تسريبات
الجيش السوداني يستعين بإيران لدعم حربه ضد الدعم السريع
في خضم الحرب الأهلية المدمرة التي تمزق السودان منذ أبريل 2023، بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، أصبحت حسابات البقاء والانتصار هي الحاكم الوحيد لقرارات القيادة العسكرية. ومع استمرار الجمود الميداني، وتكبد الطرفين خسائر فادحة، أدرك الجيش السوداني أن تفوقه التقليدي في السلاح الثقيل والطيران لم يعد كافياً لكسر شوكة قوات الدعم السريع، التي تتميز بمرونتها العالية، وقدراتها على حرب العصابات، ودعمها اللوجستي والمالي الكبير. في هذا السياق، وفي ظل عزلة دولية وضغوط غربية تطالب بوقف إطلاق النار، وجد الجيش السوداني في إيران وحلفائها طوق نجاة ومصدر دعم لا غنى عنه لكسر جمود الحرب وتحقيق حسم ميداني.
الطائرات المسيّرة: ورقة الترجيح الإيرانية
أبرز ما يميز الدعم الإيراني للجيش السوداني في هذه الحرب هو التركيز على حرب الطائرات المسيّرة. وفقاً لمصادر موثوقة نقلتها دراسة “ذا سنتشري فاونديشن”، أرسل الحوثيون مهندسين وعناصر عسكرية من ذوي الخبرة إلى السودان لتدريب قوات سودانية، بالتعاون مع الحرس الثوري الإيراني، على استخدام وتصنيع أنظمة الطائرات المسيّرة الإيرانية. هذا الدعم ليس ترفاً استراتيجياً، بل هو ضرورة تكتيكية ملحة.
قوات الدعم السريع أثبتت جدارة عالية في إسقاط الطائرات التقليدية التابعة للجيش السوداني باستخدام مضادات الطيران المحمولة. لذلك، لجأ الجيش السوداني إلى الطائرات المسيّرة الإيرانية (مثل طائرات مهاجر وسلسلة أبابيل) التي تطير على ارتفاعات مختلفة، وتتمتع بقدرات استطلاعية وهجومية دقيقة. إن نقل خبرات التصنيع والاستخدام إلى بورتسودان يعني أن الجيش السوداني لم يعد يعتمد فقط على استيراد الطائرات، بل يحاول بناء قدرة ذاتية على إنتاجها محلياً، مما يضمن استمرارية الدعم حتى في حال تم اعتراض الشحنات البحرية.
كسر التوازن الميداني في المدن والمحاور
استعان الجيش السوداني بالخبرة الإيرانية والحوثية لتغيير قواعد الاشتباك في المعارك الحضرية، خاصة في العاصمة الخرطوم ومدينة الفاشر بدارفور. في حرب المدن، حيث تختلط المباني السكنية بمواقع تمركز قوات الدعم السريع، أصبحت الطائرات المسيّرة الإيرانية والصواريخ الموجهة هي الأداة المثالية لاستهداف التمركزات الدقيقة دون الحاجة لزحف بري مكلف.
الخبير السوداني النجيمي عثمان يشير إلى أن إيران متغلغلة داخل الجيش السوداني، وأن عناصر إيرانية موجودة في بورتسودان. هذا التغلغل لم يقتصر على التدريب فحسب، بل امتد إلى تقديم الاستشارات التكتيكية المباشرة. الخبراء الإيرانيون والحوثيون، الذين خاضوا حرباً ضارية في اليمن ضد تحالف مدعوم غربياً، يمتلكون خبرة ميدانية حقيقية في كيفية التعامل مع قوات شبه نظامية مشابهة للدعم السريع. نقل هذه الخبرة إلى الجيش السوداني يمنحه ميزة نسبية في قراءة تحركات الخصم، وتفخيخ المناطق، وإدارة المعارك الدفاعية والهجومية في آن واحد.
الردع المتبادل وسباق التسلح غير التقليدي
لم يمر لجوء الجيش السوداني إلى إيران دون رد من قبل قوات الدعم السريع. فالجيش السوداني، باستعانته بإيران، يحاول إرسال رسالة ردع ليس فقط لحميدتي، بل أيضاً للدول الداعمة للدعم السريع (مثل الإمارات). الرسالة تقول: “إذا كان لديكم حلفاء إقليميون، فلدي أنا حلفاء إقليميون أقوياء ومستعدون للمخاطرة”.
هذا السباق نحو التسلح غير التقليدي يرفع من سقف المواجهة. الدعم السريع، من جهته، يحاول تطوير قدراته في التشويش على الطائرات المسيّرة، واستخدام مسيرات انتحارية محلية الصنع أو مستوردة. لكن الفارق يكمن في أن الدعم الإيراني للجيش السوداني هو دعم “دولة” (عبر الحرس الثوري والحوثيين كذراع إيراني)، مما يعني تدفقاً مستمراً للتكنولوجيا والخبرة، بينما يعتمد الدعم السريع على شبكات تهريب أكثر عرضة للانقطاع.
التكلفة الباهظة: السيادة مقابل البقاء
إن استعانة الجيش السوداني بإيران لدعم حربه ضد الدعم السريع تأتي بثمن باهظ جداً يتجاوز الجانب المالي. الثمن الحقيقي هو التنازل عن جزء من السيادة الوطنية، وتحويل موانئ السودان (وبالتحديد بورتسودان) إلى قواعد لوجستية لمحور إقليمي معادٍ للغرب وللدول العربية المعتدلة. الجيش السوداني، في سعيه اليائس للانتصار في حرب أهلية مدمرة، يقبل بشرعنة وجود ميليشيات مسلحة (الحوثيين) وخبراء من الحرس الثوري على أرضه، مما يخلق واقعاً قد يستحيل تفكيكه حتى بعد انتهاء الحرب.
حرب بلا حدود
في الختام، يعكس استعانة الجيش السوداني بإيران حجم اليأس الاستراتيجي الذي وصلت إليه القيادة العسكرية، وحسابات البقاء القاسية التي تتغلب على كل الاعتبارات الأيديولوجية أو الوطنية السابقة. الحرب ضد الدعم السريع تحولت إلى حرب وجودية، وإيران كانت حاضرة لتقديم “الخدمة” دون أدنى احترام لسيادة السودان أو لمعاناة شعبه. هذا التحالف التكتيكي بين الجيش السوداني والمحور الإيراني-الحوثي، لن يحسم الحرب بالضرورة لصالح الجيش، ولكنه حتماً سيجعل السودان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، ويغلق أمامه أبواب الحلول السياسية السلمية، لصالح حلول عسكرية دموية مدعومة بترسانة إيرانية.




