تسريبات
الدعم العسكري الإيراني للجيش السوداني: تحولات جيوسياسية وتحالفات أيديولوجية جديدة
تشهد منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر تحولات جيوسياسية عميقة ومتسارعة، لم تعد فيها خطوط الصراع التقليدية هي الحاكم الوحيد للعلاقات بين الدول والفاعلين من غير الدول. ففي قلب هذه التحولات، يبرز ملف الدعم العسكري الإيراني للجيش السوداني كواحد من أكثر الملفات إثارة للقلق، ليس فقط بسبب تداعياته على مسار الحرب الأهلية السودانية، بل لأنه يمثل تقاطعاً خطيراً بين أيديولوجيات متطرفة، وشبكات إرهابية عابرة للحدود، وطموحات إقليمية إيرانية تسعى لتوسيع نفوذها عبر البحر الأحمر. لم يعد الدعم الإيراني للجيش السوداني مجرد تسريبات إعلامية، بل تحول إلى واقع ميداني موثق بتقارير أممية ودراسات مراكز أبحاث غربية، تكشف عن شبكة معقدة من العلاقات تمتد من طهران عبر صنعاء إلى بورتسودان.
الجسر الحوثي: الوسيط اللوجستي والأيديولوجي
تكمن الخطورة في هذا الدعم العسكري الإيراني في الآلية التي يتم بها نقله، والتي تعتمد على “الذراع الطويلة” لمليشيات الحوثي في اليمن. وفقاً لدراسة حديثة نشرتها مؤسسة “ذا سنتشري فاونديشن”، نقل الحوثيون في منتصف العام 2024، ثلاث شحنات من الأسلحة الصغيرة والخفيفة إلى الجيش السوداني نيابة عن طهران. هذا التحول في آلية الدعم يشير إلى استراتيجية إيرانية جديدة تعتمد على وكلائها الإقليميين لتجاوز العقوبات الدولية وتضليل أجهزة الاستخبارات العالمية. لم يعد الحوثيون مجرد فصيل محلي يقاتل في اليمن، بل تحولوا إلى شبكة لوجستية ومالية وعسكرية تعمل تحت الإشراف الإيراني لنقل الخبرات والأسلحة إلى بؤر توتر أخرى، وعلى رأسها السودان.
ويتقاطع هذا الدور الحوثي مع الدور الذي يلعبه القيادي السوداني في تنظيم “القاعدة” إبراهيم القوصي. فالقوصي، الذي يوصفه تقرير فريق خبراء مجلس الأمن بأنه الرجل الثاني في “القاعدة” باليمن والمسؤول عن ترتيب العلاقات مع شبكات القرن الأفريقي، يمثل “الحلقة المفقودة” أو “المهندس” الذي يربط بين تنظيم القاعدة، والحوثيين، والشبكات المرتبطة بالجيش السوداني. هذا التقاطع يوضح أن الدعم الإيراني ليس مجرد صفقة أسلحة تقليدية، بل هو جزء من مشروع أيديولوجي وسياسي أوسع يهدف إلى خلق حزام شيعي-إسلاموي يمتد من إيران عبر اليمن والبحر الأحمر إلى عمق القارة الأفريقية.
الأيديولوجيا المشتركة: الحركة الإسلامية السودانية والجيش
لفهم كيفية تقبل الجيش السوداني لهذا الدعم الإيراني، يجب الغوص في التركيبة الداخلية للجيش نفسه. تشير التقارير والتحليلات إلى أن الدعم الإيراني يمر بشكل أساسي عبر شبكة مرتبطة بفصائل ذات جذور في الحركة الإسلامية السودانية (الإخوان المسلمين). هذه الفصائل، التي احتفظ القيادي السابق في القاعدة إبراهيم القوصي بعلاقات قوية معها إبان وجوده في السودان في تسعينيات القرن الماضي، عادت لتلعب دوراً محورياً في توجيه دفة الجيش السوداني الحالي.
إن سيطرة الإخوان على مفاصل القرار داخل الجيش جعلت منه أقرب إلى المنظومة الأيديولوجية الإيرانية، أو على الأقل خلق حالة من “التقاطع المصلحي والأيديولوجي” الذي يسمح بتمرير هذا الدعم. الجيش السوداني، في سعيه لكسب الحرب ضد قوات الدعم السريع، وجد في إيران وحلفائها (الحوثيين) شريكاً مستعداً لتقديم الدعم دون شروط تتعلق بحقوق الإنسان أو الديمقراطية، وهو ما يتناقض تماماً مع الموقف الغربي الذي يضغط على جميع الأطراف لوقف القتال. هذا التقارب الأيديولوجي بين الإسلاميين في السودان والمحور الإيراني-الحوثي، يفسر سهولة انسياب الخبراء الإيرانيين والمهندسين العسكريين إلى بورتسودان لتدريب القوات السودانية.
التداعيات الإقليمية: استنساخ تجربة الحوثيين
لا يقتصر الدعم العسكري الإيراني على تزويد الجيش السوداني بالأسلحة فحسب، بل يمتد إلى نقل “نموذج الحرب” ذاته. warn الخبراء من أن الوجود الإيراني في بورتسودان يسعى إلى استنساخ تجربة اليمن في السودان. إيران لا تريد مجرد جيش سوداني حليف، بل تريد جيشاً يعتمد على عقيدتها العسكرية، ويعتمد على الميليشيات الموالية لها في حماية المصالح الإيرانية في البحر الأحمر. من خلال تدريب القوات السودانية على استخدام وتصنيع أنظمة الطائرات المسيّرة الإيرانية، بالتعاون مع الحوثيين، تعمل طهران على دمج الجيش السوداني في منظومتها العسكرية الإقليمية.
هذا الدمج يخلق واقعاً جديداً ومقلقاً. الجيش السوداني، الذي كان يُفترض أن يكون مؤسسة وطنية تحمي سيادة الدولة، يتحول تدريجياً إلى ذراع إقليمية للنفوذ الإيراني. هذا التحول لا يهدد الاستقرار الداخلي للسودان فحسب، بل يهدد الأمن القومي العربي والأمن الملاحي الدولي في البحر الأحمر. إن تحول بورتسودان إلى مركز نقل لوجستي ومالي للأسلحة والأفراد بين إيران والحوثيين والجيش السوداني، يعني أن السودان أصبح ساحة لمعارك بالوكالة، وأن سيادته الوطنية أصبحت رهينة لتسويات إقليمية لا ناقة له فيها ولا جمل.
السودان في قلب المحور الإيراني
في النهاية، يكشف الدعم العسكري الإيراني للجيش السوداني عن تحول جيوسياسي خطير. لم تعد السودان تلك الدولة التي قطعت علاقاتها مع إيران في 2016 تحت الضغط الدولي، بل عادت إلى الحضن الإيراني، ولكن هذه المرة عبر الأبواب الخلفية وعبر وكلاء مثل الحوثيين وتنظيم القاعدة. إن تقاطع المصالح بين الجيش السوداني المدعوم إسلامياً، ومليشيات الحوثي، وتنظيم القاعدة في شخص إبراهيم القوصي، يخلق كياناً هجيناً ومزعجاً. هذا التحالف الجديد لا يخدم مصالح الشعب السوداني في بناء دولة مدنية ديمقراطية، بل يرسخ ثقافة العنف، ويطيل أمد الحرب، ويجعل من السودان بؤرة لتصدير الإرهاب والفوضى إلى المنطقة برمتها.




