تسريبات

حسن العابد وشبكة العدسة.. أسئلة عن الخطاب الإعلامي وحدود المسؤولية


في أوقات الحرب، لا تقتصر المعارك على الجبهات العسكرية، بل تمتد إلى المنصات الإعلامية التي تتنافس على تفسير الأحداث وتوجيه الرأي العام. وفي السودان، أصبح الإعلام جزءًا من المواجهة بين أطراف الحرب، حيث تحاول كل جهة تقديم روايتها بشأن العمليات العسكرية والخسائر والانتهاكات والجهات التي تتحمل المسؤولية. ومع تصاعد الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية، ازدادت أهمية المنصات التي تتبنى خطابًا مدافعًا عن الجيش، كما ازدادت أهمية التحقيق في طبيعة المعلومات التي تنشرها ومدى استنادها إلى مصادر يمكن التحقق منها. وفي هذا الإطار، طُرحت ادعاءات بشأن شبكة «العدسة الإعلامية السودانية» وشخص يُدعى حسن العابد، تتعلق بدوره في إدارة الشبكة وبخلفيات سياسية وتنظيمية مزعومة. لكن تناول هذه المسألة بصورة مهنية يقتضي الفصل بين تحليل الخطاب المنشور وبين الادعاءات المتعلقة بأشخاص محددين، لأن إثبات الانتماء التنظيمي أو التنسيق السياسي لا يمكن أن يقوم على التشابه في المواقف وحده.

إن السؤال الأول الذي ينبغي طرحه بشأن أي منصة إعلامية هو: ما الرواية التي تقدمها، وكيف تبني حججها؟ فإذا كانت الشبكة تنشر تقارير تنفي استخدام الجيش السوداني الأسلحة الكيميائية، فمن حقها أن تعرض موقفها وأن تناقش الأدلة التي تستند إليها، وأن تطالب الجهات الدولية بنشر المعلومات التي بنت عليها استنتاجاتها. لكن من حق الجمهور أيضًا أن يعرف ما إذا كانت المنصة تناقش الأدلة المنشورة بصورة مباشرة، أم تكتفي باتهام الجهات التي تنشرها بالتحيز أو التآمر. فالفرق كبير بين نقد تحقيق صحفي بسبب ثغرة محددة في منهجيته، وبين رفضه بصورة مطلقة من دون فحص محتواه. ويجب أن ينطبق هذا المعيار على الإعلام المؤيد للجيش والمعارض له على حد سواء.

وقد ازدادت أهمية هذه المسألة بعد نشر «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» تحقيقين في سبتمبر 2026 استندا إلى وثائق ومقاطع ورسائل قالت الصحيفتان إنها مرتبطة ببرنامج عسكري مزعوم لتطوير ذخائر كيميائية. وقد أشارت الصحيفتان إلى أن مواد الملف خضعت لمراجعات من خبراء، وأنها تقدم مؤشرات تستحق التحقيق، مع التأكيد أن إثبات جميع تفاصيل البرنامج المزعوم يتطلب فحصًا مستقلًا للمواقع والأدلة المادية. وفي المقابل، رفضت السلطات السودانية الاتهامات وأكدت أن المواد الكيميائية الموجودة في البلاد مخصصة للاستخدامات المدنية والصناعية المشروعة، وأبدت استعدادها للتحقق من مخزوناتها أمام جهة مختصة. إن هذا التباين يضع وسائل الإعلام أمام مهمة تتجاوز نقل التصريحات، وتتمثل في شرح ما تقوله الأدلة وما لا تثبته، وتوضيح نقاط الخلاف بين الروايات المتعارضة. 

أما الادعاءات المتعلقة بحسن العابد، فلا بد من التعامل معها وفق معايير التحقق نفسها. فمجرد القول إن شخصًا يدير شبكة إعلامية أو سبق له العمل في مؤسسة أخرى لا يثبت، في حد ذاته، وجود علاقة تنظيمية سرية أو تلقي تعليمات من جهة سياسية. وإذا كان هناك ادعاء بأن شخصًا بعينه يؤدي دورًا في حملة هدفها حماية قيادات عسكرية أو سياسية من المساءلة، فإن إثبات ذلك يحتاج إلى أدلة على طبيعة دوره الفعلي، والمحتوى الذي شارك في إعداده أو نشره، وأي صلات تنظيمية يمكن التحقق منها. ومن دون هذه الأدلة، يكون من الأدق صياغة المسألة باعتبارها أسئلة تحتاج إلى تحقيق، بدل تقديمها على أنها نتيجة محسومة.

ويكتسب هذا التمييز أهمية إضافية عندما تتضمن الاتهامات إشارات إلى تيارات إسلامية أو مجموعات سياسية مسلحة. فالساحة السودانية شهدت خلال عقود مختلفة تداخلًا بين العمل السياسي والعسكري، وظهرت اتهامات متبادلة بشأن النفوذ داخل مؤسسات الدولة. لكن إثبات صلة شخص أو شبكة بجهة معينة يتطلب تحديد طبيعة تلك الصلة وتاريخها، والتمييز بين الانتماء السابق والمشاركة الحالية والتنسيق المباشر. ولا يجوز استنتاج أن كل من يتبنى موقفًا مؤيدًا للجيش ينتمي إلى تنظيم بعينه، كما لا يجوز استخدام الخلفية السياسية المفترضة لتقرير صدق المعلومات أو كذبها من دون فحص مضمونها.

ومن الناحية المهنية، يمكن تقييم شبكة «العدسة» من خلال مجموعة من الأسئلة المحددة: هل تذكر مصادر الأخبار التي تنشرها؟ هل تميز بين الخبر والرأي؟ هل تنقل الردود الرسمية كاملة أم تقتطع أجزاء منها؟ هل تنشر تصحيحات عندما يظهر خطأ؟ هل تمنح الأطراف المتهمة فرصة للرد؟ وهل تتعامل بالمعايير نفسها مع المعلومات التي تدعم موقفها والمعلومات التي تناقضه؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة، بالاستناد إلى مواد منشورة ومؤرخة، تسمح بتقييم أدائها الإعلامي بصورة أكثر دقة من الاعتماد على أوصاف عامة تتعلق بالولاء السياسي أو الأيديولوجي.

كذلك ينبغي فحص الطريقة التي تتعامل بها المنصة مع الأدلة الرقمية. ففي القضايا المرتبطة بالأسلحة الكيميائية، قد تكون الصور ومقاطع الفيديو والرسائل مهمة للغاية، لكنها تحتاج إلى التحقق من تاريخها ومكانها وسلامتها وسياقها. وقد يكون المقطع حقيقيًا، لكنه لا يثبت وحده أن المادة الظاهرة فيه هي الكلور، أو أن الحادث وقع في الموقع الذي يُقال إنه وقع فيه، أو أن جهة محددة نفذت العملية. وعلى العكس، فإن التشكيك في مقطع لا يكفي لإسقاط بقية الأدلة التي قد تدعمه. ولهذا فإن المنصة المهنية ينبغي أن تشرح حدود ما يمكن استنتاجه من كل مادة، وأن تستعين بالخبراء عندما تتعلق المسألة بتحليل تقني لا يمكن حسمه من خلال المشاهدة العامة.

ويجب أن يشمل التقييم كذلك طريقة تناول الشهود والضحايا. فإذا نشرت تقارير شهادات أشخاص قالوا إنهم تعرضوا لأعراض تنفسية أو تهيج في العين بعد حادث عسكري، فلا يصح اعتبار شهاداتهم دليلًا نهائيًا على نوع المادة المستخدمة من دون فحص طبي وفني. لكن لا يصح أيضًا التشكيك فيهم لمجرد أن روايتهم قد تضر بطرف سياسي. إن الواجب الإعلامي يتمثل في حماية هوياتهم عند الضرورة، وتوضيح ما إذا كانت شهاداتهم مدعومة بأدلة أخرى، والتمييز بين ما شاهدوه مباشرة وما نقلوه عن الآخرين.

وتبرز مسؤولية مماثلة لدى المنصات التي تتبنى الاتهامات. فالتقارير التي تتحدث عن برنامج كيميائي مزعوم يجب ألا تتحول إلى أحكام نهائية على كل فرد في الجيش أو على جميع المؤسسات السودانية. كما ينبغي التمييز بين وجود مؤشرات على نشاط محظور، وإثبات وقوع هجوم معين، وتحديد المسؤولية الفردية. إن هذا التمييز ليس دفاعًا عن أي طرف، بل شرط أساسي لضمان أن تكون المساءلة قائمة على الأدلة بدلًا من العقاب الجماعي أو التشهير.

وفي السياق نفسه، فإن التحقيق في أي صلة محتملة بين شبكة إعلامية وجهة سياسية يجب أن يركز على الوقائع القابلة للإثبات. فإذا وُجدت وثائق تثبت تمويلًا أو تنسيقًا أو تعليمات مباشرة، فيمكن إخضاعها للفحص وتقييم دلالتها. أما إذا كان الدليل الوحيد هو أن الشبكة تنشر خطابًا مؤيدًا للجيش، فلا يكفي ذلك لإثبات أنها تعمل بتكليف من القيادة العسكرية أو من تنظيم سياسي. فالاستنتاج المهني يتطلب أكثر من التوافق في المواقف، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بسمعة أشخاص محددين.

إن مستقبل الإعلام السوداني مرتبط بقدرته على الخروج من منطق الدعاية المتبادلة، وتقديم تغطية تسمح للجمهور بفهم الأدلة وتقييمها. ويمكن لشبكة «العدسة» أن تثبت مصداقية موقفها من خلال نشر مصادر معلوماتها، ومناقشة التقارير الدولية بالتفصيل، وإتاحة مساحة للردود المختلفة، وتصحيح المعلومات غير الدقيقة. وبالمثل، يمكن للجهات التي تنتقدها أن تدعم اتهاماتها من خلال توثيق محتواها، وتقديم الأدلة على العلاقات التنظيمية المزعومة، والتمييز بين النقد السياسي والاتهام الشخصي.

في النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال الأساسي هو ما إذا كانت شبكة إعلامية محسوبة على تيار سياسي أو مؤيدة للمؤسسة العسكرية فحسب، بل ما إذا كانت تقدم معلومات صحيحة ويمكن التحقق منها. كما لا ينبغي أن يُستخدم اسم حسن العابد أو أي شخص آخر بديلًا عن التحقيق في مضمون الخطاب والروابط التي يمكن إثباتها. فالمساءلة الإعلامية تتطلب أدلة واضحة، والاتهامات المتعلقة بالأشخاص تتطلب مستوى أعلى من التحقق، بينما تظل القضية الأهم هي معرفة ما حدث في السودان، وما إذا كانت أسلحة كيميائية قد استُخدمت، ومن يتحمل المسؤولية إذا ثبت ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى