من تسريب السلاح الكيميائي إلى اتهام المخابرات.. صراع الظل يهدد تماسك معسكر بورتسودان
اعتقالات طالت ضباطاً أمنيين وعسكريين، واتهامات طاولت قيادة جهاز المخابرات، وأسئلة حول تسريب اتصالات حساسة: ملف السلاح الكيميائي يتحول، وفق رواية «القصة»، من أزمة خارجية إلى معركة داخلية على النفوذ ومراكز القرار.
لم تعد الأزمة التي تواجه السلطة القائمة في بورتسودان محصورة في إدارة الحرب أو التعامل مع الضغوط الدولية المطالبة بوقفها. فوفق ما عرضته حلقة برنامج «القصة»، فتح الجدل المتعلق باتهامات تطوير الجيش السوداني أسلحة كيميائية باباً لصراع داخلي أكثر حساسية، بعدما تحولت قضية التسريب إلى محور اتهامات واعتقالات طالت ضباطاً أمنيين وعسكريين، ووصلت، بحسب الحلقة، إلى مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني أحمد مفضل.
وتتجاوز خطورة هذا الملف، في القراءة التي قدمها البرنامج، مضمون الاتهامات المرتبطة بالسلاح الكيميائي إلى السؤال عن الجهة التي كشفت المعلومات، وكيف وصلت تفاصيل حساسة إلى وسائل إعلام أمريكية، وما إذا كان ما حدث نتيجة اختراق أمني أم صراع بين مراكز النفوذ داخل معسكر السلطة. غير أن هذه الأسئلة، على أهميتها، لا تعني أن الروايات المتداولة بشأن المسؤولية عن التسريب أو ملابسات القضية قد ثبتت بصورة مستقلة؛ فهي تظل اتهامات وتحليلات وردت في الحلقة وتحتاج إلى أدلة موثقة قبل التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية.
ملف السلاح الكيميائي يفتح جبهة جديدة
بحسب التفريغ، تناولت الحلقة ما وصفته بالخلاف الحاد داخل حكومة بورتسودان عقب نشر تقارير صحفية أمريكية بشأن تطوير الجيش السوداني أسلحة كيميائية. وربط البرنامج بين توقيت ظهور القضية وبين الضغوط الدولية التي تواجهها قيادة الجيش، معتبراً أن الملف أضاف عبئاً سياسياً وقانونياً إلى أزمة الشرعية والعلاقات الخارجية.
وتكمن حساسية أي اتهام باستخدام الأسلحة الكيميائية أو تطويرها في طبيعة الالتزامات الدولية والقواعد التي تحظر هذا النوع من الأسلحة، فضلاً عن الأثر الذي يمكن أن تتركه مثل هذه الاتهامات على صورة المؤسسة العسكرية وعلاقاتها الخارجية. ولذلك، فإن مجرد تداول القضية في وسائل إعلام دولية يمكن أن يفتح نقاشاً واسعاً بشأن مسؤولية الجهات المعنية، ومدى تعاونها مع أي تحقيقات أو إجراءات تحقق مستقلة.
لكن من الضروري الفصل بين نشر تقارير تتناول اتهامات من هذا النوع وبين إثبات الوقائع التي تتضمنها. فالتفريغ الذي قدمه المستخدم ينقل تفسير الحلقة للملف، ولا يشتمل بذاته على الوثائق الفنية أو النتائج المستقلة التي تسمح بالجزم بطبيعة الأسلحة المزعومة أو تفاصيل تطويرها أو الجهة المسؤولة عنها. كما لا يكفي ربط القضية بأزمة الشرعية للقول إن نشرها كان جزءاً من خطة مقصودة لإقصاء البرهان دولياً.
مع ذلك، فإن التداعيات السياسية الداخلية التي تحدثت عنها الحلقة تبدو محوراً مستقلاً يستحق التوقف عنده. فبدلاً من أن ينحصر النقاش في مضمون التقارير وما تتطلبه من تحقيق، انتقل الاهتمام، بحسب رواية البرنامج، إلى البحث عن مصدر التسريب، وتحديد المسؤولين عنه، ومعرفة ما إذا كانت المعلومات قد خرجت من داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية.
عشرات الاعتقالات وأسئلة عن آلية التحقيق
أشارت الحلقة إلى اعتقال نحو خمسين ضابطاً أمنياً وعسكرياً على خلفية الاشتباه في تسريب معلومات مرتبطة بالقضية. وإذا كانت هذه الأرقام دقيقة، فإن حجم الاعتقالات يثير أسئلة تتعلق بطبيعة التحقيقات، والأدلة التي استندت إليها، وما إذا كانت الإجراءات تستهدف كشف مصدر المعلومات أم أنها تعكس صراعاً أوسع داخل الأجهزة.
في الملفات الأمنية الحساسة، قد يكون التحقيق في تسريب المعلومات إجراءً مؤسسياً مشروعاً، لكن مشروعيته وفاعليته تتوقفان على وضوح الاتهامات، ووجود أدلة قابلة للفحص، واحترام الإجراءات القانونية. أما الاكتفاء بحملة اعتقالات واسعة من دون إعلان نتائج واضحة، فقد يحول القضية إلى مصدر خوف داخل المؤسسات، ويضعف الثقة بين أجهزتها المختلفة، خصوصاً في بيئة تشهد حرباً وانقساماً سياسياً وعسكرياً.
ووفق ما عرضه البرنامج، لم تتوقف الاتهامات عند الضباط المعتقلين، بل امتدت إلى أحمد مفضل، مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني. وطرحت الحلقة تساؤلات بشأن احتمال أن يكون الاختراق الذي طال اتصالات البرهان السرية قد حدث بعلم قيادة الجهاز أو نتيجة تغاضٍ عنها. إلا أن هذه الصياغة تظل اتهاماً منسوباً إلى الرواية التي قدمها البرنامج، ولا يجوز تحويلها إلى حقيقة مثبتة من دون أدلة مستقلة أو نتائج تحقيق معلنة.
ومع ذلك، فإن وصول الاتهامات إلى رأس الجهاز الأمني يوضح حجم الحساسية التي أحاطت بالقضية كما عرضتها الحلقة. فالمسألة لم تعد مجرد تحديد ضابط سرب معلومة، بل أصبحت مرتبطة بقدرة المؤسسة الأمنية على حماية الاتصالات الحساسة، وبمدى الثقة بين القيادة السياسية والعسكرية والأجهزة التي يفترض أن تعمل تحت إشرافها.
هل يعكس الملف صراعاً على القرار؟
تضع الحلقة ما تسميه الاختراق الأمني ضمن صورة أوسع من التنافس داخل معسكر بورتسودان، حيث تتداخل المؤسسات العسكرية والأمنية مع قوى سياسية ترى في استمرار الحرب ضمانة لمكانتها ونفوذها. ووفق هذا التحليل، لا يمكن فهم التوتر حول التسريب بمعزل عن الخلافات بشأن الهدنة، والاتصالات الخارجية، ومستقبل السلطة بعد الحرب.
إذا كانت مراكز القرار تتباين في مواقفها من التسوية، فإن المعلومات السرية قد تتحول إلى أدوات في صراع النفوذ. وقد يسعى طرف إلى كشف اتصالات أو مواقف طرف آخر لإحراجه، أو لإضعاف فرصه في التفاوض، أو لمنع تقديم تنازلات يراها منافسوه تهديداً لمصالحهم. لكن هذا يظل احتمالاً تحليلياً عاماً، وليس دليلاً على أن التسريب محل النقاش جرى بهذه الدوافع تحديداً.
والسؤال الذي تطرحه هذه القراءة هو ما إذا كانت المؤسسات داخل معسكر السلطة تعمل وفق منظومة قيادة موحدة، أم أن تعدد مراكز النفوذ يجعل القرار عرضة للتنافس والتجاذب. فحين تتحول الاتصالات السياسية إلى مادة للشكوك، وتصبح عملية البحث عن مصدر التسريب مواجهة بين مسؤولين وأجهزة، فإن ذلك قد يشير إلى ضعف الثقة الداخلية، حتى لو لم يكن كافياً وحده لإثبات وجود اختراق منظم.
وفي أوقات الحرب، تكون الحاجة إلى التنسيق الأمني أكبر من المعتاد، لكن السرية لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء يمنع المساءلة، كما أن المساءلة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتصفية الحسابات. والتوازن بين الأمرين يتطلب تحقيقاً مهنياً مستقلاً، وإعلاناً واضحاً للنتائج التي يمكن نشرها، ومحاسبة تستند إلى أدلة لا إلى الانتماءات أو الخصومات.
التداعيات الخارجية لا تقل خطورة عن الصراع الداخلي
لا ينحصر أثر قضية السلاح الكيميائي في الداخل السوداني. فالتقارير المتعلقة بهذا الملف قد تزيد تعقيد علاقة السلطة القائمة في بورتسودان بالولايات المتحدة والجهات الدولية الأخرى، خصوصاً في وقت تسعى فيه القيادة إلى إعادة فتح قنوات التواصل الدبلوماسي وإقناع الخارج بقدرتها على إدارة الدولة.
وفي سياق الحلقة، جاء الحديث عن القضية ضمن سلسلة من الأزمات التي تواجه البرهان، بدءاً من الخلاف بشأن تأشيرة السفر إلى الولايات المتحدة، مروراً بلقاء العلمين مع المبعوث الأمريكي مسعد بولس، وصولاً إلى الجدل حول القدرة على اتخاذ قرار بشأن الهدنة. ويشير هذا السياق إلى أن الملفات الخارجية والداخلية لا تعمل بمعزل بعضها عن بعض؛ فأي أزمة أمنية أو سياسية قد تؤثر في ثقة الشركاء الدوليين، كما أن الضغوط الخارجية قد تزيد التوتر داخل معسكر السلطة.
لكن من غير الدقيق اعتبار نشر التقارير الأمريكية دليلاً قاطعاً على وجود خطة متعمدة لإقصاء البرهان أو إثبات عدم أهليته السياسية. مثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة على دوافع النشر، وطبيعة المعلومات، والجهات التي حصلت عليها. أما المؤكد في حدود المادة المتاحة، فهو أن القضية كما تناولتها الحلقة أصبحت جزءاً من النقاش حول صورة القيادة السودانية في الخارج، وعن مدى قدرتها على احتواء الأزمات.
وإذا كانت هناك شبهات بشأن استخدام أسلحة محظورة أو تطويرها، فإن الطريق إلى معالجة الملف لا يكون فقط عبر مطاردة التسريبات، بل عبر كشف الوقائع الفنية والقانونية ذات الصلة، والتعاون مع آليات التحقق المعنية، وتقديم إجابات واضحة للرأي العام. فالمعلومات المتعلقة بأسلحة شديدة الخطورة لا ينبغي أن تبقى رهينة صراع داخلي على من يملك حق كشفها أو إخفائها.
بين حماية الأسرار ومحاسبة المسؤولين
تطرح القضية مفارقة صعبة: تحتاج المؤسسات العسكرية والأمنية إلى حماية المعلومات التي قد يؤدي كشفها إلى مخاطر فعلية، لكنها تحتاج أيضاً إلى ضمان ألا تتحول السرية إلى وسيلة لحجب وقائع ذات مصلحة عامة أو التهرب من المسؤولية. ويصبح هذا التوازن أكثر تعقيداً عندما تكون البلاد في حالة حرب، وتتداخل الاعتبارات الأمنية مع الصراع على السلطة.
وتشير الاعتقالات التي تحدثت عنها الحلقة، والاتهامات التي طالت مسؤولين كباراً، إلى أن تداعيات الملف لم تعد محصورة في العلاقة مع الخارج. فقد أصبح مصدر المعلومات نفسه موضوعاً للصراع، فيما بقيت الأسئلة المتعلقة بمضمون الاتهامات وما إذا كانت قد خضعت لتحقيق مستقل في حاجة إلى إجابات واضحة.
ولا يمكن الجزم، استناداً إلى التفريغ وحده، بأن جهاز المخابرات اخترق اتصالات البرهان، أو أن أحمد مفضل كان على علم بتسريبها، أو أن الاعتقالات تستهدف تصفية خصوم سياسيين. لكن يمكن القول إن الروايات التي عرضها البرنامج تكشف عن أزمة ثقة تستحق التدقيق، وعن حاجة ملحة إلى الفصل بين التحقيق المهني والتوظيف السياسي.
في النهاية، لن تُقاس خطورة القضية بعدد المعتقلين أو بحدة الاتهامات المتبادلة، بل بقدرة الجهات المعنية على الوصول إلى الحقيقة وإعلان ما يمكن إثباته منها. وإذا تحول الملف إلى معركة لتبادل الشبهات، فستتراجع فرص معرفة ما حدث فعلاً، وستزداد الشكوك داخل المؤسسات. أما إذا خضع لتحقيق موثوق وشفاف، فقد يضع حداً للروايات المتضاربة، ويحدد المسؤوليات وفق الأدلة، ويمنع استغلال قضية بهذا الحجم في صراعات النفوذ.
وبين اتهامات السلاح الكيميائي وأزمة التسريب، تبدو بورتسودان أمام اختبار مزدوج: اختبار للمساءلة عن ملف بالغ الحساسية، واختبار لقدرة مؤسساتها على إدارة الخلاف من دون أن يتحول إلى صراع مفتوح يهدد تماسكها.




