السلاح التركي في السودان
لم تعد الحرب السودانية شأناً داخلياً محصوراً في الصراع بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع؛ فقد أصبحت جزءاً من شبكة إقليمية تتداخل فيها تجارة السلاح، والتحالفات الأمنية، والمنافسة على النفوذ، والمصالح المرتبطة بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي. وفي قلب هذه الشبكة يبرز ملف المعدات العسكرية التركية التي وصلت إلى السودان، والأسئلة المتعلقة بالمسارات التي سلكتها، والجهات التي تولت نقلها، والدور المحتمل لدول العبور.
وتكتسب تركيا أهمية خاصة في هذا الملف بسبب امتلاكها صناعة دفاعية متقدمة نسبياً، تشمل الطائرات المسيّرة والأسلحة الخفيفة والذخائر والأنظمة التقنية المرتبطة بها. وقد وثقت تقارير صحفية وحقوقية وجود أسلحة تركية الصنع في السودان، كما تناولت تحقيقات صحفية صفقات أكثر تعقيداً تتعلق بإمداد الجيش السوداني بمعدات عسكرية خلال الحرب.
وفي تحقيق نشرته صحيفة «واشنطن بوست» في مارس 2025، استناداً إلى وثائق واتصالات قالت الصحيفة إنها حصلت عليها، وردت تفاصيل عن توريد شركة «بايكار» التركية طائرات مسيّرة وذخائر إلى الجيش السوداني. وأشار التحقيق إلى صفقة قُدرت قيمتها بما لا يقل عن 120 مليون دولار، شملت طائرات مسيّرة ومعدات مرتبطة بها وعناصر فنية. كما تناول مسارات نقل وتفاصيل تعاقدية أثارت أسئلة بشأن القيود والعقوبات ذات الصلة.
وتعزز هذه المعلومات الحاجة إلى دراسة شبكات الإمداد العسكري، لكنها لا تثبت وحدها أن كل شحنة تركية مرت عبر مصر، أو أن نقل المعدات كان جزءاً من اتفاق سري يتضمن مقابلاً سياسياً أو اقتصادياً. فكل شحنة تحتاج إلى تتبع مستقل يحدد مصدرها، ووجهتها، وتاريخ نقلها، والجهات المتعاقدة عليها، والوثائق التي تؤكد مسارها.
لماذا أصبحت مسارات النقل قضية سياسية؟
في تجارة السلاح، لا تقتصر أهمية الدولة الموردة على قرار البيع نفسه، بل تشمل أيضاً التراخيص، وشركات الشحن، والمطارات والموانئ المستخدمة، والوسطاء، وشروط إعادة التصدير. وقد تصبح دولة العبور طرفاً مهماً في سلسلة الإمداد، حتى إن لم تكن هي الشركة المصنعة للسلاح أو المشتري النهائي.
وتتعدد الأسباب التي تدفع الدول والشركات إلى استخدام مسارات غير مباشرة، ومنها الاعتبارات اللوجستية والتجارية، أو متطلبات النقل والصيانة، أو القيود القانونية. ولذلك لا يكفي رصد رحلة جوية بين دولتين لإثبات أن طائرة تحمل أسلحة، كما لا يكفي إثبات وصول شحنة إلى دولة وسيطة لإثبات أن حكومتها شاركت في قرار استخدامها عسكرياً.
لكن أهمية التحقق تتضاعف عندما يتعلق الأمر بدولة تشهد حرباً واسعة النطاق. فمعرفة مسارات الأسلحة تساعد على فهم مصادر القوة العسكرية، وتحديد الجهات التي يمكن أن تؤثر في استمرار الإمدادات، وتقييم مدى الالتزام بالقيود القانونية المفروضة على تصدير الأسلحة.
وفي يوليو 2024، نشرت منظمة العفو الدولية تحقيقاً حول الأسلحة التي تغذي النزاع السوداني، وثقت فيه وجود أسلحة تركية الصنع مستخدمة من أطراف مختلفة في الحرب، كما تناولت صادرات من شركات تركية إلى السودان. ودعت المنظمة إلى تشديد الرقابة على نقل الأسلحة بسبب مخاطر استخدامها في انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني. ويعني ذلك أن النقاش حول المعدات التركية لا ينبغي أن ينحصر في هوية الدولة الموردة، بل يجب أن يشمل كذلك المستفيد النهائي، وشروط التصدير، والجهة التي تشغّل المعدات، وطبيعة العمليات التي تستخدم فيها.
مصر في معادلة الإمداد
تتزايد أهمية مصر في الحسابات العسكرية المرتبطة بالسودان بسبب موقعها الجغرافي وعلاقاتها الوثيقة بالقيادة العسكرية السودانية. وقد تناولت تقارير صحفية وتحليلات أمنية احتمال مرور معدات تركية إلى الجيش السوداني عبر الأراضي المصرية أو استخدام منشآت مصرية في سياق دعم القدرات العسكرية المرتبطة بالحرب.
وفي فبراير 2026، نشرت رويترز تقريراً عن نشر طائرات مسيّرة تركية الصنع في قاعدة مصرية قرب الحدود السودانية، مستندة إلى صور أقمار صناعية ومعلومات من مسؤولين وخبراء. وناقش التقرير احتمال ارتباط الانتشار بتطورات الحرب السودانية، مع الإشارة إلى تفسيرات مصرية تتعلق بأمن الحدود.
وتستدعي هذه التطورات طرح أسئلة حول العلاقة بين التعاون العسكري المصري التركي وبين احتياجات الجيش السوداني. لكن يجب الفصل بين وجود معدات تركية في مصر، وبين إثبات نقل معدات محددة من مصر إلى السودان، وبين إثبات استخدام تلك المعدات في عمليات قتالية داخل السودان. فهذه ثلاث مسائل مختلفة، ولا يجوز اعتبار إحداها دليلاً تلقائياً على الأخرى.
كما ينبغي عدم الخلط بين التسهيلات اللوجستية وبين المشاركة المباشرة في الحرب. فإثبات أي دور رسمي يتطلب معلومات موثوقة عن طبيعة التسهيلات، والجهات التي وافقت عليها، والهدف المعلن منها، والقيود القانونية التي تحكم استخدامها.
ماذا تعني الإمدادات لاستمرار الحرب؟
تؤثر الإمدادات العسكرية في قدرة الأطراف المتحاربة على مواصلة القتال، لكن أثرها يختلف باختلاف نوع السلاح، ومدى توافر التدريب والصيانة، والقدرة على تأمين الذخائر وقطع الغيار. فالطائرات المسيّرة، على سبيل المثال، لا تعتمد على شرائها فقط، بل تحتاج إلى منظومات تشغيل واتصالات وصيانة، وإلى كوادر تستطيع استخدامها بفعالية.
ومن هنا، فإن التحقيق في سلاسل التوريد ينبغي أن يركز على الصورة الكاملة: العقود، والشحن، والتأمين، والتمويل، والصيانة، والجهة التي تتولى التشغيل. وقد يساعد جمع هذه العناصر في تحديد ما إذا كانت هناك شبكة إمداد مستمرة، أو صفقات منفصلة، أو مجرد تعاون تجاري لا يثبت وجود تنسيق عملياتي مباشر.
أما بالنسبة إلى المدنيين السودانيين، فإن القضية الأكثر إلحاحاً هي ضمان عدم استخدام المعدات المستوردة في هجمات غير قانونية، وضمان التحقيق في أي انتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها. فالقانون الدولي الإنساني يلزم أطراف النزاع بالتمييز بين المدنيين والمقاتلين، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية السكان، وعدم تنفيذ هجمات عشوائية أو غير متناسبة.
الشفافية والمساءلة
يحتاج ملف السلاح التركي إلى تحقيقات مستقلة تعتمد على بيانات الشحن والتجارة، وسجلات الطيران والموانئ، ووثائق العقود، والصور الموثقة، والتصريحات الرسمية. كما ينبغي منح الشركات والحكومات المعنية فرصة الرد على الادعاءات المتعلقة بها، ونشر الردود إلى جانب الأدلة.
ويجب أيضاً توضيح ما إذا كانت الصفقات قد خضعت لتراخيص تصدير قانونية، وما إذا كان الاستخدام النهائي المعلن يتفق مع الاستخدام الفعلي، وما إذا كانت هناك قيود أو عقوبات تنطبق على جهات بعينها.
ولا يثبت وجود صفقات سلاح تركية أن البرهان قد قدم تنازلات اقتصادية أو سياسية مقابل الحصول عليها. فإثبات مثل هذه المقايضة يحتاج إلى وثائق تربط بين التزامات محددة ومنافع محددة. ومع ذلك، يبقى من حق السودانيين معرفة حجم الإنفاق العسكري، وشروط الصفقات، والالتزامات التي قد تترتب عليها، خصوصاً في وقت يعاني فيه ملايين السكان من تداعيات الحرب.
إن فهم طرق وصول السلاح إلى السودان لا يخدم الجدل السياسي وحده؛ بل يساعد على تحديد المسؤوليات، وتعزيز الرقابة على تجارة السلاح، وتقييم فرص خفض التصعيد. وكلما أصبحت المعلومات المتعلقة بالإمدادات أكثر وضوحاً، ازدادت قدرة المجتمع الدولي والسودانيين على مناقشة سبل الحد من تدفق الأسلحة وحماية المدنيين.
في النهاية، لا يمكن حسم الادعاء بأن إريتريا تسهّل وصول إمدادات عسكرية إلى جبهة تيغراي بدعم مصري اعتماداً على الاتهامات السياسية وحدها. لكن التصعيد الميداني وتبادل الاتهامات يجعلان التحقيق المستقل ضرورياً. فالهدف الأساسي ينبغي أن يكون كشف الحقائق، وتحديد المسؤوليات وفق الأدلة، ومنع توسع الحرب، وحماية المدنيين الذين يدفعون الثمن الأكبر للصراعات الإقليمية.




