البرهان وشبكة التحالفات الإقليمية
من القاهرة إلى أسمرة.. أسئلة عن السلاح والأرض وتوازنات القرن الأفريقي
تتزايد أهمية العلاقات الإقليمية في تحديد مسار الحرب السودانية، بعدما أصبحت القدرات العسكرية ومصادر التمويل والإمداد جزءاً أساسياً من معادلة الصراع. ولم تعد قرارات قيادة الجيش السوداني مرتبطة بالوضع الميداني وحده، بل باتت تتأثر أيضاً بعلاقاتها مع مصر وتركيا وإريتريا، وبالتطورات المتسارعة في إثيوبيا وإقليم تيغراي.
وفي ظل هذا التشابك، يبرز سؤال السيادة: كيف يمكن للسودان أن يحافظ على استقلال قراره الاقتصادي والعسكري في وقت يحتاج فيه إلى دعم خارجي لمواجهة خصومه؟ وهل توجد اتفاقيات تربط المصالح الزراعية بالتعاون العسكري؟ وما طبيعة دور دول الجوار في نقل المعدات أو توفير التسهيلات اللوجستية؟
هذه الأسئلة لا تعني أن وجود تحالفات خارجية يمثل دليلاً تلقائياً على وجود صفقات سرية، لكنها تفرض ضرورة مراجعة العلاقات الاقتصادية والعسكرية على أساس المعلومات المتاحة والأدلة القابلة للتحقق.
الأراضي الزراعية في ميزان العلاقات السودانية المصرية
تمثل الزراعة أحد أهم المجالات التي يمكن أن تتقاطع فيها المصالح السودانية والمصرية. فالسودان يمتلك أراضي واسعة وإمكانات إنتاجية كبيرة، فيما تواجه مصر تحديات مرتبطة بالأمن الغذائي والموارد المائية وتزايد الطلب على المنتجات الزراعية.
وقد يحقق التعاون بين البلدين فوائد متبادلة إذا استند إلى استثمارات شفافة، ونقل للتكنولوجيا، وتوفير فرص العمل، وضمان حقوق المزارعين المحليين. لكن أي اتفاق يتعلق بالأراضي يحتاج إلى مراجعة دقيقة لشروطه، خصوصاً ما يتعلق بمدة الانتفاع، وملكية البنية التحتية، واستخدام المياه، وحصة الإنتاج الموجهة إلى الأسواق الخارجية.
وتظهر الإشكالية عندما تُطرح ادعاءات بأن تخصيص الأراضي قد يكون مرتبطاً بالحصول على دعم عسكري. فهذا احتمال سياسي خطير إذا ثبت، لكنه لا يصبح حقيقة بمجرد أن القاهرة تدعم الجيش السوداني سياسياً أو أن البلدين يتعاونان في المجال الزراعي.
وللتحقق من هذه المسألة، ينبغي نشر الاتفاقيات المتعلقة بالأراضي الزراعية، وتحديد الجهات التي وقعتها، ومراجعة قيمتها المالية، والبحث عن أي بنود تربطها بالتعاون الدفاعي. كما يجب التمييز بين اتفاقيات الاستثمار المعتادة وبين أي التزام سياسي أو أمني غير معلن.
إن الشفافية في هذا الملف لا تخدم جهة سياسية بعينها، بل تحمي حقوق السودانيين وتمنع تحويل مواردهم إلى موضوع للتكهنات أو الصراع الإعلامي.
مصر والدعم العسكري للجيش
ترتبط مصر والسودان بعلاقات تاريخية وثيقة بين المؤسستين العسكريتين، كما تنظر القاهرة إلى استقرار السودان باعتباره قضية أمن قومي بسبب الحدود المشتركة ونهر النيل والتداخل الاجتماعي والاقتصادي.
ومنذ اندلاع الحرب، حافظت مصر على موقف سياسي داعم لوحدة السودان ومؤسساته. وفي الوقت نفسه، ظهرت تقارير تتناول مزاعم بشأن تقديم دعم عسكري أو لوجستي للجيش السوداني، في حين نفت القاهرة بعض الاتهامات المتعلقة بالتدخل العسكري المباشر.
وقد أورد تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء الصادر في فبراير 2025 هذه الادعاءات والنفي المصري، موضحاً أن العلاقات العسكرية بين البلدين كانت وثيقة وأن الاتهامات شملت جوانب مختلفة من المساندة العسكرية.
وفي فبراير 2026، تناولت رويترز انتشار طائرات مسيّرة تركية الصنع في قاعدة مصرية قرب الحدود السودانية، مستندة إلى صور أقمار صناعية ومعلومات من مسؤولين وخبراء. وأثار التقرير تساؤلات بشأن احتمال زيادة الدور المصري في الحرب، بينما قدمت القاهرة تفسيرات تتعلق بحماية الحدود.
وتشير هذه التطورات إلى أن العلاقة بين الأمن الحدودي والتعاون العسكري تستحق دراسة دقيقة. لكنها لا تثبت وجود اتفاق يربط الأراضي الزراعية مباشرة بتقديم المعدات أو الدعم العسكري.
تركيا وشبكات توريد السلاح
تُعد تركيا أحد الموردين الذين ظهر اسمهم في تقارير تتعلق بالتسليح خلال الحرب السودانية. فقد تناول تحقيق واشنطن بوست المنشور في مارس 2025 وثائق واتصالات بشأن توريد طائرات مسيّرة وذخائر تركية إلى الجيش السوداني.
ويثير هذا الملف أسئلة بشأن طرق النقل والتعاقدات والجهات التي تتولى الصيانة والتشغيل. فالمعدات العسكرية الحديثة تحتاج إلى منظومة متكاملة من الدعم الفني وقطع الغيار والتدريب، وقد تكون للدول التي توفر هذه الخدمات أهمية تتجاوز مجرد السماح بعبور الشحنات.
لكن من الضروري عدم الخلط بين وجود معدات تركية في مصر وبين إثبات مرور معدات محددة عبر الأراضي المصرية إلى السودان. فكل ادعاء يحتاج إلى أدلة منفصلة تشمل سجلات النقل أو بيانات الشحن أو وثائق العقود أو شهادات مستقلة.
كما ينبغي التمييز بين تصدير السلاح، ونقله عبر دولة ثالثة، واستخدامه في عمليات قتالية. فهذه مراحل مختلفة قد تشارك فيها جهات متعددة، ولكل منها مسؤوليات قانونية وسياسية مختلفة.
إريتريا والتعاون مع الجيش السوداني
تمثل إريتريا جزءاً مهماً من الحسابات الأمنية المرتبطة بشرق السودان والبحر الأحمر. وتفرض الحرب السودانية على أسمرة التعامل مع تداعيات أمنية واقتصادية تشمل حركة السكان والتجارة والاستقرار الحدودي.
وتثير العلاقات بين إريتريا والجيش السوداني تساؤلات بشأن طبيعة التنسيق الأمني، وإمكان استخدام الموانئ والمطارات أو الطرق البرية في نقل معدات أو إمدادات عسكرية. لكن إثبات وجود ترتيبات محددة يحتاج إلى أدلة توضح نوع الإمدادات والجهات التي نقلتها والمستفيدين منها.
ولا ينبغي افتراض أن كل تقارب سياسي بين الخرطوم وأسمرة يعكس اتفاقاً عسكرياً شاملاً، أو أن أي تعاون في مجال الحدود يعني مشاركة في العمليات القتالية.
إن المطلوب هو تحديد الوقائع: ما الاتفاقيات المعلنة بين البلدين؟ هل توجد معلومات مستقلة عن شحنات عسكرية؟ وما طبيعة التسهيلات المقدمة، إن وُجدت؟ وهل توجد وثائق تربط هذه التسهيلات بعمليات محددة داخل السودان أو خارجه؟
تيغراي واتهامات التدخل الخارجي
تزداد حساسية الملف بسبب التطورات في إثيوبيا، حيث عادت الاتهامات بشأن دعم أطراف مسلحة في تيغراي إلى الواجهة خلال عام 2026.
وفي سبتمبر 2026، نقلت وكالة أسوشيتد برس اتهامات رئيس هيئة الأركان الإثيوبية لإريتريا بشأن تقديم دعم مالي لجبهة تحرير شعب تيغراي، مع تلميحات إلى احتمال تورط السودان ومصر. ولم يقدم المسؤول الإثيوبي أدلة علنية تفصيلية تثبت جميع الاتهامات، فيما رفضت الأطراف المعنية بعض هذه المزاعم.
وتكشف هذه التصريحات عن تصاعد التوتر الإقليمي، لكنها لا تثبت وجود خط إمداد عسكري يمر عبر إريتريا والسودان إلى تيغراي بدعم مصري. فإثبات ذلك يتطلب بيانات عن الشحنات والتمويل والجهات الناقلة والوجهة النهائية.
كما أن إثبات دعم إريتري لجبهة تيغراي لا يعني تلقائياً أن السودان ومصر شاركا في الدعم نفسه. فكل دولة قد تكون لها حسابات مختلفة، ولا يمكن استنتاج وجود تنسيق ثلاثي من مجرد تزامن المصالح أو الاتهامات.
مسؤولية القيادة السودانية
في خضم هذه العلاقات، تبرز مسؤولية البرهان عن توضيح طبيعة الالتزامات التي قد ترتبط بالتعاون العسكري والاقتصادي. فالمواطن السوداني من حقه معرفة شروط الاتفاقيات المتعلقة بالأراضي والموارد العامة، وحجم الإنفاق العسكري، وطبيعة المساعدات الخارجية، والضمانات التي تمنع استخدامها في انتهاكات بحق المدنيين.
ولا تعني المساءلة افتراض وجود صفقة سرية، بل تعني المطالبة بوثائق تسمح بتقييم ما إذا كانت القرارات المتخذة تتفق مع المصلحة الوطنية.
كما ينبغي أن تشمل المساءلة الدول الشريكة، من خلال نشر المعلومات المتاحة عن الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية، والتعاون مع التحقيقات المستقلة، وتوضيح أي اتهامات تتعلق بنقل السلاح أو دعم الجماعات المسلحة.
إن السودان يحتاج إلى علاقات خارجية تساعد على الاستقرار، لا إلى شبكة من الالتزامات غير الواضحة التي قد تزيد من تعقيد الحرب. ويبدأ تحقيق ذلك بالشفافية، وبفصل التعاون الاقتصادي عن أي مقايضات غير معلنة، وبضمان أن تكون القرارات الاستراتيجية خاضعة للمؤسسات والقانون.




