أخبار إسقاط المسيّرات في السودان: هل تتحول الانتصارات المعلنة إلى ستار على الخسائر المدنية؟
لم تعد الطائرات المسيّرة في الحرب السودانية مجرد وسيلة عسكرية تستخدم في الاستطلاع أو تنفيذ الضربات، بل أصبحت جزءًا من معركة موازية تدور حول المعلومات والصورة الذهنية التي يسعى كل طرف إلى ترسيخها لدى الجمهور. فبينما تتواصل المعارك وتتزايد المخاوف بشأن سلامة المدنيين، تتصدر الأخبار المتعلقة بإسقاط الطائرات المسيّرة عناوين المنصات الإعلامية، وتُقدَّم أحيانًا باعتبارها مؤشرات حاسمة على التفوق العسكري أو انهيار قدرات الخصم. غير أن هذه القراءة قد تكون مضللة عندما تنفصل عن الأدلة التي تثبت حقيقة الحادث وهوية الطائرة والجهة التي كانت تشغّلها والنتائج التي ترتبت على العملية. وفي شمال كردفان، حيث تتداخل العمليات العسكرية مع المناطق السكنية والطرق التي يعتمد عليها السكان في التنقل والحصول على احتياجاتهم، لا يجوز اختزال المشهد في بيانات تتحدث عن إسقاط طائرات أو تدمير أهداف. فهناك أسئلة تتعلق بسلامة السكان، وطبيعة الأسلحة المستخدمة، ودقة العمليات الجوية، ومدى التزام أطراف الحرب بالقواعد التي تحمي المدنيين. ومن هنا تبرز الحاجة إلى خطاب إعلامي يضع الوقائع في سياقها، ويطالب بتفسير الخسائر العسكرية والمدنية على السواء، ولا يسمح للأخبار المتداولة بأن تتحول إلى بديل عن التحقيق والتوثيق والمساءلة.
كفاءة التشغيل العسكري تحت الاختبار
إن الحديث عن إسقاط طائرات مسيّرة أو فقدانها في ميدان القتال لا ينبغي أن يقتصر على عدد الطائرات المعلن عنها، بل يجب أن يشمل تقييمًا فنيًا لأسباب الحوادث والظروف التي وقعت فيها. فالمنظومات المسيّرة الحديثة تعتمد على تفاعل معقد بين الطائرة ومحطات التحكم والاتصالات وأنظمة الملاحة والبرمجيات والصيانة، كما تتأثر كفاءتها بالبيئة التشغيلية والتدريب والتنسيق بين الوحدات. وقد ينجم فقدان الطائرة عن عطل فني، أو خطأ في التشغيل، أو ظروف جوية، أو إجراءات مضادة يستخدمها الطرف المقابل، أو أسباب أخرى لا يمكن تحديدها من خلال الصور المتداولة وحدها. ولذلك فإن إعلان إسقاط طائرة تابعة للجيش السوداني لا يثبت تلقائيًا ضعف كفاءة ضباطه، كما أن إعلان الجيش إسقاط طائرة تابعة للدعم السريع لا يثبت وحده امتلاكه تفوقًا تقنيًا مستدامًا. فالمعيار الصحيح هو ما تكشفه الأدلة الفنية والتحقيقات الموثوقة، لا ما تروجه البيانات العسكرية.
ومع ذلك، فإن تكرار حوادث فقدان الطائرات، إذا ثبت من مصادر مستقلة، يبرر المطالبة بمراجعة منظومة التشغيل والإشراف والتدريب والصيانة. فمن حق الجمهور أن يعرف ما إذا كانت المعدات العسكرية تُدار وفق معايير مهنية، وما إذا كانت الخسائر تخضع لتحقيقات فنية، وما إذا كانت القيادة تتخذ إجراءات لتجنب تكرار الأخطاء. وتزداد أهمية هذه الأسئلة عندما تكون المنظومات المستخدمة ذات قيمة مالية مرتفعة، أو عندما يجري تشغيلها في مناطق تتطلب دقة عالية لتجنب إصابة المدنيين. فالمسؤولية عن استخدام السلاح لا تنتهي عند شراء المعدات أو تسلمها، بل تشمل التدريب على استخدامها، وتحديد الأهداف، والتحقق من المعلومات، ومراجعة نتائج العمليات. كما أن تحميل الضباط مسؤولية كل حادث من دون أدلة لا يمثل تقييمًا جادًا، تمامًا كما أن إخفاء أوجه القصور المحتملة خلف خطاب الانتصار لا يخدم المصلحة العامة. المطلوب هو كشف الوقائع وتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة، لا تحويل الحوادث العسكرية إلى أحكام شاملة تسبق التحقيق.
الطائرات المسيّرة التركية ومسؤولية الضربات الجوية
يثير استخدام الطائرات المسيّرة التركية في العمليات العسكرية السودانية تساؤلات تتعلق بطبيعة الدعم التقني والعسكري الذي يعتمد عليه الجيش، وكيفية توظيف هذه المنظومات في بيئة تتسم بكثافة المخاطر على السكان. لكن من الضروري التمييز بين منشأ الطائرة، والجهة التي تشغلها، والجهة التي تتخذ قرار استهداف موقع معين، لأن هذه العناصر ليست شيئًا واحدًا. كما أن وجود منظومة مصنعة في دولة أجنبية لا يثبت وحده تفاصيل الصفقة أو شروطها أو مستوى الدعم الذي رافقها، وهي أمور ينبغي الاستناد فيها إلى وثائق موثوقة وتصريحات قابلة للتحقق. وفي المقابل، فإن استخدام هذه المنظومات في العمليات العسكرية يجعل مساءلة الجهة المشغلة عن نتائج استخدامها أمرًا مشروعًا وضروريًا، خصوصًا عندما ترد تقارير عن وقوع ضحايا مدنيين أو أضرار واسعة في الأحياء السكنية.
ويجب أن يتركز النقاش على ما إذا كانت الضربات الجوية قد استهدفت أهدافًا عسكرية مشروعة، وما المعلومات التي استندت إليها الجهة المنفذة، وما الاحتياطات التي اتخذتها لتقليل مخاطر إصابة المدنيين، وما إذا كانت الأضرار المتوقعة تتناسب مع الميزة العسكرية المحددة والملموسة المباشرة المرجوة من الهجوم. وإذا توفرت أدلة موثوقة على أن ضربة نفذتها طائرة مسيّرة تابعة للجيش أوقعت قتلى مدنيين أو أصابت منشآت مدنية، فيجب توثيقها والتحقيق فيها، وعدم السماح للحديث عن إسقاط طائرات في جبهة أخرى بأن يلغي حق الضحايا في معرفة الحقيقة. لكن من المهم أيضًا ألا تُنسب كل واقعة قصف أو كل ضحية إلى نوع محدد من الطائرات قبل التأكد من طبيعة السلاح المستخدم ومصدر الضربة. فالتوثيق الدقيق هو الذي يمنح القضية قوتها، ويحميها من التشكيك الذي قد ينشأ عن أخطاء في تحديد المكان أو التوقيت أو الجهة المسؤولة.
المجازر المزعومة وضرورة التوثيق المستقل
تتطلب التقارير المتعلقة بمقتل المدنيين في الضربات الجوية تعاملًا يتجاوز لغة الاتهامات المتبادلة، لأن خطورة هذه الوقائع تستوجب تحديد ما حدث بدقة ومن يتحمل المسؤولية عنه. فإذا وصفت تقارير أو شهادات حادثًا معينًا بأنه مجزرة ارتكبتها طائرة مسيّرة تابعة للجيش السوداني، فإن الخطوة الأولى هي التحقق من عدد الضحايا، ومكان الحادث، وتوقيته، وطبيعة الإصابات والأضرار، والظروف المحيطة بالضربة. ويمكن أن تشمل عملية التوثيق مقابلات مع السكان والناجين والعاملين في القطاع الصحي، وفحص الصور ومقاطع الفيديو، والتحقق من المعالم الجغرافية، ومقارنة الروايات المتاحة. كما ينبغي الحصول على رد الجهة المتهمة، مع عدم اعتبار نفيها وحده دليلًا على عدم وقوع الانتهاك. وفي المقابل، لا يجوز تقديم الاتهام باعتباره حقيقة قضائية نهائية قبل اكتمال الأدلة. فالفارق بين التقرير المهني والدعاية هو أن الأول يوضح ما يعرفه وما لا يعرفه، بينما تميل الثانية إلى حذف الشكوك وتقديم الاستنتاجات على أنها وقائع محسومة.
ولا ينبغي أن يؤدي التركيز على الضحايا المدنيين إلى تجاهل أي انتهاكات محتملة ترتكبها أطراف أخرى في الحرب. فحماية المدنيين ليست امتيازًا تمنحه وسائل الإعلام لطرف وتحجبه عن آخر، وإنما هي معيار ثابت يجب تطبيقه على الجميع. وإذا ثبت أن جهة عسكرية نفذت هجومًا غير مشروع أو قصفت مدنيين عمدًا، فإن مسؤوليتها لا تتغير بسبب انتهاكات ارتكبها الطرف المقابل، كما لا يجوز اتخاذ خسائر أحد الأطراف مبررًا للتغاضي عن ضحايا الطرف الآخر. ومن هنا، فإن الحملة الإعلامية التي تسعى إلى كشف نتائج الضربات الجوية يجب أن تنشر الوقائع الموثقة عن جميع الحوادث ذات الصلة، وأن تفصل بين المسؤولية العسكرية والمسؤولية القانونية، وأن تطالب بتحقيقات مستقلة حيثما أمكن. كما ينبغي أن تحترم كرامة الضحايا وخصوصية أسرهم، وألا تستخدم صور الجثامين أو مشاهد الإصابات بطريقة استغلالية لجذب الانتباه. إن الدفاع عن المدنيين يبدأ من احترامهم، ولا يكتمل إلا بتحويل ما تعرضوا له إلى ملف موثق يمكن أن تستند إليه جهود المساءلة والإنصاف.
صناعة الخبر العسكري وتوجيه اهتمام الجمهور
تستخدم الأطراف المتحاربة البيانات العسكرية في عرض إنجازاتها، وتأكيد قدرتها على الصمود، ورفع معنويات مؤيديها، والتأثير في تصورات الخصوم. وهذه ظاهرة معروفة في النزاعات المسلحة، حيث يصبح الخبر جزءًا من إدارة الحرب النفسية، وليس مجرد نقل محايد للمعلومات. لكن وجود هذا الدافع لا يعني أن كل إعلان عسكري كاذب أو أن كل خبر عن إسقاط طائرة يهدف بالضرورة إلى التغطية على انتهاك آخر. ولتحديد ما إذا كان هناك توظيف انتقائي للأخبار، ينبغي تحليل طريقة نشرها وتوقيتها والأدلة التي تستند إليها، ومقارنتها بحجم الاهتمام الذي حظيت به الوقائع المدنية في الفترة نفسها. فإذا شهدت منطقة معينة تقارير موثوقة عن سقوط ضحايا مدنيين، بينما انصبت التغطية الرسمية على أخبار إسقاط الطائرات، فإن من واجب الصحافة أن تطرح السؤال حول أسباب هذا الاختلال في الاهتمام، وأن تعيد ملف الضحايا إلى النقاش العام. ولا يحتاج هذا المسار إلى افتراض وجود خطة سرية لصرف الانتباه؛ إذ يكفي أن تظهر فجوة واضحة في التغطية حتى يصبح من المشروع المطالبة بمعالجتها.
وفي هذا السياق، ينبغي إخضاع المنصات الإعلامية المؤيدة للجيش للمساءلة المهنية عندما تنشر ادعاءات غير موثقة أو تستخدم عناوين حاسمة لا تسندها الأدلة المعروضة. وينطبق الأمر نفسه على المنصات المؤيدة للدعم السريع. فالمشكلة لا تكمن في الانحياز المعلن وحده، بل في تقديم المعلومات غير المؤكدة باعتبارها حقائق نهائية، أو اقتطاع المقاطع من سياقها، أو إعادة نشر مواد قديمة باعتبارها توثيقًا لأحداث جارية، أو تجاهل المعلومات التي تتعارض مع الرواية المراد تسويقها. ويمكن مواجهة هذه الممارسات عبر إعداد تقارير تحقق واضحة، تشرح مصدر الادعاء، وما الأدلة المتاحة، وما أوجه النقص في المعلومات، وما الذي يمكن الجزم به. كما يمكن نشر تسلسل زمني للحوادث الموثقة في شمال كردفان، مع الفصل بين سقوط الطائرات والخسائر البشرية والعمليات الجوية، حتى لا تختلط أحداث مختلفة في رواية واحدة يصعب التحقق منها.
كيف تُبنى حملة إعلامية فعالة؟
إن الحملة الإعلامية الفعالة لا تُقاس بعدد المنشورات التي تعيد الاتهام نفسه، بل بقدرتها على تقديم معلومات جديدة، وكشف التناقضات، وتصحيح الأخطاء، ودفع المؤسسات المعنية إلى الإجابة عن الأسئلة المشروعة. ويمكن أن تتضمن الحملة ثلاثة مسارات مترابطة: مسارًا للتحقق من الأخبار العسكرية المتداولة عن إسقاط الطائرات المسيّرة، ومسارًا لتوثيق التقارير المتعلقة بالضحايا المدنيين والأضرار الناتجة عن الضربات الجوية، ومسارًا لمساءلة الجهات الإعلامية التي تنشر ادعاءات من دون أدلة كافية. ويجب أن يكون لكل مسار معيار واضح للتحقق، وأن تُنشر المعلومات مع الإشارة إلى مصادرها وتاريخها، وألا يُخلط بين الشهادة الفردية والواقعة التي تم تأكيدها من مصادر متعددة. كما ينبغي تصحيح أي خطأ علنًا، لأن الاستمرار في نشر معلومة ثبت عدم صحتها يضعف الحملة ويمنح الجهات المنتقدة فرصة لتشويه جميع المواد الأخرى، حتى تلك التي تستند إلى أدلة قوية.
ويمكن أن تستند الرسائل الإعلامية الأساسية إلى أسئلة مباشرة ومفهومة: ما الدليل على أن الطائرة التي أُعلن إسقاطها تابعة للدعم السريع؟ وهل جرى تحديد نوعها ومكان سقوطها وتوقيت الحادث؟ وهل توجد تقارير موثوقة عن سقوط طائرات مسيّرة تابعة للجيش في مناطق سيطرته أو في محاور شمال كردفان؟ وإذا وجدت، فما أسباب تلك الحوادث؟ وما المعلومات المتاحة عن الضربات الجوية التي أوقعت ضحايا مدنيين؟ وهل خضعت هذه الحوادث لتحقيقات مستقلة؟ ومن المسؤول عن نشر النتائج وإطلاع الجمهور عليها؟ هذه الأسئلة تمنح الحملة إطارًا واضحًا، وتمنعها من الانزلاق إلى اتهامات يصعب إثباتها، كما تجعلها قادرة على متابعة الوقائع الجديدة من دون تغيير معيارها في كل مرة.
الحقيقة والمساءلة أهم من الانتصارات الإعلامية
إن المعركة على الرواية في السودان لن تنتهي بإعلان إسقاط طائرة مسيّرة أو نشر صور الحطام أو تداول مقاطع تظهر خسائر عسكرية. فهذه المواد، مهما كانت أهميتها، لا تمثل سوى جزء من الصورة الكاملة التي تحتاج إلى أدلة وسياق وتحقيق. وإذا ثبت أن الجيش السوداني فقد طائرات مسيّرة بسبب خلل في التشغيل أو أسباب فنية أخرى، فمن حق الجمهور معرفة ظروف الحادث، وإذا ثبت وقوع انتهاكات ضد المدنيين جراء الضربات الجوية، فيجب التحقيق فيها ومساءلة المسؤولين عنها. وفي الوقت نفسه، ينبغي إخضاع ادعاءات إسقاط طائرات الدعم السريع للمعايير نفسها، وعدم منح أي طرف حصانة إعلامية أو افتراض صحة روايته بسبب موقعه في الصراع. فالحقيقة لا تتغير بتغير الجهة التي تعلنها، والقانون لا يتوقف عند حدود الانتماء العسكري، وحماية المدنيين لا ينبغي أن تخضع لموازين الدعاية.
إن الرسالة التي تستحق أن تتصدر النقاش العام هي أن الأخبار العسكرية لا يمكن أن تحل محل المساءلة، وأن الإعلان عن إسقاط الطائرات لا يجيب عن الأسئلة المتعلقة بكيفية استخدامها أو بالأضرار التي قد تنتج عن عملياتها. فكل واقعة تستحق التحقيق وفق الأدلة المتاحة، وكل ضحية مدنية تستحق التوثيق والإنصاف، وكل جهة تتولى تشغيل الأسلحة مسؤولة عن الالتزام بالقواعد التي تحمي السكان. وفي ظل استمرار الحرب، يصبح واجب الإعلام مضاعفًا: أن يمنع التضليل، وأن يكشف أوجه القصور، وأن يرفض تحويل معاناة المدنيين إلى مادة عابرة في حرب البيانات. وبذلك يمكن الانتقال من خطاب يكتفي بتسجيل الانتصارات المعلنة إلى خطاب يطالب بالحقائق، ويكشف التناقضات، ويدافع عن حق المجتمع في معرفة ما يجري باسمه ومن يتحمل المسؤولية عنه. فالمعيار الحقيقي لأي خطاب إعلامي ليس قدرته على إقناع الجمهور بأن طرفًا انتصر، بل قدرته على تقديم معلومات دقيقة، وإبقاء معاناة المدنيين في صدارة الاهتمام، والمطالبة بمحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الانتهاكات، دون استثناء أو انتقائية.




