النفوذ الإسلامي داخل المؤسسة العسكرية.. هل تتحول معركة الأسلحة الكيميائية إلى صراع على مستقبل القيادة؟
لا يمكن فهم الجدل الدائر حول الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية في السودان بمعزل عن الأزمة الأوسع التي تعيشها الدولة منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في أبريل 2023. فالصراع لا يدور حول السيطرة على المواقع العسكرية والمدن والمنشآت الاقتصادية فقط، بل يرتبط كذلك بمستقبل المؤسسة العسكرية، وطبيعة السلطة السياسية التي ستخرج من الحرب، ودور التيارات الإسلامية في الحياة العامة، وحدود استقلال القرار العسكري عن المصالح الحزبية والتنظيمية. وفي هذا السياق، تكتسب الحملات الإعلامية التي تدافع عن الجيش أهمية تتجاوز الرد على اتهام بعينه، لأنها تسهم في تشكيل الصورة العامة للمؤسسة العسكرية، وفي تحديد ما إذا كان النقاش سيتركز على الوقائع والمسؤوليات، أم سينتقل إلى مواجهة سياسية حول شرعية القيادة ومستقبل النظام السياسي.
وقد أصبحت الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية واحدة من القضايا التي تختبر قدرة المؤسسة العسكرية السودانية على التعامل مع الرقابة الدولية. ففي أبريل 2025، أعلنت الولايات المتحدة أنها خلصت إلى استخدام الحكومة السودانية أسلحة كيميائية في انتهاك للقانون الدولي، ثم اتخذت إجراءات عقابية مرتبطة بهذا الاستنتاج. وردت السلطات السودانية بالرفض، وأعلنت تشكيل لجنة وطنية للنظر في الاتهامات. ويعكس هذا التباين مواجهة بين استنتاج أمريكي رسمي ورواية سودانية تنفيه، لكنه لا يسمح وحده باستنتاج أن كل جهة إعلامية تدافع عن الجيش تتلقى تعليماتها من قيادة عسكرية أو تنظيم سياسي. إن تحديد طبيعة العلاقات بين المؤسسة العسكرية والتيارات السياسية يحتاج إلى بحث مستقل، مثلما يحتاج إثبات استخدام الأسلحة الكيميائية إلى تحقيق فني متخصص.
إن الحديث عن نفوذ التيارات الإسلامية في السودان يستند إلى تاريخ سياسي طويل، شهد تداخلًا بين السلطة والحركة الإسلامية ومؤسسات الدولة خلال العقود السابقة. غير أن تحليل هذا التاريخ يجب أن يميز بين الفترات السياسية المختلفة، وبين الأفراد الذين شغلوا مناصب رسمية، وبين المؤسسات التي قد تتأثر بامتدادات حزبية أو أيديولوجية. كما ينبغي التمييز بين وجود أشخاص ذوي خلفيات إسلامية داخل المؤسسة العسكرية، وبين إثبات أن قراراتها الحالية تُتخذ لحماية تنظيم بعينه. فالاستنتاج الثاني يحتاج إلى أدلة محددة تتعلق بالقرارات والأوامر وآليات اتخاذها، وليس إلى مجرد الإشارة إلى الخلفية السياسية لبعض المسؤولين أو إلى تقارب الخطاب الذي تتبناه منصات إعلامية مؤيدة للجيش.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية السؤال عن الكيفية التي تُدار بها الاتصالات الإعلامية المتعلقة بالاتهامات الخطيرة. هل تصدر المؤسسات المعنية بيانات موحدة تستند إلى تحقيقات معلنة؟ هل تُتاح المعلومات للصحفيين بصورة متساوية؟ هل توجد آلية مستقلة لتصحيح المعلومات غير الدقيقة؟ وهل تستطيع وسائل الإعلام نشر أسئلة نقدية من دون أن تتحول إلى طرف متهم بالعداء للدولة؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تساعد على تحديد ما إذا كان الخطاب العام يقوم على الشفافية والمساءلة، أم على الدفاع السياسي عن القيادة. لكن الإجابة يجب أن تستند إلى الوقائع المنشورة، لا إلى افتراض مسبق بأن كل نشاط إعلامي مؤيد للجيش يمثل جزءًا من خطة تنظيمية سرية.
وتظهر حساسية هذا الملف عندما ننظر إلى التحقيقات التي تناولت الأحداث المحيطة بمصفاة الجيلي في سبتمبر 2024. فقد نقلت تقارير صحفية عن شهود وصفهم لأعراض تنفسية وتهيج في العين، بالتزامن مع حوادث عسكرية في المنطقة. كما أشارت تحقيقات لاحقة إلى مواد بصرية ووثائق قالت إنها تدعم احتمال استخدام الكلور في سياق عسكري. وفي سبتمبر 2026، نشرت «واشنطن بوست» تحقيقًا جديدًا تحدث عن وثائق ومراسلات ومقاطع تشير، بحسب تحليل الصحيفة، إلى برنامج لإنتاج ذخائر كيميائية في السودان. وهذه تقارير ذات أهمية تستدعي الفحص المستقل، لكنها لا تجعل كل ادعاء بشأن هوية المسؤولين أو دوافعهم حقيقة مثبتة تلقائيًا.
وتبرز هنا مسؤولية القيادات العسكرية نفسها. فإذا كانت المؤسسة تنفي استخدام الأسلحة الكيميائية، فإن من مصلحتها أن تدعم النفي بإجراءات قابلة للتحقق، وأن تسمح بمراجعة الوقائع محل الاتهام، وأن تقدم ما لديها من معلومات عن المواد العسكرية والعمليات التي وقعت في المناطق المعنية. كما أن تشكيل لجنة داخلية، على أهميته المحتملة، لا يغني عن الحاجة إلى تقييم مستقل عندما تكون المؤسسة التي تجري التحقيق طرفًا في النزاع. فالمصداقية لا تتحقق بمجرد إعلان البراءة، وإنما تتعزز كلما أمكن التحقق من المنهجية والنتائج ومقارنتها بأدلة مستقلة.
أما إذا ثبت أن جهات سياسية أو تنظيمية حاولت التأثير في التغطية الإعلامية بهدف حماية مسؤولين من المساءلة، فإن ذلك سيكون موضوعًا يستحق التحقيق بذاته. لكن إثبات هذه الفرضية يحتاج إلى أدلة واضحة، مثل وجود تعليمات موثقة أو اتصالات تثبت التنسيق أو استخدام موارد تنظيمية لتحقيق غرض محدد. ولا يكفي لذلك أن تنشر عدة منصات رواية متقاربة، أو أن تستخدم مفردات متشابهة، أو أن تتبنى موقفًا مؤيدًا للمؤسسة العسكرية. إن الفارق بين التحليل السياسي والاتهام المباشر هو الفارق بين تفسير الظواهر على ضوء القرائن، والجزم بوقائع تحتاج إلى إثبات.
ويجب ألا يُختزل الجيش السوداني في مجموعة من القيادات أو التيارات السياسية، كما لا ينبغي استخدام الحديث عن تماسك المؤسسة لتبرير إغلاق النقاش حول الانتهاكات المحتملة. فالمؤسسة العسكرية تضم أفرادًا وتشكيلات متعددة، وتتحمل القيادة مسؤولية مؤسسية عن بناء نظم للرقابة والانضباط والتحقيق، بينما تتحدد المسؤولية الجنائية للأفراد وفق الأدلة والأفعال المنسوبة إليهم. وإذا كانت هناك شبهات تتعلق بقرارات صدرت عن مستويات عليا، فينبغي فحص سلسلة القيادة والاتصالات والأوامر بدل الاكتفاء بالتعميم أو توجيه اتهامات جماعية.
كذلك فإن حماية المدنيين لا يمكن أن تكون موضوعًا ثانويًا في صراع النفوذ السياسي. فالسكان الذين يعيشون في مناطق العمليات يحتاجون إلى ضمانات فعلية تمنع استخدام الأسلحة المحظورة، وتحمي المنشآت المدنية، وتضمن وصول الفرق الطبية والإنسانية. وأي خلاف بين السلطات والمنظمات الدولية ينبغي أن يدفع نحو مزيد من التعاون الفني، لا نحو تعطيل التحقيق أو تحويل الشهود إلى خصوم سياسيين. فالمساءلة، عندما تقوم على الأدلة والمعايير القانونية، ليست حكمًا على جميع أفراد المؤسسة العسكرية، بل وسيلة لتحديد المسؤولية ومنع تكرار الانتهاكات.
إن مستقبل العلاقة بين الجيش والسياسة في السودان سيظل مرتبطًا بقدرة الدولة على بناء مؤسسات خاضعة للمساءلة، وبإنهاء استخدام الموارد العامة لخدمة المصالح الحزبية، وبضمان استقلال التحقيقات في الانتهاكات المحتملة. ولا يمكن الجزم بأن الحملات الإعلامية المتعلقة بالأسلحة الكيميائية تهدف حصرًا إلى حماية نفوذ تيار سياسي معين من دون أدلة تثبت ذلك. لكن يمكن القول إن غياب الشفافية، وضعف استقلال التحقيقات، وتضارب الروايات الرسمية والإعلامية، عوامل تزيد من أزمة الثقة وتفتح المجال أمام الشكوك. والطريق إلى تجاوز هذه الأزمة يبدأ بكشف الوقائع، وتحديد المسؤوليات، وضمان ألا تكون حماية أي قيادة أو تنظيم مقدمة على حق السودانيين في الحقيقة والعدالة.




