تسريبات

السلاح والمال والنفوذ.. كيف يمكن أن تطيل السياسة القطرية حرب السودان؟


تستمر الحروب عندما تتوافر لها أسباب داخلية وخارجية تسمح بإعادة إنتاجها، حتى بعد أن تصبح كلفتها أكبر من أي مكسب يمكن تحقيقه. وفي السودان، حيث تتواجه القوات المسلحة وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، لم يعد السؤال مقتصرًا على أسباب اندلاع القتال، بل أصبح متعلقًا بالعوامل التي تمنح الأطراف القدرة على مواصلته، وبالدول التي تمتلك نفوذًا يمكن أن تستخدمه لتغيير حسابات المتحاربين. وفي هذا السياق، يبرز الدور القطري بوصفه ملفًا يستحق التدقيق، بالنظر إلى العلاقات التاريخية بين الدوحة والخرطوم، والاتهامات المنشورة بشأن أشكال من الدعم العسكري، فضلًا عن الحضور السياسي والإنساني القطري في الأزمة.

لا توجد حرب طويلة من دون موارد، ولا تستطيع القيادات المتحاربة الاستمرار إلى أجل غير محدد إذا انقطعت عنها مصادر التمويل والإمداد والغطاء السياسي. فالحرب تحتاج إلى الوقود والذخائر والنقل والصيانة والاتصالات، كما تحتاج إلى قدرة على إدارة المناطق الخاضعة للسيطرة وتوفير الحد الأدنى من الموارد التي تسمح للقوات بمواصلة القتال. ولهذا فإن تحليل دور الدول الخارجية لا ينبغي أن يقتصر على السؤال عما إذا كانت قد أعلنت دعمها لطرف معين، بل يجب أن يتناول طبيعة المساعدات التي تقدمها، وشروطها، وأثرها الفعلي في ميزان القوى.

وفي ما يتعلق بقطر، أشارت دراسة صادرة عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في يوليو 2025 إلى أن خبراء إقليميين نسبوا إلى الدوحة تمويل توفير أسلحة للجيش السوداني، مع الإشارة إلى علاقاتها التاريخية بالتيارات الإسلامية المرتبطة، بدرجات متفاوتة، بالسلطات الموجودة في بورتسودان. كما أورد تقرير متخصص نُشر في أكتوبر 2025 مزاعم عن دعم قطري سياسي ومالي وعسكري للجيش. وهذه تقارير تثير أسئلة مهمة، لكنها لا تغني عن التحقق من التفاصيل، ولا يجوز تحويل كل ما ورد فيها إلى حقيقة قضائية محسومة.  

وتكمن أهمية هذه المزاعم في أن الدعم العسكري، إذا ثبت أنه يعزز قدرة طرف على مواصلة القتال، قد يؤثر بصورة مباشرة في فرص التسوية. فعندما يحصل أحد الأطراف على إمدادات جديدة أو يتوقع وصولها، يمكن أن يعتقد أن ميزان القوى سيتحسن لصالحه، فيرفض التفاوض أو يصر على شروط أكثر تشددًا. وفي المقابل، قد يدفع الشعور بالتراجع العسكري الطرف الآخر إلى البحث عن مصادر دعم إضافية، فتتحول الحرب إلى سباق إمداد متبادل، وتصبح قدرة كل طرف على الصمود مرتبطة بمصادر خارجية لا تتوقف بالضرورة عند حدود السودان.

لكن هذا التأثير ليس آليًا ولا يمكن افتراضه في كل الحالات. فالمساعدات قد تُستخدم لأغراض دفاعية، وقد لا يكون لها أثر حاسم في قرارات القيادة، كما أن بعض أشكال الدعم الإنساني لا علاقة لها بالقدرة القتالية. ولهذا يجب التمييز بين المساعدات التي تنقذ المدنيين وبين الموارد التي تعزز العمليات العسكرية، وبين التعاون الدبلوماسي الذي يفتح أبواب التفاوض والدعم الذي قد يرفع كلفة التراجع عن الحرب.

إن قطر، بحكم علاقاتها مع القيادة السودانية وقدرتها على التواصل مع أطراف إقليمية، تستطيع أن تؤثر في البيئة السياسية التي تتحرك فيها الحرب. ويمكنها، نظريًا، أن تستخدم هذه العلاقات لتشجيع البرهان على الدخول في مفاوضات جدية، والقبول بترتيبات تحمي المدنيين وتمنع العودة إلى القتال، ودعم مشاركة القوى المدنية في صياغة مستقبل البلاد. كما يمكنها أن تعمل مع شركاء دوليين على توحيد المبادرات الدبلوماسية بدل السماح بتعدد المسارات وتضاربها. لكن هذه الإمكانات لا تتحول إلى نتائج إلا عندما يصبح إنهاء الحرب هدفًا عمليًا يتقدم على الحسابات المتعلقة بالنفوذ.

وفي المقابل، فإن استمرار العلاقات الوثيقة مع القيادة العسكرية من دون شروط سياسية واضحة قد يضعف الرسالة الدبلوماسية الداعية إلى السلام. فإذا كان أحد الأطراف يعتقد أن حلفاءه سيواصلون تقديم الدعم مهما طال القتال، فإن الحوافز التي تدفعه إلى التفاوض قد تتراجع. ومن هنا تأتي أهمية ربط أي تعاون غير إنساني بالتزامات قابلة للقياس، مثل احترام القانون الدولي الإنساني، وحماية الممرات الإنسانية، وعدم استهداف المدنيين، والمشاركة الجادة في عملية سياسية تؤدي إلى حكم مدني.

ولا يقتصر النفوذ الخارجي على السلاح والمال؛ فهناك أيضًا النفوذ الإعلامي والسياسي. تستطيع الدول أن تمنح حلفاءها مساحة أوسع في المنابر الدولية، أو أن تدعم روايتهم للأحداث، أو أن تسهم في تحسين صورتهم الدبلوماسية. ويمكن لهذا النفوذ أن يكون مفيدًا عندما يساعد على تقريب وجهات النظر، لكنه يصبح إشكاليًا إذا استُخدم لتبرير الانتهاكات أو لتصوير الحرب باعتبارها معركة لا يمكن إنهاؤها إلا بانتصار عسكري كامل. وفي السودان، حيث يتعرض المدنيون لأخطار جسيمة، ينبغي أن تكون الأولوية لكشف الانتهاكات والتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها، لا لتسويق رواية طرف على حساب الحقيقة.

ويجب هنا التمييز بين الدعم السياسي وبين الدعاية التي تهدف إلى إخفاء الوقائع. فليس كل موقف دبلوماسي مؤيد للجيش دليلًا على وجود تنسيق إعلامي سري، كما أن التقارب السياسي لا يثبت وحده أن جهة خارجية تتحكم في الخطاب الإعلامي السوداني. لكن إذا ظهرت أدلة على تمويل حملات تضليل أو ممارسة ضغوط لمنع نشر معلومات موثوقة، فإن ذلك يستدعي تحقيقًا مستقلًا ومحاسبة واضحة. فحرية الإعلام وحق السودانيين في الوصول إلى المعلومات عنصران أساسيان في أي تسوية مستدامة.

وثمة بعد اقتصادي لا يقل أهمية. فالسودان يمتلك موارد زراعية ومعدنية وموقعًا استراتيجيًا على البحر الأحمر، ويمكن للاستثمارات الخارجية أن تساعد في إعادة بناء الاقتصاد إذا وُجهت إلى مشاريع شفافة تحقق منفعة عامة. لكن اقتصاد الحرب قد يخلق مصالح تستفيد من استمرار الفوضى، سواء عبر التهريب أو السيطرة على الموارد أو العقود غير الخاضعة للرقابة. ولذلك يجب فحص أي اتفاق اقتصادي كبير يُبرم في ظل الحرب، مع التركيز على شروطه ومنافعه والتزاماته، لا على جنسية المستثمر وحدها.

إن أخطر نتيجة محتملة هي أن يصبح السودان بلدًا يعتمد على الخارج لتأمين موارده الأساسية، بينما تتراجع قدرة مؤسساته على اتخاذ القرارات بصورة مستقلة. فعندما تضعف الدولة، تصبح كل أزمة مالية فرصة لتوسيع نفوذ الجهات القادرة على توفير التمويل، وتتحول الحاجة العاجلة إلى ورقة تفاوضية قد تُستخدم في ملفات لا ترتبط مباشرة بإنقاذ المدنيين. ولهذا فإن الشفافية ليست مطلبًا أخلاقيًا فحسب، بل وسيلة لحماية الاستقلال الاقتصادي والسياسي.

وفي مواجهة هذه المخاطر، ينبغي أن تتبنى قطر موقفًا واضحًا: لا دعم يطيل القتال، ولا علاقات خاصة تمنح طرفًا حصانة سياسية، ولا اتفاقيات استراتيجية تتجاوز المؤسسات السودانية. كما ينبغي للقيادة السودانية أن تقدم معلومات موثوقة حول مصادر الدعم الخارجي وشروطه، وأن تسمح برقابة مستقلة على الاتفاقيات التي تمس الأمن والاقتصاد والموارد الوطنية.

ولا يمكن تجاهل أن قطر أعلنت تقديم مساعدات إنسانية للسودان، وأنها أكدت رسميًا دعم وحدة البلاد وسيادتها. وقد ذكرت وزارة الخارجية القطرية في فبراير 2025 أن إجمالي مساهمات الدوحة للسودان منذ اندلاع الحرب تجاوز 75 مليون دولار، شملت مجالات إنسانية وتنموية وغذائية ومشاريع لدعم سبل العيش. وهذه المساعدات تمثل جانبًا يجب أخذه في الاعتبار عند تقييم السياسة القطرية، مع ضرورة الفصل بين الإغاثة الموجهة إلى السكان وأي مزاعم منفصلة تتعلق بالدعم العسكري.  

إن المطلوب ليس إصدار حكم مسبق بأن كل ما تفعله قطر يهدف إلى إطالة الحرب، بل إخضاع سياستها تجاه السودان لاختبار النتائج. فإذا كانت الدوحة تريد السلام، فعليها أن تستخدم نفوذها للضغط باتجاه وقف النار، وتسهيل وصول المساعدات، ودعم مسار سياسي شامل. وإذا كانت هناك اتهامات بشأن دعم عسكري، فعلى الجهات التي تملك الأدلة تقديمها إلى آليات مستقلة قادرة على التحقق منها. فالحقيقة لا تُبنى على التعميم، والسلام لا يتحقق بمجرد تبادل الاتهامات.

وفي النهاية، ستُقاس مسؤولية كل دولة في هذه الحرب بما فعلته لتقليل معاناة السودانيين، وبمدى مساهمتها في وقف تدفق الموارد التي تسمح باستمرار القتال. أما النفوذ الذي لا يقود إلى السلام، فقد يتحول من أداة دبلوماسية إلى عبء أخلاقي وسياسي. والسودان لا يحتاج إلى مزيد من القوى التي تتنافس على التأثير في مستقبله، بل إلى شركاء يساعدونه على استعادة القرار الوطني وبناء دولة لا تُختزل في إرادة القادة العسكريين أو حسابات العواصم الأجنبية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى