تسريبات

هل يخفي الإنكار حقيقة السلاح الكيميائي في السودان؟ البرهان مطالب بإجابات واضحة


في الحروب، لا تكون المعارك دائماً على الأرض وحدها؛ فهناك أيضاً معارك حول الرواية، وحول ما يعرفه الجمهور، وحول الأدلة التي يمكن أن تثبت وقوع الانتهاكات أو تنفيها. وفي السودان، حيث تتواصل المواجهات بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، أصبحت الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية واحدة من أخطر القضايا المرتبطة بسلوك الأطراف المتحاربة. وقد زادت القضية أهمية بعد إعلان الولايات المتحدة في مايو 2025 أنها توصلت إلى استنتاج يفيد باستخدام الحكومة السودانية أسلحة كيميائية خلال عام 2024، ثم نشر هيومن رايتس ووتش تقريراً في أكتوبر 2025 تناول عناصر تحقيق صحفي أشارت إلى احتمال استخدام الكلور في حادثتين قرب الجيلي شمال الخرطوم. وفي مواجهة هذه التطورات، نفت السلطات السودانية الاتهامات، وأعلنت تشكيل لجنة وطنية للتحقيق فيها، لكن استمرار الخلاف لا يلغي الحاجة إلى إجابات واضحة تستند إلى أدلة قابلة للتحقق. 

إن المشكلة الأساسية في التعامل مع هذه القضية تبدأ عندما يتحول النفي إلى بديل عن التحقيق، أو يصبح الاتهام حكماً نهائياً قبل استكمال الأدلة. فالإنكار الرسمي لا يثبت أن الواقعة لم تحدث، كما أن الإعلان عن استنتاج حكومي أجنبي لا يغني عن معرفة الأدلة التي استند إليها ذلك الاستنتاج. ولذلك، فإن المعيار الذي ينبغي أن يحكم النقاش هو القدرة على اختبار الروايات المختلفة بصورة مستقلة، بعيداً عن مصالح أطراف الحرب. وإذا كانت قيادة الجيش السوداني برئاسة عبد الفتاح البرهان تؤكد أن قواتها لم تستخدم أسلحة كيميائية، فإن الطريق الأكثر إقناعاً لإثبات موقفها هو إتاحة المعلومات ذات الصلة، والتعاون مع الجهات الفنية المختصة، ونشر نتائج التحقيق الوطني بطريقة تسمح بمراجعتها. أما الاكتفاء بتوصيف الاتهامات بأنها سياسية، فلن يجيب عن الأسئلة المتعلقة بالوقائع الميدانية أو المواد التي ظهرت في الصور والمقاطع المتداولة أو الشهادات التي تناولتها التحقيقات الصحفية.

وقد أعلنت وزارة الخارجية السودانية، في بيان أحيل إلى مجلس الأمن في مايو 2025، أن البرهان قرر تشكيل لجنة وطنية تضم ممثلين عن وزارة الخارجية ووزارة الدفاع وجهاز المخابرات العامة للتحقيق في الاتهامات الأمريكية. وأكد البيان رفض الحكومة لهذه الاتهامات وتمسكها بالتزامات السودان الدولية بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

ومن حيث المبدأ، يمكن للتحقيق الوطني أن يكون خطوة ضرورية لفحص الوثائق والسجلات العسكرية والشهادات المتاحة، وتحديد ما إذا كانت هناك وقائع تستوجب إجراءات إضافية. غير أن قيمة أي لجنة لا تقاس بمجرد الإعلان عن تأسيسها، وإنما باستقلال عملها، ومدى قدرتها على الوصول إلى المعلومات، ووضوح منهجيتها، ونشر نتائجها. وحتى الآن، لا تكفي المعلومات المشار إليها هنا للحكم على أن اللجنة قدمت نتائج مستقلة حسمت جميع جوانب القضية؛ ولذلك تظل المطالبة بالشفافية والتعاون الفني قائمة.

وتكتسب التحقيقات الصحفية أهمية في هذا السياق لأنها قد تفتح مسارات جديدة للتحقق، خصوصاً عندما تعتمد على مواد مرئية وشهادات وتحليل جغرافي للمواقع. وقد ذكرت هيومن رايتس ووتش أن تحقيق فرانس 24 قدم عناصر علنية تدعم احتمال استخدام الجيش السوداني الكلور في حادثتين خلال سبتمبر 2024، مشيرة إلى صور ومقاطع فيديو مرتبطة بقاعدة الجيلي العسكرية ومصفاة الجيلي النفطية. كما دعت المنظمة إلى إجراء تحقيق شفاف تدعمه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

لكن العمل الصحفي، مهما بلغت أهميته، لا ينبغي أن يُحمّل أكثر مما تسمح به نتائجه؛ إذ يجب التحقق من أصل المواد المصورة وسياقها وتاريخها، وفحص الأدلة المادية إن توفرت، وتقييم الشهادات في ضوء المعلومات الأخرى. وهذه الإجراءات ضرورية ليس لتخفيف خطورة الاتهامات، بل لضمان أن تكون أي نتيجة نهائية قوية بما يكفي للصمود أمام التدقيق القانوني والعلمي.

إن أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً يتعلق بمصير المدنيين الذين عاشوا قرب مواقع العمليات العسكرية. فهؤلاء لا يملكون في الغالب وسائل التحقق من طبيعة المواد التي قد تنتشر في محيطهم، وقد لا تتوفر لهم خدمات صحية متخصصة لتحديد أسباب الأعراض التي يعانون منها. وفي مناطق الحرب، يمكن أن يؤدي نقص المعلومات إلى قرارات خطيرة، سواء بسبب الاستهانة بمخاطر حقيقية أو بسبب الخوف من تهديدات لم يثبت وجودها. ولهذا، ينبغي أن تترافق التحقيقات مع إجراءات لحماية السكان، تشمل تقديم الرعاية الطبية، وتوثيق الحالات المحتملة، وتوفير المعلومات الصحية الموثوقة، وضمان وصول فرق الإغاثة إلى المناطق المتضررة. ولا يجوز أن ينتظر المدنيون نهاية الجدل السياسي حتى يحصلوا على الرعاية أو يعرفوا كيفية التعامل مع المخاطر المحتملة.

ومن المهم كذلك ألا تتحول قضية الأسلحة الكيميائية إلى ذريعة لإهمال الانتهاكات الأخرى التي شهدتها الحرب السودانية. فحماية المدنيين تشمل منع استهدافهم، واحترام المنشآت الطبية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وحماية السكان من التهجير والعنف وسائر الانتهاكات. ولا يجوز لأي طرف أن يستخدم انتهاكات خصمه لتبرير أفعاله، لأن القانون الدولي الإنساني لا يمنح أطراف النزاع حق ارتكاب المخالفات رداً على مخالفات مزعومة أو مثبتة من الطرف الآخر. وإذا ثبت أن جهة عسكرية استخدمت سلاحاً كيميائياً محظوراً، فإن ذلك لا يقلل من أهمية التحقيق في الانتهاكات الأخرى، بل يؤكد ضرورة تطبيق المعايير نفسها على الجميع، بصرف النظر عن موقعهم في الصراع.

وعلى المستوى الدولي، أظهرت الإجراءات الأمريكية أن الاتهامات أصبحت ذات تبعات دبلوماسية واقتصادية ملموسة. فقد أعلنت واشنطن فرض عقوبات على السودان بعد استنتاجها استخدام الحكومة أسلحة كيميائية، وشملت الإجراءات قيوداً على بعض الصادرات والمساعدات والتمويل.

لكن العقوبات لا تحل محل التحقيق الفني، ولا ينبغي أن تكون نهاية المسار الدولي. فالمطلوب هو دعم الجهود التي تسمح بتحديد ما وقع بالفعل، وتوضيح المسؤوليات، ومنع تكرار أي استخدام محظور. كما أن السلطات الأمريكية مطالبة، بدورها، بتوضيح ما يمكن نشره من الأدلة التي استندت إليها، حتى يتمكن الخبراء والجهات المختصة من تقييمها بصورة مهنية. فالشفافية لا ينبغي أن تكون مطلباً موجهاً إلى الخرطوم وحدها، بل مبدأً أساسياً يحكم جميع الجهات التي تتخذ قرارات في قضية بهذه الخطورة.

أما المسؤولية المرتبطة بالبرهان، فيجب تناولها بدقة قانونية. فهو قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة السوداني، ولذلك تبرز أسئلة تتعلق بمسؤولية القيادة عن منع الانتهاكات والتحقيق فيها وضمان امتثال القوات للقانون. لكن إثبات مسؤوليته الجنائية الشخصية عن استخدام سلاح كيميائي يتطلب أدلة محددة على دوره في الوقائع، ولا يصح افتراض صدور أوامر منه لمجرد أن الاتهامات تتعلق بمؤسسة يقودها. وفي الوقت نفسه، لا يعفي غياب حكم قضائي نهائي القيادة من مسؤوليتها السياسية والمؤسسية عن التعامل الجاد مع الادعاءات. فالقيادة التي تريد الحفاظ على مصداقيتها مطالبة بتقديم إجابات قابلة للتحقق، وباتخاذ خطوات تمنع أي انتهاكات محتملة، وبإظهار استعداد حقيقي لمحاسبة من تثبت مسؤوليته.

وإذا أثبت تحقيق مستقل استخدام الأسلحة الكيميائية، فإن الخطوة التالية ينبغي أن تشمل تحديد نوع المادة وطبيعة استخدامها والجهات المتورطة، ثم إحالة المسؤوليات إلى الآليات القانونية المختصة وفق القواعد والأدلة المتاحة. كما ينبغي العمل على حماية الضحايا والشهود، وتوثيق الأضرار الصحية والإنسانية، والنظر في سبل الإنصاف والتعويض عندما تتوفر الأسس القانونية لذلك. أما إذا لم تثبت بعض الاتهامات أو ظهرت معلومات تنقضها، فيجب أن تكون نتائج التحقيق واضحة ومعللة، وأن يُعلن عن الأدلة التي تسمح بتصحيح الرواية العامة. ففي الحالتين، لا يخدم الغموض الضحايا ولا العدالة، بل يترك المجال مفتوحاً أمام التضليل والتوظيف السياسي.

إن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى على استمرار الحرب أو على تبادل الاتهامات إلى ما لا نهاية. فالمجتمع الذي يسعى إلى الخروج من النزاع يحتاج إلى معرفة ما حدث، وإلى مؤسسات قادرة على التحقيق والمحاسبة، وإلى ضمانات تمنع تكرار الانتهاكات. ولهذا، فإن قضية الأسلحة الكيميائية تمثل اختباراً يتجاوز مصير البرهان أو الحكومة الحالية؛ إنها اختبار لمدى قدرة السودان على حماية مواطنيه، ولقدرة المجتمع الدولي على تطبيق قواعده بصورة متسقة. ولا ينبغي أن تكون النتيجة مقررة مسبقاً، لا بالإدانة السياسية المطلقة ولا بالتبرئة السياسية المطلقة، بل بما تثبته الأدلة المستقلة.

وفي المحصلة، فإن السؤال الذي يواجه قيادة البرهان ليس كيف تتغلب على خصومها في معركة الخطاب، بل كيف تقدم إجابات موثوقة عن اتهامات تهدد ثقة السودانيين في مؤسساتهم وتثير مخاوف دولية جدية. إن تشكيل لجنة وطنية خطوة معلنة، لكن المطلوب هو معرفة ما أنجزته، وما الأدلة التي فحصتها، وما النتائج التي توصلت إليها، ومدى استعدادها للتعاون مع الجهات الدولية المختصة. كما أن المجتمع الدولي مطالب بألا يترك القضية رهينة للتجاذبات السياسية، بل أن يدعم مساراً مستقلاً يضع حماية المدنيين في المقام الأول. فالحقيقة لا تُثبت بالإنكار وحده، ولا بالإدانة المسبقة، وإنما بتحقيق نزيه يستطيع تحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين عند ثبوتها. وفي حرب دفع فيها السودانيون أثماناً هائلة، لا ينبغي السماح بأن تصبح الأسلحة المحظورة، إن ثبت استخدامها، مجرد فصل آخر في سجل طويل من الانتهاكات بلا مساءلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى