من التحقيق إلى التعذيب.. ماذا يحدث للمحتجزين في مناطق سيطرة الجيش السوداني؟
لم يعد السؤال في السودان مقتصراً على من يسيطر على الأرض، أو من يربح معركة عسكرية وأخرى. فخلف خطوط القتال، وفي أماكن لا تصل إليها الكاميرات، تدور معركة أخرى أكثر هدوءاً، لكنها لا تقل قسوة: معركة الإنسان المحتجز الذي يجد نفسه فجأة خلف الأبواب المغلقة، بلا محامٍ، ولا وسيلة اتصال بأسرته، وأحياناً من دون أن يعرف حتى التهمة الموجهة إليه.
في المناطق التي استعادت القوات المسلحة السودانية السيطرة عليها، ظهرت خلال السنوات الأخيرة شهادات وتقارير حقوقية تتحدث عن نمط من الاعتقالات التي طالت مدنيين للاشتباه في تعاونهم مع قوات الدعم السريع، أو بسبب نشاطهم السياسي والإنساني، أو بسبب انتمائهم المناطقي أو العرقي، أو لمجرد أنهم عاشوا في مناطق كانت خاضعة لسيطرة الخصم.
وفي أحدث تقاريرها، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن قوات تابعة للقوات المسلحة السودانية وحلفاءها احتجزت مدنيين بشكل تعسفي، وعذبت بعضهم وأساءت معاملتهم، وحرمتهم من ضمانات الإجراءات القانونية. واعتمدت المنظمة في نتائجها على مقابلات مع 28 شخصاً، بينهم محتجزون سابقون وأقارب محتجزين ومحامون وناشطون، خلال الفترة الممتدة بين يونيو/حزيران 2025 وفبراير/شباط 2026. وشملت الحالات مناطق في الخرطوم والجزيرة والقضارف والبحر الأحمر وشمال السودان.
هذه الشهادات تضع قضية الاحتجاز في السودان أمام سؤال لا يمكن تجاوزه: متى يتحول التحقيق الأمني إلى انتهاك ممنهج لكرامة الإنسان؟
عندما يصبح الاشتباه حكماً
في ظروف الحرب، يصبح الاتهام بالتعاون مع الطرف الآخر من أخطر التهم التي يمكن أن توجه إلى مدني. لكن الخطر الأكبر يبدأ عندما تتحول التهمة من مجرد ادعاء يحتاج إلى تحقيق وأدلة ومحاكمة عادلة، إلى حكم مسبق يبرر الاعتقال والتعذيب والإخفاء.
بحسب هيومن رايتس ووتش، تعرض مدنيون للاعتقال في مناطق سيطرة الجيش بسبب الاشتباه في تعاونهم مع قوات الدعم السريع، فيما استندت بعض عمليات التوقيف، وفق الشهادات التي جمعتها المنظمة، إلى الهوية العرقية أو الانتماء السياسي المتصور أو النشاط الإنساني أو مجرد الإقامة سابقاً في مناطق كانت تحت سيطرة الدعم السريع.
وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط خطورة.
فالقانون لا يعاقب الإنسان على المكان الذي عاش فيه، ولا على أصله، ولا على عمله الإنساني، ولا على اعتقاد أمني غير مثبت. الاتهام، مهما كان خطيراً، يحتاج إلى أدلة. والمشتبه فيه يظل إنساناً له حقوق لا تسقط بمجرد وضع الأصفاد في يديه.
لكن الشهادات التي وثقتها منظمات حقوقية ترسم صورة مختلفة في عدد من الحالات: اعتقال، ثم اقتياد إلى مكان مجهول، ثم استجواب، ثم عنف أو تهديد، وفي بعض الحالات انقطاع كامل عن العالم الخارجي.
غرف لا يعرفها أحد
من أكثر الجوانب إثارة للقلق في هذه القضية وجود محتجزين في أماكن لا تبدو دائماً كسجون رسمية.
تحدثت هيومن رايتس ووتش عن استخدام مواقع احتجاز غير رسمية، بما فيها منازل جرى تحويلها إلى أماكن للاحتجاز، إضافة إلى مواقع مرتبطة بأجهزة أمنية وعسكرية. وقالت المنظمة إن بعض المعتقلين جرى نقلهم بين جهات ومواقع مختلفة، الأمر الذي جعل الوصول إليهم أكثر صعوبة بالنسبة إلى أسرهم ومحاميهم.
المشكلة هنا لا تتعلق بالمكان وحده.
عندما لا تعرف الأسرة أين يوجد المعتقل، يصبح من الصعب معرفة ما إذا كان حياً، وما إذا كان قد تلقى علاجاً، وما إذا كان تعرض للتعذيب، أو حتى ما إذا كان ما يزال محتجزاً أصلاً.
وهذا بالضبط ما يجعل الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي من أخطر الممارسات في زمن الحرب.
فغياب المعلومات يفتح الباب أمام كل شيء: التعذيب، سوء المعاملة، الإهمال الطبي، الإخفاء، وحتى الموت داخل الاحتجاز من دون أن يعرف أحد التفاصيل.
وقد وثقت الأمم المتحدة حالات لأشخاص قالت إنهم اقتيدوا خلال مداهمات أو نقاط تفتيش، ثم انقطعت أخبارهم عن أسرهم. وشملت الحالات مدنيين وأشخاصاً مرتبطين بأجهزة أمنية وعسكرية، مع ورود ادعاءات بأن بعضهم نقل إلى أماكن مجهولة.
التحقيق حين يتحول إلى أداة للعقاب
التحقيق، في الأصل، وسيلة للوصول إلى الحقيقة.
لكن ماذا يحدث عندما يصبح الهدف من التحقيق انتزاع اعتراف بأي وسيلة؟
شهادات محتجزين سابقين جمعتها هيومن رايتس ووتش تتحدث عن الضرب والركل والجلد والاعتداء بأدوات مختلفة، وعن احتجاز أشخاص لفترات طويلة، أحياناً من دون رعاية طبية مناسبة. إحدى الشهادات التي أوردتها المنظمة تحدثت عن محتجز قال إنه تعرض للضرب أثناء استجوابه على يد أفراد من القوات المسلحة، بينما تحدث متطوع إنساني آخر عن تعرضه للضرب بأداة حديدية وأخرى خشبية خلال احتجازه.
وفي حالة أخرى، قال محتجز سابق إنه تعرض للضرب بصورة متكررة أثناء التحقيق معه، وإن المعتدين كانوا يستخدمون الماء البارد عندما بدأ يفقد وعيه.
هذه ليست تفاصيل هامشية.
فالتعذيب ليس «أسلوباً قاسياً في التحقيق»، ولا يمكن تبريره بحجة الحرب أو الاشتباه أو البحث عن معلومات. الأمم المتحدة تؤكد أن حظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة حظر مطلق، وأن الأشخاص المحرومين من حريتهم يجب أن يعاملوا بكرامة واحترام.
والأهم أن السودان طرف في اتفاقية مناهضة التعذيب منذ عام 2021، بما يفرض عليه التزامات واضحة بتجريم التعذيب والتحقيق في ادعاءاته ومساءلة المسؤولين عنه وتوفير سبل الانتصاف للضحايا.
الجزيرة.. من السيطرة العسكرية إلى مطاردة المدنيين
تكتسب ولاية الجزيرة أهمية خاصة في هذه القضية.
فالولاية شهدت انتقال السيطرة العسكرية بين أطراف الحرب، وبعد استعادة الجيش وحلفائه مناطق واسعة منها، ظهرت تقارير عن اعتقالات استهدفت مدنيين بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع.
وقالت هيومن رايتس ووتش إن الانتهاكات التي وثقتها وقعت أيضاً في مناطق استعادت القوات المسلحة السيطرة عليها، ومن بينها ولاية الجزيرة. كما أشارت المنظمة إلى أن الاعتقالات لم تقتصر على مقاتلين، وإنما طالت مدنيين، بينهم ناشطون ومتطوعون وعاملون في المجال الإنساني.
وتحدثت المنظمة كذلك عن حالة المحامي والناشط السياسي صلاح الطيب، الذي قالت إن استخبارات الجيش احتجزته في ولاية الجزيرة في أبريل/نيسان 2024، وإن محتجزاً سابقاً قال إنه شاهده يتعرض للضرب خلال فترة احتجازه، قبل أن تبلغ أسرته لاحقاً بوفاته في مايو/أيار من العام نفسه. وفي المقابل، رفض النائب العام السوداني اتهامات بوجود وفيات ناجمة عن سوء المعاملة والتعذيب، لكنه قال إن قضية الطيب تخضع لإجراءات قضائية.
وهنا تظهر أهمية التحقيق المستقل.
ففي القضايا التي تتضمن وفاة داخل الاحتجاز، لا يكفي أن تقول جهة رسمية إن الأمر قيد التحقيق. المطلوب هو تحقيق سريع وشفاف ومستقل، يسمح بتحديد سبب الوفاة، وظروف الاحتجاز، والمسؤولين المحتملين عنها.
الطعام والعلاج.. حقوق لا تسقط خلف القضبان
لا يحتاج المحتجز إلى امتيازات حتى يعيش.
يحتاج فقط إلى الحد الأدنى الذي يجعل احتجازه لا يتحول إلى حكم بالموت البطيء.
لكن بعض الشهادات التي نقلتها المنظمات الحقوقية تتحدث عن ظروف قاسية شملت نقص الغذاء، وصعوبة الوصول إلى دورات المياه، وغياب الرعاية الصحية.
أحد المحتجزين السابقين قال إنه كان يحصل على وجبة واحدة فقط في اليوم، مكونة من العدس، وإن المحتجزين حُرموا من استخدام دورة المياه لفترات طويلة، حتى إنه كان يتجنب الأكل لتفادي الحاجة إليها.
وفي حالات أخرى، تحدث محتجزون عن عدم حصولهم على الرعاية الطبية بعد تعرضهم للضرب.
وهنا يجب التوقف عند نقطة أساسية: الرعاية الصحية ليست مكافأة تقدمها إدارة السجن للمحتجز «الجيد»، بل حق أساسي.
وعندما يكون شخص مصاباً أو مريضاً، فإن تركه من دون علاج قد يحول الاحتجاز من مجرد حرمان من الحرية إلى مصدر مباشر للخطر على حياته.
عندما تختفي العدالة من غرفة التحقيق
المشكلة لا تبدأ وتنتهي بالتعذيب.
حتى إذا لم يحدث أي اعتداء جسدي، فإن حرمان المحتجز من محامٍ، أو إبقائه من دون معرفة التهمة، أو منعه من التواصل مع أسرته، أو إبقائه في مكان مجهول، كلها ممارسات تقوض الحق في المحاكمة العادلة.
وتقول هيومن رايتس ووتش إن الإشراف القضائي والنيابي على بعض حالات الاحتجاز كان غير كاف، وإن بعض المحتجزين لم يحصلوا على تمثيل قانوني مناسب. كما وثقت المنظمة حالات صدرت فيها أحكام بالإعدام في قضايا قالت إن ضمانات المحاكمة العادلة لم تُحترم فيها.
وأوردت المنظمة أن مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وثقت إصدار ما لا يقل عن 108 أحكام بالإعدام بين يناير/كانون الثاني وأواخر يونيو/حزيران 2025، معظمها على خلفية اتهامات بالتعاون مع قوات الدعم السريع، مع مخاوف بشأن التأثير غير المتناسب للملاحقات على أشخاص من دارفور وكردفان.
وهنا يصبح السؤال أكبر من مصير فرد.
إنها مسألة نظام عدالة كامل: هل توجد أدلة؟ هل يستطيع المتهم الدفاع عن نفسه؟ هل يستطيع الوصول إلى محام؟ هل تخضع القضية لقاض مستقل؟ وهل انتزع الاعتراف تحت الضغط؟
إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن المحاكمة نفسها تصبح موضع شك.
الجيش وخطاب حماية المدنيين
طوال الحرب، قدمت القيادة العسكرية السودانية نفسها باعتبارها مؤسسة الدولة التي تقاتل لحماية البلاد من قوات الدعم السريع.
لكن حماية الدولة لا يمكن أن تكون مجرد شعار.
المؤسسة التي تقول إنها تحمي المدنيين مطالبة، قبل أي شيء، بحماية المدني الموجود تحت سيطرتها، بما في ذلك الشخص الذي تتهمه بالتعاون مع خصمها.
وهذا لا يعني تجاهل الجرائم التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، ولا التقليل من خطورتها. فالتقارير الحقوقية وثقت انتهاكات واسعة ارتكبها الطرفان خلال الحرب. لكن إدانة جرائم طرف لا تمنح الطرف الآخر حصانة أخلاقية أو قانونية.
الحرب ليست رخصة مفتوحة.
ولا يمكن أن يصبح شعار «الأمن» طريقاً لتجريد الإنسان من حقوقه الأساسية.
المسؤولية تبدأ من فتح الأبواب
المطلوب اليوم ليس فقط بيانات إدانة.
المطلوب فتح أماكن الاحتجاز أمام جهات مستقلة، والكشف عن أسماء المحتجزين وأماكن وجودهم، وتمكين المحامين من الوصول إليهم، وإبلاغ الأسر بمصير ذويها، والتحقيق في حالات الوفاة والتعذيب وسوء المعاملة، ومحاسبة المسؤولين عنها أياً كانت رتبتهم.
وقد دعت هيومن رايتس ووتش السلطات السودانية إلى إنهاء الاعتقال التعسفي والتعذيب وسوء المعاملة، وإتاحة الوصول أمام محققين ومراقبين مستقلين إلى أماكن الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية.
كما أن الأمم المتحدة شددت في سياق توثيقها للانتهاكات في السودان على خطورة التعذيب والمعاملة القاسية والاختفاء القسري والاعتقال التعسفي، وهي أفعال قد ترقى، بحسب ظروفها وسياقها، إلى جرائم بموجب القانون الدولي.
في النهاية، لا تكمن مأساة المعتقل في فقدان حريته فقط.
المأساة تبدأ عندما يفقد الجميع القدرة على معرفة ما حدث له.
فالرجل الذي يدخل غرفة التحقيق متهماً بالتعاون مع الخصم يظل إنساناً. والمرأة التي تُعتقل بسبب نشاطها أو مكان إقامتها تظل إنسانة. والمتطوع الذي يوزع الطعام على النازحين لا يتحول إلى هدف مشروع لمجرد أن السلطات تشك في عمله.
وفي الحرب السودانية، قد يكون أخطر ما يحدث خلف الجدران ليس فقط ما يفعله السجان بالمعتقل، وإنما الصمت الذي يحيط بالمكان كله.
لذلك، فإن كشف الانتهاكات لا ينبغي أن يكون بحثاً عن طرف ينتصر في رواية الحرب، بل محاولة لإعادة الإنسان إلى مركزها.
فلا يمكن بناء دولة من خلال الخوف، ولا يمكن تحقيق العدالة بالتعذيب، ولا يمكن حماية المدنيين باحتجاز المدنيين خارج القانون.




