تسريبات

حرب السودان تتجاوز حدود السلاح التقليدي.. مخاوف من الكلور ومطالب بحماية المدنيين


بين أصوات القصف ومشاهد النزوح وانهيار الخدمات، وجد السودانيون أنفسهم أمام مخاوف جديدة بعد ظهور اتهامات باستخدام مواد كيميائية في العمليات العسكرية التي شهدتها البلاد. وتزداد خطورة هذه المخاوف عندما تتعلق بمواد يمكن أن تسبب أضراراً صحية جسيمة إذا استُخدمت سلاحاً، بينما يعاني السكان أصلاً من نقص الرعاية الطبية وصعوبة الوصول إلى المياه النظيفة ومحدودية إمكانات الإغاثة. وقد أعلنت الولايات المتحدة في مايو 2025 أنها خلصت إلى استخدام الحكومة السودانية أسلحة كيميائية خلال عام 2024، وهو استنتاج رفضته السلطات السودانية، فيما نشرت هيومن رايتس ووتش في أكتوبر من العام نفسه تقريراً تناول عناصر تحقيق صحفي بشأن احتمال استخدام الجيش الكلور في حادثتين قرب الجيلي. وبين الاتهامات والنفي، تبقى حماية المدنيين هي القضية التي لا يجوز أن تتراجع أمام الصراع السياسي والعسكري. 

إن الحديث عن الأسلحة الكيميائية في السودان لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد نقاش حول نوع معين من الأسلحة، بل باعتباره إنذاراً بشأن طبيعة المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها السكان عندما تتحول المواد السامة إلى وسائل قتالية. فالكلور، على سبيل المثال، مادة معروفة الاستخدام في المجالات الصناعية ومعالجة المياه، لكنه قد يسبب أضراراً خطيرة عند التعرض له بتركيزات مؤذية، ولا سيما في الأماكن المغلقة أو في الظروف التي تعوق إخلاء السكان وتقديم العلاج. وتوضح هذه الحقيقة سبب ضرورة التمييز بين وجود مادة كيميائية في موقع ما وبين إثبات استخدامها سلاحاً؛ فالأمر الثاني يتطلب أدلة على كيفية الاستخدام وسياقه والنتائج المرتبطة به. ومع ذلك، فإن صعوبة التحقق لا تبرر تجاهل المخاوف، بل تجعل الحاجة إلى التحقيق العلمي أكثر إلحاحاً.

وقد ركز التحقيق الذي تناولته هيومن رايتس ووتش على أحداث قيل إنها وقعت في سبتمبر 2024 في محيط قاعدة الجيلي العسكرية ومصفاة الجيلي شمال الخرطوم، وهما موقعان ارتبطا بالعمليات القتالية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. وأشارت المنظمة إلى مواد مصورة جرى تحديد مواقعها جغرافياً، وصور لحاويات معدنية ومناطق ظهرت فيها آثار انفجارات، إلى جانب شهادات وتحليل منشورات متداولة عبر حسابات مؤيدة لطرفي الحرب. واعتبرت المنظمة أن هذه العناصر تقدم مؤشرات تستحق تحقيقاً مستقلاً، لكنها شددت أيضاً على ضرورة إجراء تحقيق شفاف تدعمه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. وتكمن أهمية هذه المعلومات في أنها تسمح بصياغة أسئلة محددة بشأن ما جرى، لكنها لا تمنح أي جهة حق تجاوز التحقيق الفني أو تقديم استنتاجات تتخطى ما تسمح به الأدلة المنشورة.

وتبرز هنا مسؤولية القيادة العسكرية السودانية برئاسة عبد الفتاح البرهان في تقديم إجابات واضحة بشأن الوقائع التي تقع ضمن نطاق مسؤوليتها، خصوصاً أن الاتهامات ترتبط بعمليات نُسبت إلى الجيش. وهذه المسؤولية لا تعني افتراض صدور أمر شخصي من البرهان باستخدام مادة كيميائية، إذ لا يمكن إثبات ذلك من دون أدلة محددة، لكنها تعني أن قيادة الجيش مطالبة بضمان عدم استخدام الأسلحة المحظورة، والتحقيق في الادعاءات الجدية، والتعاون مع آليات التحقق المناسبة. فالقائد الذي يتولى إدارة مؤسسة عسكرية لا يستطيع الاكتفاء بالقول إن الاتهامات سياسية، بل ينبغي أن يتيح الوسائل التي تسمح بتحديد ما إذا كانت الوقائع صحيحة، وما إذا كانت هناك مخالفات، ومن يتحمل مسؤوليتها إذا ثبت وقوعها.

ويزداد الأمر تعقيداً بسبب انهيار أجزاء واسعة من المنظومة الصحية خلال الحرب. فالمناطق التي تشهد القتال قد تفتقر إلى المختبرات اللازمة لتحليل العينات، كما قد يجد المصابون صعوبة في الوصول إلى أطباء متخصصين أو الحصول على الأدوية الأساسية. وفي ظل هذه الظروف، يمكن أن تصبح الأعراض الصحية موضوعاً للشائعات أو التفسيرات المتضاربة، خصوصاً عندما تتداول الأطراف المتحاربة روايات مختلفة عن أسباب الإصابات. ولذلك، يجب ألا يُترك المواطنون وحدهم أمام هذه المخاطر، بل ينبغي دعم المرافق الطبية وتمكين العاملين الصحيين من توثيق الحالات، وتوفير آليات إحالة إلى المختبرات المختصة عندما تكون هناك أسباب معقولة للاشتباه في تعرض كيميائي. كما ينبغي حماية العاملين في المجال الطبي من التهديدات، لأن إسكاتهم أو تعطيل عملهم يجعل الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة.

ولا تتوقف الأضرار المحتملة عند الجانب الصحي المباشر. فمجرد الخوف من وجود مواد سامة في منطقة سكنية يمكن أن يدفع العائلات إلى ترك منازلها، ويزيد الضغط على المدن التي تستقبل النازحين، ويؤدي إلى فقدان مصادر الرزق وتعطيل التعليم والخدمات. وقد يصبح السكان غير قادرين على العودة حتى بعد انتهاء القتال، إذا لم يحصلوا على معلومات موثوقة بشأن سلامة المنطقة. كما يمكن للشائعات أن تتسبب في انتشار الذعر، أو تدفع البعض إلى اتخاذ قرارات غير آمنة. ولهذا، فإن التواصل العام ينبغي أن يكون مسؤولاً، وأن تصدر المعلومات الصحية عن جهات مؤهلة، مع توضيح ما هو مؤكد وما لا يزال قيد التحقيق. فالمبالغة غير المستندة إلى أدلة قد تضر بالمدنيين، مثلما يضر بهم إخفاء المعلومات أو التقليل من المخاطر الحقيقية.

وفي المقابل، لا يجوز أن تستخدم السلطات السودانية الاحتياجات المدنية المشروعة للمواد الكيميائية لتبرير أي استخدام عسكري محتمل. فوجود الكلور في قطاع المياه لا يشكل دليلاً على ارتكاب مخالفة، لكنه لا ينفي إمكانية إساءة استخدامه في ظروف أخرى. والمعيار الحاسم هو طبيعة الاستخدام والغرض منه والظروف المحيطة به، وفق القواعد الدولية ذات الصلة. ومن هنا تأتي أهمية الفحص الفني للمواد والحاويات والآثار الميدانية، والتحقق من مصادرها وسياق وجودها، وجمع الشهادات بصورة تحافظ على سلامتها. ولا بد أن تكون نتائج التحقيق قابلة للمراجعة، حتى لا تصبح المعلومات العلمية مجرد أدوات في الصراع الإعلامي.

إن اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية تفرض التزامات على الدول الأطراف بشأن عدم تطوير هذه الأسلحة أو إنتاجها أو حيازتها أو استخدامها، وتوفر إطاراً دولياً للتعامل مع المخاوف المرتبطة بها. وقد دعت هيومن رايتس ووتش الدول الأطراف إلى دعم تحقيق شفاف تشارك فيه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بما يتيح التحقق من الوقائع وفق آلياتها الفنية.

ويمكن لهذا التعاون أن يساهم في بناء سجل موثوق للأحداث، وتحديد ما إذا كانت الأدلة تكفي لإثبات استخدام مادة محظورة، وتوضيح المسؤوليات المحتملة. كما يمكنه أن يساعد في الحد من التلاعب بالمعلومات، لأن النتائج المستندة إلى إجراءات علمية واضحة تكون أقوى من التصريحات التي تصدرها الأطراف المتحاربة.

أما على المستوى الإنساني، فينبغي إعطاء الأولوية لتوفير معلومات السلامة والرعاية الطبية للمتضررين المحتملين، وضمان عدم حرمان أي منطقة من المساعدات بسبب الشكوك الأمنية أو الخلافات السياسية. ويجب أن تتضمن الاستجابة حماية للشهود، وتوثيقاً للحالات، ومساندة للعائلات التي قد تكون فقدت أفراداً أو اضطرت إلى النزوح. وإذا أثبت التحقيق وقوع استخدام محظور، فلا بد من اتخاذ خطوات للمساءلة والتعويض ومنع التكرار، وفق الأطر القانونية المتاحة. أما إذا لم تثبت بعض الادعاءات، فينبغي نشر أسباب الاستنتاج بوضوح، حتى لا تبقى المجتمعات أسيرة روايات متعارضة.

إن المدنيين السودانيين لا يحتاجون إلى معرفة اسم المادة الكيميائية فحسب، بل يحتاجون إلى معرفة ما إذا كانوا في خطر، ومن سيحميهم، وكيف سيحصلون على العلاج، وهل سيحاسب المسؤولون إذا ثبت استخدام سلاح محظور. وهذه الأسئلة لا يمكن أن تجيب عنها الحملات الدعائية أو البيانات السياسية المتبادلة. وحدها التحقيقات المستقلة والتعاون الدولي والشفافية يمكن أن توفر إجابات جدية. ولذلك، فإن المطلوب من قيادة البرهان، ومن سائر الأطراف المعنية، هو التعامل مع القضية باعتبارها اختباراً لحماية الإنسان واحترام القانون، لا مجرد معركة جديدة في حرب طويلة. فحين تكون حياة المدنيين على المحك، تصبح الحقيقة ضرورة إنسانية قبل أن تكون انتصاراً سياسياً لأي طرف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى