تسريبات

لماذا طال أمد الحرب؟ دور السعودية وقطر ومصر وتركيا في تعطيل التسوية السودانية


لم تكن الحرب السودانية حرباً بلا وساطات. منذ الساعات الأولى للقتال، توالت المبادرات الإقليمية والدولية لوقف إطلاق النار، وفتحت عواصم عربية وإفريقية قنوات اتصال مع طرفي الصراع، واستضافت دول اجتماعات مباشرة وغير مباشرة بحثاً عن مخرج للأزمة. ومع ذلك، استمرت الحرب، واتسعت رقعتها، وتحولت من معركة على الخرطوم إلى صراع طويل متعدد الجبهات. وفي خلفية هذا الفشل الدبلوماسي برزت أدوار السعودية وقطر ومصر وتركيا، وهي دول تملك جميعها علاقات ومصالح مختلفة داخل السودان، وتتحرك وفق حسابات لا تتطابق بالضرورة مع بعضها البعض.

المشكلة لم تكن في غياب الوسطاء، وإنما في أن الوسطاء أنفسهم لم يتحركوا دائماً من الموقع نفسه. فالسعودية ركزت على أمن البحر الأحمر ووقف القتال، ومصر تعاملت مع الجيش ومؤسسات الدولة باعتبارها محور الاستقرار، وقطر حافظت على شبكة علاقات سياسية قديمة مع السودان، بينما امتلكت تركيا علاقات استراتيجية واقتصادية ودفاعية مع الخرطوم. وهكذا وجد السودانيون أنفسهم أمام شبكة من الوسطاء والقوى الإقليمية، لكل منهم تصور مختلف عن شكل الدولة التي يجب أن تخرج من الحرب.

جدة.. بداية الوساطة ومحدودية النتائج

كانت السعودية في مقدمة الدول التي حاولت تحويل نفوذها إلى وساطة. فقد استضافت مدينة جدة، بالتعاون مع الولايات المتحدة، مفاوضات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. وركزت الجهود على وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية.

لكن تجربة جدة كشفت منذ البداية صعوبة المهمة. فالطرفان لم يكونا يتفاوضان من موقع متقارب. كل طرف كان يرى أن الوقت يعمل لمصلحته، وأن تحسين موقعه العسكري يمكن أن يمنحه شروطاً أفضل في أي اتفاق سياسي.

لهذا لم يكن الإعلان عن هدنة كافياً. فالاتفاقات المؤقتة انهارت مراراً، واستمرت المعارك رغم الضغوط الدولية.

المشكلة الأكبر أن أي وساطة تحتاج إلى آلية ضغط فعالة. الوسيط يستطيع جمع الأطراف حول الطاولة، لكنه لا يستطيع إجبارها على تنفيذ الاتفاق إذا لم تكن لديها مصلحة في ذلك. وفي السودان، كانت حسابات الميدان أقوى من الحسابات الدبلوماسية في مراحل عديدة.

السعودية كانت تملك نفوذاً مهماً على القيادة السودانية، كما أن علاقتها بالمنطقة وبالولايات المتحدة منحتها موقعاً مهماً في الوساطة. لكن الرياض لم تكن تملك وحدها أدوات إجبار الجيش والدعم السريع على التخلي عن رهاناتهما العسكرية.

وبذلك تحولت جدة من مشروع لإنهاء الحرب إلى مسار تفاوضي إضافي ضمن مسارات متعددة.

مصر.. الوساطة من موقع الانحياز للدولة

القاهرة تبنت منذ البداية رؤية واضحة للصراع: السودان يحتاج إلى الحفاظ على مؤسسات الدولة، والجيش يمثل المؤسسة الوطنية المركزية التي لا يمكن تجاوزها.

هذا الموقف جعل مصر أقرب إلى الجيش السوداني من قوات الدعم السريع، وهو أمر لم تخفه القاهرة. لكنها في الوقت نفسه طرحت نفسها طرفاً داعماً للحل السياسي.

وهنا ظهرت مشكلة أساسية في الدور المصري. فكيف يمكن لدولة أن تلعب دور الوسيط بينما ترى أن أحد طرفي الصراع يمثل المؤسسة الشرعية للدولة، وأن الطرف الآخر قوة مسلحة يجب أن تعود إلى إطار الدولة؟

من وجهة نظر القاهرة، لا يوجد تناقض. فمصر لا ترى نفسها منحازة إلى “طرف” بقدر ما ترى أنها تدعم الدولة السودانية. لكن من وجهة نظر القوى المدنية وبعض الأطراف الأخرى، فإن دعم المؤسسة العسكرية يمكن أن يؤدي إلى إعادة إنتاج المعادلة التي كانت أحد أسباب اندلاع الحرب.

هذا الخلاف في تعريف المشكلة جعل الدور المصري أكثر تعقيداً. فالقاهرة تريد وقف الحرب، لكنها لا تريد أن يكون وقف الحرب على حساب موقع الجيش أو وحدة مؤسسات الدولة. كما أنها تخشى أن تؤدي أي تسوية سريعة إلى تفكيك المؤسسة العسكرية أو صعود قوى مسلحة على حساب الدولة.

هذه الحسابات مفهومة أمنياً، لكنها تعني في المقابل أن مصر ليست وسيطاً محايداً بالمعنى التقليدي، وإنما وسيط له رؤية واضحة لمستقبل السودان.

قطر.. الوساطة القديمة أمام حرب جديدة

تملك قطر ميزة مختلفة: الخبرة الطويلة في الوساطة السودانية، خصوصاً في ملف دارفور.

فقد استضافت الدوحة مفاوضات أدت إلى اتفاق الدوحة للسلام في دارفور عام 2011، وأصبحت لسنوات طرفاً مهماً في الملف السوداني. هذه الخلفية جعلت قطر تملك معرفة واسعة بالفاعلين السودانيين وشبكاتهم السياسية.

لكن حرب 2023 كانت مختلفة جذرياً. لم تكن أزمة إقليمية محدودة في دارفور، وإنما مواجهة شاملة بين قوتين عسكريتين تمتلكان إمكانات كبيرة وشبكات مصالح داخل الدولة وخارجها.

استمرار العلاقات القطرية مع مؤسسات الدولة السودانية منح الدوحة قدرة على الحفاظ على حضورها، لكنه لم يمنحها بالضرورة القدرة على فرض تسوية.

كما أن أي دور قطري كان يتحرك داخل بيئة إقليمية شديدة التعقيد. فالسودان أصبح في الوقت نفسه ملفاً سعودياً ومصرياً وتركياً وإفريقياً ودولياً، ما يعني أن أي مبادرة منفردة تواجه صعوبة في أن تصبح المسار الوحيد للحل.

والنتيجة أن كثرة الوسطاء لم تؤد بالضرورة إلى زيادة فرص السلام. في بعض الأحيان يمكن أن يحدث العكس: تعدد القنوات يعطي الأطراف المتحاربة خيارات أكثر للمناورة.

تركيا.. النفوذ السياسي خلف الوساطة

تركيا دخلت الملف السوداني من بوابة العلاقات الاستراتيجية القديمة مع الخرطوم. وخلال عهد عمر البشير، طورت أنقرة حضوراً اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً واسعاً في السودان، وكان مشروع سواكن أحد أبرز مظاهر ذلك الحضور.

بعد اندلاع الحرب، حافظت تركيا على علاقاتها مع القيادة السودانية، وأبقت قنوات الاتصال مفتوحة. كما دخلت أنقرة على خط الوساطة والاتصالات السياسية، بينما ظل اسمها مرتبطاً في الوقت نفسه بالعلاقات الدفاعية مع الجيش السوداني.

وهنا تظهر مشكلة شبيهة بالحالة المصرية: الدولة التي تمتلك مصالح استراتيجية في السودان لا تستطيع أن تفصل تماماً بين الوساطة وبين مصالحها.

تركيا تريد الحفاظ على موقعها في البحر الأحمر، وتريد حماية مصالحها الاقتصادية والدفاعية، كما تريد أن تبقى لاعباً مؤثراً في القرن الإفريقي. وبالتالي فإن أي حل سوداني سيؤثر في النفوذ التركي المستقبلي.

ليس المقصود أن أنقرة تريد استمرار الحرب، ولا توجد ضرورة لافتراض ذلك. لكن مصالح الدول في الحروب الأهلية يمكن أن تجعلها أكثر حرصاً على شكل التسوية وشروطها، وليس فقط على سرعة الوصول إليها.

تعدد المبادرات.. عندما يصبح الوسيط جزءاً من المعادلة

واحدة من أكبر مشكلات الأزمة السودانية كانت تعدد مسارات التفاوض. فإلى جانب السعودية والولايات المتحدة، كان هناك الاتحاد الإفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية، ومصر، وقطر، وتركيا، فضلاً عن جهود دولية أخرى.

من حيث المبدأ، وجود عدة وسطاء يمكن أن يكون مفيداً. لكنه يصبح مشكلة عندما تختلف أجنداتهم أو رؤيتهم لطبيعة الصراع.

فطرف يرى أن الأولوية هي وقف إطلاق النار، وآخر يرى أن الأولوية هي الحفاظ على مؤسسات الدولة، وثالث يركز على الانتقال المدني، ورابع يهتم بمنع انهيار السودان أو توسع نفوذ خصومه.

هذا التعدد خلق مساحة واسعة للمناورة أمام الأطراف المتحاربة.

فعندما يفشل مسار، يمكن الانتقال إلى مسار آخر. وعندما يرفض طرف مبادرة، يستطيع البحث عن وسيط أكثر قرباً من موقفه. وعندما تتغير موازين القوة، تتغير أيضاً قيمة كل مبادرة.

وهكذا لم يعد السؤال فقط: هل يريد الجيش والدعم السريع السلام؟ بل أصبح: أي سلام يريد كل طرف؟ ومن سيكون ضامنه؟ ومن سيحصل على النفوذ بعده؟

الجيش والدعم السريع.. دبلوماسية الميدان

لا يمكن فهم فشل الوساطات من دون النظر إلى التطورات العسكرية.

في الحروب الأهلية، المفاوضات غالباً ما تعكس ميزان القوة على الأرض. فإذا كان أحد الطرفين يحقق انتصارات، فإنه يدخل التفاوض بثقة أكبر. وإذا كان يتراجع، فإنه قد يستخدم التفاوض لكسب الوقت وإعادة تنظيم صفوفه.

هذا ما حدث بصورة متكررة في السودان. الهدنة كانت تتحول إلى فرصة لإعادة التموضع، ثم تعود المعارك. الاتفاقات كانت تعلن، ثم تنهار. والبيانات السياسية كانت تتوالى، بينما تتغير خطوط السيطرة على الأرض.

الدعم الخارجي زاد من تعقيد هذه المعادلة. فعندما يحصل الجيش على دعم سياسي وعسكري وتقني من حلفائه، يمكنه أن يعتقد أن لديه فرصة لتحقيق الحسم. وعندما تحصل قوات الدعم السريع على دعم أو قنوات خارجية مختلفة، تستطيع بدورها مواصلة المقاومة.

وبذلك يصبح العامل الخارجي جزءاً من “دبلوماسية الميدان”.

مصر والسعودية.. تقارب في الرؤية واختلاف في الأدوات

رغم اختلاف أدواتهما، تلتقي مصر والسعودية في نقطة مهمة: رفض انهيار الدولة السودانية.

لكن القاهرة تركز بصورة أكبر على الجيش والحدود والنيل، بينما تركز الرياض على استقرار البحر الأحمر ومنع تحول السودان إلى مصدر تهديد إقليمي.

هذا التقارب جعل البلدين قريبين في بعض الملفات، لكنه لا يعني تطابقاً كاملاً في طريقة إدارة الأزمة.

السعودية تميل إلى العمل عبر الوساطة والعلاقات الدولية، بينما تملك مصر أدوات أمنية وجغرافية أكثر مباشرة.

والنتيجة أن البلدين يستطيعان التأثير في الخرطوم، لكن التأثير لا يتحول بالضرورة إلى قدرة على فرض السلام.

قطر وتركيا.. علاقات قديمة وحسابات جديدة

في المقابل، تمتلك قطر وتركيا إرثاً مختلفاً من العلاقات مع السودان. فكلتاهما بنتا خلال عهد البشير شبكة من العلاقات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية.

لكن سقوط البشير ثم اندلاع الحرب غير قواعد اللعبة.

لم تعد الخرطوم وحدها مركز السودان. فقد أصبح للجيش مركزه السياسي والعسكري، بينما توسعت قوات الدعم السريع في مناطق واسعة، وظهرت سلطات محلية وشبكات اقتصادية مرتبطة بالحرب.

لذلك أصبحت العلاقات القديمة أقل قدرة على إنتاج تسوية شاملة.

كما أن استمرار النفوذ الخارجي المتعدد جعل السودان أكثر ارتباطاً بالتنافس الإقليمي. وكل دولة تحاول حماية مصالحها أو حلفائها، بينما يحتاج السودانيون إلى مسار تفاوضي يضع مصالحهم فوق هذه الحسابات.

لماذا لم تنجح الضغوط؟

السبب الرئيسي أن الضغط السياسي لم يكن مصحوباً دائماً بثمن واضح لاستمرار الحرب.

يمكن للدول أن تطالب بوقف إطلاق النار، لكنها إذا لم تكن مستعدة لاستخدام نفوذها الاقتصادي والسياسي والأمني بصورة منسقة، فإن الرسالة تصل إلى الأطراف باعتبارها دعوة أكثر منها تهديداً حقيقياً.

وفي المقابل، كانت كلفة الحرب على المدنيين ترتفع بصورة هائلة، لكن كلفة الحرب على القيادات العسكرية لم تكن بالدرجة نفسها.

هذه الفجوة هي التي جعلت الحرب تستمر.

فالمدني الذي فقد منزله أو مصدر رزقه أو أحد أفراد أسرته لا يستطيع التأثير في قرار استمرار القتال، بينما يملك القائد العسكري القدرة على إرسال قوات جديدة والحصول على السلاح والتمويل والغطاء السياسي.

السلام يحتاج إلى ضغط إقليمي موحد

إذا أرادت السعودية وقطر ومصر وتركيا لعب دور حقيقي في إنهاء الحرب، فإن الخطوة الأولى يجب أن تكون توحيد الرسالة.

لا يمكن أن تقول دولة إن الحل سياسي بينما تمنح الأولوية لاستمرار نفوذ حليفها، ولا يمكن أن تكون دولة وسيطاً بينما تنظر إلى انتصار طرف بعينه باعتباره الحل الوحيد.

المطلوب هو استخدام العلاقات والنفوذ للضغط على الطرفين معاً، وربط أي دعم سياسي أو اقتصادي بمسار واضح لوقف الحرب.

كما يجب أن يكون المدنيون جزءاً أساسياً من أي تسوية. فالمشكلة السودانية لا تختزل في الاتفاق بين قائد الجيش وقائد الدعم السريع. حتى لو توقف إطلاق النار غداً، فإن إعادة بناء الدولة تحتاج إلى عملية سياسية واسعة تمنع عودة العسكر إلى إنتاج الأزمة نفسها.

الحرب التي تحولت إلى أزمة إقليمية

الحرب السودانية أصبحت أطول لأن أسباب استمرارها لم تعد داخلية فقط.

هناك سلاح، وموارد، وحدود، وموانئ، وذهب، وعلاقات سياسية، ومصالح اقتصادية، وأمن إقليمي. وكل هذه العناصر تجعل إنهاء الحرب أكثر صعوبة.

السعودية تريد سوداناً مستقراً على البحر الأحمر. مصر تريد دولة قوية على حدودها الجنوبية. قطر تريد الحفاظ على حضورها السياسي وعلاقاتها القديمة. تركيا تريد حماية نفوذها الاستراتيجي والاقتصادي والدفاعي.

هذه المصالح ليست بالضرورة متناقضة مع السلام، لكنها قد تصبح كذلك عندما تتحول حماية المصالح إلى أولوية تتقدم على إنهاء الحرب.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس فقط: متى يتوقف القتال؟ بل أيضاً: هل تستطيع القوى الإقليمية أن تتفق على أن السودان ليس ساحة نفوذ؟

فالوساطة التي لا تغير حسابات المتحاربين تبقى مجرد إدارة للأزمة. والمبادرة التي لا تمنع وصول الدعم إلى ساحات القتال لا تكفي لإنهاء الحرب. والضغط الذي لا يجعل تكلفة استمرار الحرب أعلى من تكلفة التسوية لن يغير شيئاً.

السودان يحتاج إلى وساطة أقوى، لكن قبل ذلك يحتاج إلى إرادة إقليمية موحدة. السعودية وقطر ومصر وتركيا تملك، كل واحدة بطريقتها، أدوات تأثير حقيقية. وإذا اجتمعت هذه الأدوات خلف هدف واحد، يمكن أن تتحول من عوامل تزيد قدرة الأطراف على المناورة إلى عوامل تدفعها نحو السلام.

أما إذا بقيت كل دولة تتحرك وفق حساباتها الخاصة، فستظل الحرب السودانية رهينة معادلة خطيرة: كلما فشل مسار تفاوضي، ظهر مسار جديد؛ وكلما تغير ميزان القوة، تغيرت المواقف؛ وكلما طال القتال، ازدادت المصالح المرتبطة به.

وهكذا لا يصبح السلام مستحيلاً، لكنه يصبح أكثر كلفة وتعقيداً، لأن إنهاء الحرب لم يعد يتطلب فقط اتفاقاً سودانياً، وإنما أيضاً تفاهمات إقليمية تضع حداً لتحويل السودان إلى ساحة مفتوحة لتنافس النفوذ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى