تسريبات

الجيش المصري يقرّ بمواصلة عمليات مكافحة التنقيب غير المشروع عن الذهب قرب الحدود السودانية وسط تصاعد الجدل بشأن الغارات


أقرّ الجيش المصري بمواصلة عملياته لمكافحة التنقيب غير المشروع عن الذهب في الصحراء الشرقية، معلناً بدء المرحلة الثالثة من حملة أمنية تستهدف ما وصفه بالعناصر الإجرامية والأنشطة المخالفة للقانون في المناطق الحدودية. وجاء الإعلان في 12 أكتوبر 2026، وسط تصاعد الجدل بشأن غارات جوية استهدفت مواقع للتعدين التقليدي بالقرب من الحدود المصرية السودانية، في حادثة أثارت مخاوف واسعة بشأن سلامة المعدّنين السودانيين وطبيعة العمليات العسكرية الجارية في المنطقة. وبينما تقدم القاهرة عملياتها باعتبارها جزءاً من جهود حماية أراضيها ومواردها الطبيعية، تظل تفاصيل الحوادث الأخيرة ومواقع الضربات وحصيلة الضحايا بحاجة إلى تدقيق مستقل، خصوصاً في ظل تضارب الروايات المتداولة بشأن المسؤوليات والملابسات.

وبحسب ما أورده موقع «سودان تربيون»، فإن المتحدث العسكري المصري أعلن استمرار المرحلة الثالثة من الحملة الرامية إلى مكافحة التنقيب غير المشروع عن الذهب، في وقت تحدث فيه شهود عن استهداف مواقع للتعدين التقليدي كانت تضم أعداداً كبيرة من العاملين السودانيين. وأفادت تقارير صحفية بأن الضربات أدت إلى سقوط قتلى وإصابات وإجبار ناجين على مغادرة المواقع باتجاه الجبال والكهوف المجاورة. غير أن الأرقام المتداولة بشأن حصيلة الضحايا تختلف بين المصادر، كما أن الإعلان العسكري المصري لم يقدم، وفق التقارير المنشورة، تفاصيل مستقلة تحسم جميع الاتهامات المتعلقة بالغارات الأخيرة. ويجعل ذلك التحقق من الوقائع أمراً ضرورياً قبل اعتماد أي حصيلة نهائية أو نسبة المسؤولية بصورة قاطعة.

الجيش المصري يتحدث عن حماية الحدود والثروات الطبيعية

يربط الخطاب العسكري المصري الحملة بمواجهة الأنشطة غير القانونية التي تقول السلطات إنها تهدد الأمن القومي وتضر بالاقتصاد وبجهود تنظيم استغلال الموارد المعدنية. وتأتي هذه العمليات امتداداً لحملات سابقة أعلنتها القوات المسلحة بالتنسيق مع الشرطة المدنية، وشملت ملاحقة شبكات قالت السلطات إنها متورطة في التنقيب غير المشروع عن الذهب والاتجار بالمخدرات والأسلحة والبشر. وكانت القاهرة قد أعلنت، في يونيو 2026، تنفيذ حملة أمنية أسفرت عن توقيف 223 شخصاً، بينهم مصريون وأجانب، إلى جانب ضبط أسلحة وذخائر ومعدات تستخدم في أنشطة التنقيب غير المرخص، وفق ما نقلته شبكة «سي إن إن» عن البيان العسكري المصري.

وتقول السلطات المصرية إن هذه الإجراءات تستهدف حماية الموارد الطبيعية وفرض القانون داخل الأراضي المصرية، في منطقة تتميز بانتشار مواقع التعدين التقليدي وصعوبة مراقبتها بسبب اتساع المساحات الصحراوية ووعورة التضاريس. لكن اتساع نطاق العمليات وتكرارها يطرحان تساؤلات بشأن آليات تنفيذها، ومدى اعتمادها على التدخلات البرية أو الجوية، والضمانات المتخذة لتجنب سقوط ضحايا مدنيين. كما أن وجود معدّنين سودانيين في المناطق المتاخمة للحدود يجعل التنسيق مع السلطات السودانية والتحقق من المواقع الجغرافية للعمليات مسألة أساسية لتفادي الالتباس بين مكافحة الأنشطة غير القانونية وأي انتهاكات محتملة للسيادة.

غارات على مواقع التعدين تثير مخاوف بشأن مصير المعدّنين السودانيين

جاء الإعلان المصري في أعقاب تقارير عن غارات جوية استهدفت مواقع للتعدين التقليدي في منطقة جبل العقيـدات والمناطق المحيطة بها، وهي منطقة غنية بالذهب وتقع ضمن نطاق حدودي شديد الحساسية. ونقلت قناة الجزيرة، في تقرير نشرته يوم 12 أكتوبر، عن مجموعة «محامو الطوارئ» اتهامها الجيش المصري باستهداف موقع للتعدين، مشيرة إلى سقوط ما لا يقل عن 72 عاملاً بحسب ما أعلنته المجموعة. وفي المقابل، تحدثت تقارير أخرى عن حصائل مختلفة، ما يؤكد أن الأرقام لا تزال متباينة ولا ينبغي التعامل معها بوصفها حصيلة نهائية مؤكدة.

وتتجاوز خطورة هذه الحوادث عدد الضحايا إلى الظروف التي يعمل فيها المعدّنون، إذ ينتشر التعدين التقليدي في مناطق تفتقر إلى البنية التحتية والخدمات الأساسية، ويضطر كثير من العاملين إلى استخدام وسائل بدائية بحثاً عن الذهب ومصدر للعيش. وقد أدت الحرب السودانية، التي اندلعت في أبريل 2023، إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية ودفع أعداد من السكان إلى أنشطة استخراج الذهب في مناطق بعيدة عن الرقابة الرسمية. وفي ظل هذه الظروف، يمكن أن يتحول أي تصعيد عسكري إلى كارثة إنسانية، خصوصاً عندما تكون المواقع المستهدفة مأهولة بعمال لا تتوافر معلومات كافية بشأن طبيعة أنشطتهم أو وضعهم القانوني.

الذهب يعقّد المشهد الأمني على الحدود السودانية المصرية

تتمتع المناطق الحدودية بين مصر والسودان بأهمية اقتصادية متزايدة بسبب احتياطيات الذهب والثروات المعدنية الأخرى، وهو ما جعلها نقطة جذب للمعدّنين والتجار وشبكات التهريب. وقد ساهمت الحرب السودانية في زيادة الضغوط على هذه المناطق، مع تراجع قدرة المؤسسات الرسمية على فرض الرقابة في بعض المواقع واتساع حركة الأفراد والسلع عبر مساحات صحراوية واسعة. وتؤكد تقارير صحفية أن النشاط التعديني غير المنظم بات يشكل تحدياً أمنياً واقتصادياً للبلدين، سواء بسبب التهريب أو صعوبة تحديد المسؤوليات القانونية أو مخاطر الاشتباك بين العاملين في التعدين والقوات المنتشرة في المنطقة.

وفي المقابل، لا يمكن اختزال جميع العاملين في التعدين التقليدي في وصف واحد، إذ يجب التمييز بين الشبكات الإجرامية المنظمة والأفراد الذين يعتمدون على استخراج الذهب لتأمين معيشتهم. كما أن اتهام أشخاص بالتنقيب غير المشروع لا يلغي ضرورة التعامل معهم وفق القانون، ولا يبرر تلقائياً استخدام القوة من دون مراعاة طبيعة الخطر والظروف المحيطة بالعملية. ومن هنا، تبرز أهمية نشر معلومات دقيقة عن المواقع المستهدفة، وأسباب استهدافها، والإجراءات التي اتخذت لحماية المدنيين، فضلاً عن ضمان إمكانية التحقيق في أي ادعاءات تتعلق بسقوط ضحايا أو تجاوز الحدود المعترف بها.

تحقيق مستقل مطلوب لتحديد المسؤوليات ومنع تصعيد التوتر

في ضوء الاتهامات المتبادلة والتباين في المعلومات بشأن الغارات الأخيرة، تبرز الحاجة إلى تحقيق مستقل يحدد مواقع الضربات وطبيعة الأهداف التي تعرضت لها، ويكشف حصيلة الخسائر البشرية والأضرار المادية، ويحدد المسؤوليات استناداً إلى أدلة قابلة للتحقق. كما أن التعاون بين القاهرة والخرطوم يمكن أن يسهم في معالجة أسباب التوتر، عبر تبادل المعلومات بشأن شبكات التعدين والتهريب، وتحديد المناطق الحساسة، ووضع آليات واضحة للتعامل مع العاملين في المناطق الحدودية. ومن شأن هذه الإجراءات أن تساعد على الفصل بين مكافحة الأنشطة غير القانونية وبين حماية المدنيين والحفاظ على العلاقات بين البلدين.

ويظل التحدي الأساسي أمام السلطات المصرية والسودانية هو منع تحول الثروات الطبيعية إلى مصدر إضافي للصراع، في وقت يواجه فيه السودان أزمة إنسانية وأمنية عميقة. فحماية الحدود لا تنفصل عن احترام القانون، ومكافحة التهريب لا تعفي السلطات من توضيح ملابسات العمليات العسكرية التي تثير اتهامات بسقوط ضحايا. وبين تأكيد الجيش المصري أن حملته تستهدف التنقيب غير المشروع، والمطالب السودانية والحقوقية بكشف حقيقة الغارات، تبقى الشفافية والتحقيق المستقل السبيل الأهم لتحديد الوقائع وتجنب اتساع الخلاف. أما استمرار الغموض، فقد يفاقم الشكوك ويزيد التوتر في منطقة تتشابك فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى