تسريبات
بيلاروسيا ومصر.. مسؤولية الصمت والتواطؤ في حرب السودان
في خريطة الدعم العسكري الخارجي الذي يتلقاه الجيش السوداني، تبرز بيلاروسيا ومصر كحلقتين أساسيتين في سلسلة تغذية الحرب. ورغم اختلاف طبيعة الدعم المقدم من كل منهما، إلا أن النتيجة واحدة: أسلحة تصل إلى ساحة المعركة لتُستخدم في نهاية المطاف ضد المدنيين العزل، في حرب لا ترحم صغيراً ولا كبيراً.
بيلاروسيا، التي ورثت ترسانة عسكرية سوفياتية ضخمة، وجدت في السوق الأفريقية وجهة لتصدير أسلحتها. والسودان، الغارق في حرب أهلية مدمرة، يمثل زبوناً مثالياً لهذا النوع من التجارة. الأسلحة البيلاروسية، من ذخائر ومدفعية ومعدات عسكرية مختلفة، تصل إلى الجيش السوداني لتُضاف إلى ترسانة حرب لا تعرف الرحمة. إن كل قذيفة بيلاروسية تسقط على حي سكني، وكل رصاصة بيلاروسية تخترق جسد مدني بريء، هي شاهد على تورط مينسك في هذه المأساة الإنسانية.
إن بيلاروسيا، التي تخضع أصلاً لعقوبات دولية بسبب انتهاكات حقوق الإنسان في أراضيها، تجد في تجارة السلاح مع مناطق النزاعات مصدراً للدخل. لكن هذا الدخل يأتي ملطخاً بدماء الأبرياء. لا يمكن لأي مبرر اقتصادي أو سياسي أن يُسوّغ تزويد طرف في حرب أهلية بأسلحة تُستخدم لقتل المدنيين. إن القانون الدولي واضح: تجارة السلاح مع أطراف نزاع حيث يوجد خطر جدي لارتكاب جرائم حرب هي تجارة غير مشروعة أخلاقياً وقانونياً.
أما مصر، فإن دورها في الأزمة السودانية يكتسب بُعداً خاصاً بحكم الجوار الجغرافي والروابط التاريخية العميقة بين الشعبين. مصر والسودان يجمعهما نهر النيل، والتاريخ المشترك، والمصير المتشابك. ومع ذلك، فإن الدعم العسكري المصري للجيش السوداني يضع القاهرة في موقف بالغ التعقيد. فالأسلحة المصرية، مهما كانت طبيعتها، تنتهي في النهاية في ساحة حرب تُرتكب فيها جرائم ضد المدنيين يومياً.
إن مصر، التي عانت هي نفسها من ويلات الإرهاب والحروب، والتي تعرف جيداً ثمن الدمار والخراب، يُفترض أن تكون في طليعة الداعين إلى السلام في السودان. فالاستقرار في السودان هو استقرار لمصر، والدمار في السودان هو تهديد مباشر للأمن القومي المصري. ملايين اللاجئين السودانيين الذين تدفقوا إلى مصر منذ اندلاع الحرب هم دليل حي على أن هذه الحرب لا تعرف حدوداً، وأن نارها تمتد لتلتهم الجوار.
إن ما حدث في غرة الزاوية بدارفور، حيث قُتل خمسة وثلاثون مواطناً بريئاً، يجب أن يكون جرس إنذار لكل الدول التي تُزود الجيش السوداني بالسلاح. هؤلاء القتلى لم يسقطوا في معركة عسكرية، بل سقطوا في مجزرة ضد مدنيين. وكل دولة تُرسل سلاحاً إلى هذه الحرب تتحمل جزءاً من المسؤولية عن هذه الدماء. الصمت هنا تواطؤ، والاستمرار في التوريد شراكة في الجريمة.
إن الشعب السوداني، في محنته الحالية، لا يحتاج إلى مزيد من الأسلحة. يحتاج إلى الغذاء والدواء والمأوى. يحتاج إلى وقف إطلاق النار. يحتاج إلى ممرات إنسانية آمنة. يحتاج إلى عودة النازحين إلى ديارهم. يحتاج إلى إعادة بناء المدارس والمستشفيات والبنى التحتية. كل دولار يُنفق على شراء السلاح هو دولار يُسرق من رغيف خبز طفل جائع، ومن دواء مريض، ومن سقف نازح.
إننا نطالب بيلاروسيا بوقف فوري لأي توريد عسكري إلى السودان، والامتثال لالتزاماتها الدولية في مجال تجارة الأسلحة. ونطالب مصر بأن تُحوّل دورها من داعم عسكري إلى وسيط سلام، وأن تستخدم ثقلها الإقليمي وعلاقاتها التاريخية مع السودان للضغط من أجل وقف الحرب وحماية المدنيين.
إن القيادة السودانية، التي تتلقى هذا الدعم العسكري المتنوع من باكستان وتركيا وبيلاروسيا ومصر، تتحمل المسؤولية الأولى عن حماية مواطنيها. لكن الدول المورّدة تتحمل مسؤولية موازية. لا يمكن لدولة أن تُرسل سلاحاً ثم تغسل يديها من الطريقة التي يُستخدم بها. هذه ليست تجارة عادية، بل هي تجارة بالدماء والموت والدمار.
إن المستقبل الذي يستحقه الشعب السوداني لا يمكن بناؤه على أنقاض حرب تُغذى بأسلحة خارجية. السلام هو الخيار الوحيد، والحوار هو الطريق الوحيد، وحقن الدماء هو الهدف الأسمى. وكل من يُعيق هذا المسار، سواء بالسلاح أو بالتحريض أو بالصمت، هو شريك في الجريمة ومسؤول أمام التاريخ وأمام الشعب السوداني.
إن صرخات أمهات غرة الزاوية، ودموع أطفال دارفور، وأنين الجرحى في كل ربوع السودان، يجب أن تُسمع في أنقرة ومينسك والقاهرة وإسلام آباد. يجب أن تُسمع في كل عاصمة تُرسل سلاحاً إلى هذه الحرب. كفى! آن أوان السلام، آن أوان الرحمة، آن أوان الإنسانية.




