخل الحرب وهي تعاني من أزمات اقتصادية وسياسية قد تجد نفسها، مع مرور الوقت، أكثر اعتمادًا على الأطراف الخارجية التي تستطيع توفير الدعم والتمويل والعلاقات الدبلوماسية. وهنا يبرز السؤال المتعلق بقطر: هل يمكن أن يتحول نفوذها التاريخي في السودان إلى وسيلة للتأثير في قراراته الاستراتيجية، وهل يملك البرهان الضمانات الكافية لمنع تحول الحاجة إلى الدعم إلى تبعية سياسية؟
تستند العلاقة القطرية السودانية إلى تاريخ من التعاون السياسي والاقتصادي والإنساني. وقد لعبت الدوحة دورًا بارزًا في جهود التسوية المتعلقة بدارفور، كما أعلنت عن مشاريع تنموية ومساعدات إنسانية للإقليم. وعلى مدى سنوات، شكل السودان إحدى الساحات التي سعت قطر من خلالها إلى توسيع حضورها الإقليمي، مستفيدة من العلاقات السياسية وشبكات التواصل مع القوى المحلية. وتوضح الدراسات الأكاديمية أن هذه العلاقة ارتبطت بحسابات استراتيجية، ولم تكن منفصلة عن التنافس الإقليمي أو عن توجهات السياسة الخارجية القطرية. لكن النفوذ الخارجي لا يتحول بالضرورة إلى هيمنة. فالدول تتبادل المصالح، وتبرم الاتفاقيات، وتستقبل الاستثمارات، وتطلب المساعدات خلال الأزم
ات. والمشكلة تبدأ عندما تتراجع قدرة المؤسسات الوطنية على مراجعة تلك الاتفاقيات، أو عندما تصبح القرارات الاقتصادية والأمنية مرتبطة بحاجة القيادة إلى استمرار الدعم الخارجي. ولهذا فإن تقييم العلاقة بين قطر والسودان يجب أن ينطلق من سؤال واضح: هل تعزز هذه العلاقة قدرة الدولة السودانية على النهوض، أم تزيد اعتمادها على جهة خارجية في مرحلة تتسم بضعف المؤسسات وتراجع الرقابة؟
إن البرهان، بصفته قائد المؤسسة العسكرية ورئيس مجلس السيادة، يتحمل مسؤولية كبيرة في حماية استقلال القرار السوداني. ولا يكفي أن تؤكد القيادة أن علاقاتها الخارجية تقوم على المصالح المشتركة؛ بل ينبغي أن تكون قادرة على إثبات ذلك من خلال اتفاقيات واضحة، ومعلومات متاحة عن الالتزامات المالية والاقتصادية، ورقابة على القرارات التي تمس الموارد الوطنية. فالسودان ليس ملكًا لمن يدير السلطة في زمن الحرب، وأي تفاهم يتعلق بمستقبله يجب أن يخضع لمصلحة الشعب، لا لمتطلبات بقاء القيادة أو احتياجاتها العسكرية.
ومن هنا، فإن الحديث عن أن البرهان «باع السودان لتميم» ينبغي أن يتحول من شعار سياسي إلى أسئلة محددة يمكن التحقق من إجاباتها. هل تنازلت القيادة السودانية عن حقوق اقتصادية أو استراتيجية مقابل دعم مالي أو سياسي؟ هل توجد اتفاقيات تمنح امتيازات طويلة الأجل في الأراضي أو الموانئ أو الموارد الطبيعية؟ هل أُبرمت تفاهمات أمنية لا تخضع للرقابة المؤسسية؟ وهل ترتبط أي مساعدات بشروط سياسية تؤثر في استقلال القرار السوداني؟ لا يمكن الجزم بوقوع مثل هذه التنازلات دون أدلة، لكن طرح هذه الأسئلة ومطالبة السلطات بالإجابة عنها حق مشروع للسودانيين.
وتزداد أهمية الرقابة عندما يتعلق الأمر بالبحر الأحمر. فالموقع الجغرافي للسودان يمنحه أهمية استراتيجية في حركة التجارة والملاحة، ويجعل موانئه وسواحله موضع اهتمام دول عديدة. ويمكن للتعاون الخارجي في تطوير البنية التحتية والموانئ أن يحقق عوائد اقتصادية كبيرة، إذا جرى ضمن اتفاقيات شفافة وتنافسية تحمي حقوق الدولة. لكن أي ترتيبات تُبرم في ظروف الحرب، من دون رقابة كافية أو تقييم مستقل للمخاطر، قد تثير مخاوف بشأن توزيع المنافع والالتزامات طويلة الأجل.
والأمر نفسه ينطبق على الزراعة والتعدين والطاقة. فالسودان يحتاج إلى استثمارات ضخمة لإعادة بناء اقتصاده، وإصلاح البنية التحتية، واستعادة الإنتاج، وتوفير فرص العمل لملايين المتضررين. غير أن الاستثمار الذي يُبرم بعيدًا عن المؤسسات الرقابية قد يتحول إلى وسيلة لتركيز الثروة أو منح امتيازات غير متوازنة. ولذلك يجب ألا يكون معيار النجاح هو حجم الأموال التي تدخل البلاد فقط، بل أيضًا عدد الوظائف التي تُخلق، والعوائد التي تحصل عليها الدولة، ومدى حماية حقوق المجتمعات المحلية، وشفافية العقود، وقدرة السودان على تعديل الاتفاقيات إذا تعارضت مع مصالحه المستقبلية.
وتبرز مشكلة أخرى عندما تصبح العلاقات الخارجية امتدادًا للصراع الداخلي. فالقيادة العسكرية التي تواجه تحديات في الداخل قد تسعى إلى تعزيز علاقاتها مع حلفاء قادرين على توفير الدعم السياسي أو الاقتصادي. وفي المقابل، قد تجد الدولة الداعمة في هذه العلاقة فرصة لتوسيع نفوذها أو تعزيز موقعها في ملفات إقليمية أوسع. وعندما تتشابك هذه المصالح، قد تصبح التسوية السياسية أقل جاذبية إذا اعتقد أحد الأطراف أن استمرار الوضع القائم يمنحه مكاسب أفضل.
وهذا الاحتمال لا يخص قطر وحدها، بل يمثل خطرًا عامًا في أي حرب تتحول فيها الدولة إلى ساحة تنافس إقليمي. لكن مسؤولية الدوحة تظل مرتبطة بما تختار أن تفعله في السودان: هل تستخدم علاقاتها لتعزيز قدرة السودانيين على إنهاء الحرب، أم تكتفي بالحفاظ على قنوات النفوذ مع مراكز السلطة القائمة؟ إن الإجابة العملية عن هذا السؤال أهم من التصريحات العامة، لأنها تحدد ما إذا كانت العلاقة تخدم الاستقرار أم تعزز الاعتماد المتبادل بين قيادة عسكرية ودولة خارجية.
ولا بد من النظر إلى البعد السياسي الداخلي. فالحرب السودانية لم تنشأ بسبب التدخل الخارجي وحده، بل اندلعت نتيجة صراع داخلي على السلطة وترتيبات دمج القوات العسكرية ومستقبل الانتقال المدني. وقد أشار تحليل رويترز لأسباب الحرب إلى الخلافات حول القيادة العسكرية والانتقال إلى حكم مدني والرقابة على القوات المسلحة بوصفها عناصر مركزية في الأزمة. لذلك فإن أي مقاربة تركز على الخارج وحده تتجاهل مسؤولية القيادات السودانية عن القرارات التي أدت إلى الحرب وعن رفض التسويات أو تعطيلها.
وإذا كانت قطر تريد أن تكون شريكًا موثوقًا في مستقبل السودان، فإن عليها دعم عملية سياسية لا تقتصر على التفاهم مع القيادة العسكرية، بل تشمل القوى المدنية والمجتمعات المتضررة من الحرب. كما ينبغي أن تربط علاقاتها مع السلطات السودانية بأهداف واضحة، مثل حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، ووقف الهجمات على المناطق السكنية، وتوفير ضمانات لعدم العودة إلى القتال. فالسلام الذي يقوم على تفاهمات بين القادة فقط قد يوقف المعارك مؤقتًا، لكنه لا يعالج الأسباب التي جعلت الحرب ممكنة أصلًا.
وفي المقابل، يتعين على البرهان أن يدرك أن الحفاظ على العلاقات الخارجية لا يمكن أن يكون بديلًا عن استعادة الشرعية السياسية الداخلية. فالدعم الذي يأتي من الخارج لا يمنح أي قيادة تفويضًا دائمًا لحكم البلاد، ولا يعفيها من مسؤولية حماية المدنيين أو إتاحة المشاركة السياسية. وإذا كان السودان يريد الخروج من دائرة الحروب والانقلابات، فلا بد من إعادة بناء المؤسسات على أسس تضمن الرقابة والمحاسبة وتداول السلطة، حتى لا يصبح مستقبل البلاد رهينة لتوازنات القوة العسكرية أو لشبكات المصالح الخارجية.
كما ينبغي ألا تُختزل المساعدات الإنسانية في الحسابات السياسية. فقد أعلنت قطر تقديم دعم إغاثي للسودان والمشاركة في الجهود الدولية للاستجابة للأزمة. وهذه المساعدات، عندما تصل إلى المحتاجين وتخضع للرقابة، يمكن أن تخفف من معاناة المدنيين. لكن من الضروري أن تبقى المساعدات الإنسانية منفصلة عن أي دعم للعمليات القتالية، وألا تُستخدم وسيلة لبناء الولاءات السياسية أو للتأثير في خيارات المجتمعات المتضررة.
إن مستقبل السودان لن يتحدد فقط بمن يحقق تقدمًا عسكريًا، بل بمن يستطيع بناء مؤسسات تحمي الموارد وتمنع احتكار السلطة وتعيد الثقة بين الدولة والمجتمع. وفي هذا السياق، لا ينبغي أن يكون السؤال هو ما إذا كان السودان يحتاج إلى قطر؛ فالسودان يحتاج إلى التعاون مع دول عديدة، وإلى الاستثمارات والمساعدات والشراكات الاقتصادية. السؤال هو: بأي شروط يتم هذا التعاون، ومن يراقبه، ومن يستفيد منه، وهل يعزز استقلال الدولة أم يجعلها أكثر هشاشة أمام الضغوط الخارجية؟
وإذا كانت هناك مخاوف من أن يكون البرهان قد قدم تنازلات لتميم، فإن الطريق إلى حسمها هو نشر الوثائق والتحقيق في الاتفاقيات ومساءلة المسؤولين عنها، لا الاكتفاء بتكرار اتهامات غير موثقة. فالشفافية هي التي تكشف إن كانت العلاقة تعاونًا متوازنًا أم ترتيبات تخدم طرفًا على حساب آخر. كما أن المحاسبة لا ينبغي أن تقتصر على قطر، بل يجب أن تشمل كل جهة خارجية يثبت أنها استغلت الحرب لفرض شروط أو الحصول على امتيازات غير عادلة.
في النهاية، لا تستطيع أي دولة أن تفرض الهيمنة على السودان إذا امتلك السودانيون مؤسسات قوية ورقابة مستقلة وقرارًا سياسيًا نابعًا من إرادتهم. لكن ضعف المؤسسات يجعل أي علاقة خارجية، مهما بدأت بشعارات التعاون، عرضة للتحول إلى مصدر للضغط والتبعية. ومن هنا، فإن المسؤولية تقع على البرهان في المقام الأول لحماية القرار الوطني، وعلى قطر أن تثبت أن مصالحها في السودان لا تتقدم على حق السودانيين في السلام والسيادة.
السودان ليس صفقة بين البرهان وتميم، ولا ملكًا لحليف خارجي، ولا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. إنه دولة لها شعب وموارد وحقوق ومستقبل. وأي علاقة دولية لا تساعد على حماية هذه الحقوق، ولا تسهم في وقف الحرب واستعادة الحكم المدني، يجب أن تخضع للمراجعة والمساءلة. فالمعيار النهائي ليس ما يكسبه القادة من التحالفات، بل ما يستعيده السودانيون من أمن وحرية وسيادة على وطنهم.




