السيول تضيف مأساة جديدة إلى معاناة النازحين في شمال دارفور
لم تتوقف معاناة السودانيين عند حدود الحرب والنزوح ونقص الغذاء والدواء، إذ جاءت الأمطار الغزيرة والسيول المفاجئة لتضيف فصلاً جديداً من الألم إلى حياة آلاف الأسر التي تعيش أصلاً في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة.
وأفادت المنظمة الدولية للهجرة، الأربعاء، بأن أمطاراً غزيرة وسيولاً مفاجئة ضربت بلدتي كبكابية وشنقل طوباي في ولاية شمال دارفور، ما أدى إلى تدمير 108 منازل وتشريد 108 أسر، في وقت يواجه فيه سكان الولاية أوضاعاً إنسانية قاسية بفعل الحرب المستمرة منذ أبريل/نيسان 2023.
وفي كبكابية، اجتاحت السيول البلدة، الثلاثاء، متسببة في تدمير 62 منزلاً، فيما اضطرت 62 أسرة إلى مغادرة مساكنها واللجوء إلى ملاجئ مؤقتة في مناطق مفتوحة. وبحسب المنظمة الدولية للهجرة، فإن حجم الأضرار يعكس هشاشة أوضاع السكان، خصوصاً أولئك الذين فقدوا في السابق منازلهم أو مصادر رزقهم بسبب الحرب.
ولم تكن شنقل طوباي بمنأى عن تداعيات الأمطار. فقد رصدت فرق المنظمة الميدانية تدمير 46 منزلاً في البلدة، ما أدى إلى نزوح 46 أسرة أخرى إلى مواقع إيواء مؤقتة، وسط مخاوف من تفاقم الأوضاع إذا استمرت الأمطار أو شهدت المنطقة موجات جديدة من السيول.
كارثة فوق كارثة
تأتي هذه التطورات في وقت يعيش فيه السودان واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم. فمنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، تحولت أعداد كبيرة من المدن والقرى إلى مناطق للنزوح، فيما فقد ملايين الأشخاص منازلهم وأعمالهم ومصادر دخلهم.
وفي دارفور على وجه الخصوص، أصبحت رحلة البحث عن مكان آمن رحلة متكررة بالنسبة إلى كثير من الأسر. فالنزوح الناجم عن المعارك يدفع المدنيين إلى ترك مناطقهم، لكن الوصول إلى مكان أكثر أمناً لا يعني بالضرورة انتهاء المعاناة.
فالمأوى المؤقت قد لا يوفر الحماية من الأمطار، كما أن المناطق المفتوحة التي تلجأ إليها الأسر النازحة تكون في كثير من الأحيان تفتقر إلى البنية التحتية الأساسية، من شبكات تصريف المياه إلى المرافق الصحية ومصادر المياه النظيفة.
وهكذا يجد المواطن نفسه أمام معادلة قاسية: الحرب تهدم المنزل، والنزوح يبعده عن أرضه، ثم تأتي السيول لتدمر حتى المأوى المؤقت الذي لجأ إليه بحثاً عن الأمان.
موسم الأمطار يزيد المخاطر
ويواجه السودان سنوياً موسم الأمطار خلال الفترة الممتدة عادة من يونيو/حزيران إلى أكتوبر/تشرين الأول، وهي فترة تشهد فيها مناطق واسعة من البلاد أمطاراً غزيرة وفيضانات وسيولاً قد تؤدي إلى خسائر في المنازل والطرق والمرافق العامة.
لكن تداعيات الأمطار تصبح أكثر خطورة في مناطق الحرب والنزوح، حيث تكون قدرة السكان والسلطات المحلية والمنظمات الإنسانية على الاستجابة محدودة.
وفي الظروف الطبيعية، يمكن للأسر المتضررة من الفيضانات أن تعود إلى منازلها أو تعتمد على شبكات اجتماعية ومؤسسات محلية للمساعدة في إصلاح الأضرار. أما في مناطق النزوح، فإن كثيراً من الأسر لا تمتلك أصلاً الموارد اللازمة لإعادة بناء ما تهدم، ولا تجد بالضرورة مكاناً آخر يمكنها الانتقال إليه.
وتزداد المخاطر عندما تتضرر الطرق والجسور ومسارات الإمداد، إذ يمكن أن تعرقل السيول وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة، في وقت تكون فيه الحاجة إلى الغذاء والمياه النظيفة والخدمات الصحية والمأوى في أعلى مستوياتها.
النازحون الأكثر هشاشة
وتحمل أرقام المنازل المدمرة في كبكابية وشنقل طوباي دلالة تتجاوز عدد الأبنية المتضررة. فخلف كل منزل أسرة، وخلف كل أسرة أطفال ونساء وكبار سن يحتاجون إلى الحماية والرعاية.
وبالنسبة إلى الأسر التي نزحت بسبب الحرب، فإن فقدان المسكن مرة أخرى يمثل ضربة مضاعفة. فالنازح الذي ترك منزله بسبب القتال قد يكون قد فقد ممتلكاته ومصدر دخله ومدرسته وأجزاء من شبكة علاقاته الاجتماعية، وعندما يتعرض المأوى الجديد للدمار بسبب السيول، يجد نفسه مجدداً أمام ضرورة البحث عن مكان آمن.
كما أن الإقامة في المناطق المفتوحة والملاجئ المؤقتة ترفع من مستوى المخاطر الصحية، خصوصاً مع تجمع مياه الأمطار وغياب خدمات الصرف الصحي المناسبة. ويمكن أن تتفاقم مشكلات الحصول على مياه الشرب النظيفة والنظافة الشخصية، وهي عوامل تزيد من هشاشة المجتمعات المتضررة خلال موسم الأمطار.
دارفور في قلب الأزمة الإنسانية
وتُعد دارفور من أكثر المناطق تأثراً بالحرب السودانية، إذ شهدت خلال السنوات الأخيرة موجات متتالية من النزوح والدمار وانعدام الأمن.
ومع استمرار القتال في أجزاء مختلفة من البلاد، لم يعد النزوح حدثاً مؤقتاً بالنسبة إلى ملايين السودانيين، بل تحول إلى واقع طويل الأمد. وفي ظل غياب حل سياسي ينهي الحرب، تستمر الأسر في مواجهة سلسلة من الأزمات المتداخلة.
وتأتي الكوارث الطبيعية لتضاعف آثار الأزمة. فالأضرار التي تخلفها السيول لا تقتصر على المنازل، وإنما يمكن أن تمتد إلى الطرق ومصادر المياه والمرافق الصحية والمدارس والأسواق، ما ينعكس مباشرة على حياة السكان وقدرتهم على الحصول على الخدمات الأساسية.
وفي المناطق التي تعاني أصلاً من نقص الغذاء، يمكن أن يؤدي تضرر الطرق أو الأراضي الزراعية إلى زيادة الضغوط على الأسر التي تعتمد على الزراعة أو التجارة المحلية لتأمين احتياجاتها اليومية.
استجابة إنسانية تحت الضغط
ويضع هذا الواقع المنظمات الإنسانية أمام تحديات كبيرة. فالمساعدات المطلوبة في السودان لا تقتصر على الاستجابة للنازحين بسبب الحرب، وإنما تشمل أيضاً الاستجابة للفيضانات والسيول والأضرار الناجمة عن الأمطار.
وتحتاج الأسر التي فقدت منازلها إلى مأوى آمن ومواد إغاثية ومياه صالحة للشرب ومستلزمات النظافة والخدمات الصحية، إضافة إلى الدعم اللازم لتجنب تفاقم أوضاعها خلال الأسابيع المقبلة.
لكن تقديم هذه المساعدات في بلد يعيش حرباً واسعة النطاق ليس مهمة سهلة. فالوصول إلى المناطق المتضررة قد يكون محفوفاً بالمخاطر، كما أن تضرر الطرق بسبب الأمطار والسيول يمكن أن يزيد صعوبة نقل الإمدادات.
ومن هنا تبرز أهمية الاستعداد المبكر لموسم الأمطار، خصوصاً في المناطق التي تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين. فإجراءات بسيطة مثل تحسين تصريف المياه، وتعزيز الملاجئ المؤقتة، وتحديد مناطق آمنة للإيواء، يمكن أن تقلل من حجم الخسائر عندما تضرب السيول.
أطفال يدفعون الثمن الأكبر
وفي كل أزمة من هذا النوع، يبقى الأطفال من أكثر الفئات عرضة للتداعيات. فالطفل الذي نزح بسبب الحرب قد يجد نفسه مجبراً على النزوح مرة أخرى بسبب السيول، ما يزيد اضطراب حياته ويحرمه من الاستقرار والتعليم والرعاية الصحية.
كما أن انتقال الأسر بصورة متكررة بين مناطق مختلفة قد يؤدي إلى انقطاع الأطفال عن الدراسة لفترات طويلة، خصوصاً في ظل تضرر المدارس أو استخدامها كمراكز إيواء في بعض المناطق.
ومع تزايد فترة النزوح، يصبح توفير مساحات آمنة للأطفال وتعزيز خدمات الحماية والتعليم من الأولويات الأساسية، إلى جانب توفير الاحتياجات المعيشية العاجلة.
تحذير من أزمة أوسع
وتكشف الأضرار المسجلة في كبكابية وشنقل طوباي عن حجم المخاطر التي يمكن أن يحملها موسم الأمطار بالنسبة إلى المناطق المتضررة من الحرب.
فإذا كانت 108 أسر قد فقدت منازلها في بلدتين فقط نتيجة موجة من السيول، فإن استمرار الأمطار الغزيرة قد يؤدي إلى ارتفاع عدد المتضررين، خصوصاً في المناطق التي تعاني من ضعف البنية التحتية أو تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين.
وتزداد المخاوف مع احتمال تزامن الفيضانات مع موجات جديدة من النزوح الناجمة عن المعارك، ما يعني أن بعض المناطق قد تواجه تدفقاً متزايداً للأسر المحتاجة إلى المأوى والمياه والغذاء والخدمات الأساسية في وقت واحد.
مأساة تتجاوز الأرقام
ورغم أن الأرقام تبدو واضحة: 108 منازل مدمرة و108 أسر مشردة، فإن الواقع الإنساني خلف هذه الأرقام أكثر قسوة. فكل منزل كان يمثل مساحة للأمان، وكل أسرة كانت تحاول التمسك بما تبقى من حياتها وسط حرب أنهكت البلاد.
والسيول، في هذه الحالة، لم تضرب مساكن فقط، بل ضربت ما تبقى من شعور بالاستقرار لدى أسر تعيش أصلاً تحت ضغط النزوح والفقر والخوف.
ومع استمرار موسم الأمطار، تبدو الحاجة ملحة إلى تعزيز الاستجابة الإنسانية في شمال دارفور، وتوفير مأوى ملائم للأسر المتضررة، وضمان وصول المساعدات إلى المناطق التي يصعب الوصول إليها، إلى جانب اتخاذ إجراءات وقائية تحد من آثار السيول والفيضانات.
فالسودان لا يواجه أزمة واحدة يمكن احتواؤها بإجراء واحد، بل سلسلة من الأزمات التي تتشابك فيها الحرب مع النزوح والجوع وتدهور الخدمات والكوارث الطبيعية.




