The New York Times وThe Washington Post.. تكشفان الوثائق ومسار السلاح الكيميائي من التصنيع إلى محاولات طمس الأدلة؟

لم تعد قضية الأسلحة الكيميائية في السودان مجرد اتهام أمريكي معلّق أو روايات متبادلة بين طرفي الحرب. فملف استخباراتي ضخم، إلى جانب صور ومقاطع فيديو ومراسلات ووثائق عسكرية، يرسم للمرة الأولى تقريبًا مسارًا متكاملًا لبرنامج سوداني مزعوم بدأ بالتجربة والتصنيع، ووصل إلى مرحلة تخزين مئات الذخائر، قبل أن تبدأ محاولات التخلص من آثاره بعد تصاعد الضغط الأمريكي.
ومع ذلك، فإن خطورة الملف لا تعني أن كل ما ورد فيه أصبح حقيقة مثبتة. فالمواد التي اطلعت عليها صحيفتا The New York Times وThe Washington Post تقدم مؤشرات قوية على برنامج كيميائي محتمل، لكن الحسم النهائي، خصوصًا بشأن الاستخدام الميداني والمسؤولية المباشرة، يتطلب تحقيقًا مستقلًا والوصول إلى مواقع الإنتاج والتخزين وشهود محتملين داخل السودان.
بداية القصة.. عندما تحولت مادة لمعالجة المياه إلى سلاح
تعود نقطة التحول، وفق الوثائق، إلى صيف 2024، عندما كانت القوات المسلحة السودانية تواجه صعوبة في طرد قوات الدعم السريع من مواقعها داخل الخرطوم.
في ذلك الوقت، برز اسم العميد طارق حسين باعتباره أحد المسؤولين الرئيسيين عن مشروع تطوير ذخائر تعتمد على الكلور. وتظهر المواد أن الفكرة لم تكن مجرد استخدام أسطوانة غاز بصورة مباشرة، بل تطوير قنبلة تجمع بين التأثير الانفجاري والتأثير الكيميائي.
وتشير إحدى التصاميم إلى ذخيرة مزدوجة التأثير تحتوي على كمية من الغاز إلى جانب المتفجرات ومواد قادرة على إحداث إصابات بالشظايا.
الفكرة العسكرية وراء ذلك كانت واضحة: إذا لم يقتل الانفجار المقاتلين، فإن الغاز يمكن أن يجبرهم على الخروج من مواقعهم المحصنة.
لكن اللافت أن الوثائق تتحدث أيضًا عن محاولة تصميم الذخيرة بطريقة تجعل اكتشاف استخدامها أكثر صعوبة، وهو ما يفتح احتمالًا خطيرًا يتعلق بمحاولة إخفاء طبيعة الهجوم وليس فقط زيادة فعاليته.
اختبار في الصحراء
في يوليو 2024، انتقل المشروع، بحسب المواد، من مرحلة التصميم إلى الاختبار.
وتظهر مقاطع مصورة انفجارات في منطقة صحراوية نائية، يتبع بعضها تصاعد سحابة صفراء مائلة إلى الأخضر. ويرى خبراء استشارتهم واشنطن بوست أن اللون يتوافق مع خصائص مرتبطة بالكلور، فيما تؤكد نيويورك تايمز أن الفيديوهات والمواد المصاحبة تبدو متسقة مع اختبار ذخائر كيميائية.
لكن هذه النقطة تحديدًا تحتاج إلى التمييز بين أمرين: إثبات أن مادة كيميائية كانت موجودة في موقع اختبار، وإثبات أنها استُخدمت لاحقًا في هجوم عسكري ضد أشخاص.
الفيديو وحده لا يستطيع حسم المسألة الثانية.
مشكلة التسرب.. سلاح يمكن أن يصيب مستخدميه
تكشف المراسلات عن مشكلة واجهت القائمين على المشروع: تسرب الغاز من بعض الذخائر.
وتشير إحدى الرسائل إلى العثور على حشرات وعقارب نافقة داخل موقع الإنتاج، في واقعة اعتُبرت مؤشرًا على تعرض المكان للغاز.
هذه التفاصيل تكشف بدورها طبيعة المشروع: برنامج بدائي نسبيًا، يعتمد على تعديلات محلية ومكونات متاحة، وليس منظومة متطورة كتلك التي ارتبطت تاريخيًا ببرامج الأسلحة الكيميائية في دول أخرى.
وهذا لا يجعل السلاح أقل خطورة، بل ربما يزيد المخاطر المرتبطة به، لأن الذخائر غير المحكمة يمكن أن تعرض الجنود والمدنيين والعاملين في التصنيع للغاز نفسه.
من أين جاء الكلور؟
هنا تظهر واحدة من أكثر النقاط حساسية في الملف.
فالكلور مادة مزدوجة الاستخدام، تدخل بصورة مشروعة في معالجة مياه الشرب، ولا تخضع بالطريقة نفسها التي تخضع بها عوامل كيميائية أكثر تطورًا للرقابة على المواد المحظورة.
وتشير الوثائق إلى مسارين محتملين للحصول عليه.
الأول عبر استيراد كميات من مصر. والثاني، وهو الأكثر إثارة للقلق، من منشأة لمعالجة المياه في أم درمان.
وتقول المواد إن مصنع المنارة لمعالجة المياه كان يحتوي على أسطوانات كلور، وإن بعضها ربما جرى تحويله إلى الاستخدام العسكري.
لكن هذه النقطة تحديدًا لا تثبت تلقائيًا أن المساعدات الإنسانية نفسها كانت جزءًا من برنامج التسليح.
فمنظمة اليونيسف قالت إنها كانت تزود منشآت سودانية بالكلور لأغراض معالجة المياه، وإن سجلاتها لا تظهر أي تحويل أو إساءة استخدام للإمدادات التي قدمتها. كما أفادت منظمات إنسانية أخرى بتقديم كميات من الكلور للمنشآت المائية خلال سنوات الحرب.
وبالتالي، يبقى السؤال مفتوحًا: هل جرى تحويل جزء من مخزون مدني إلى برنامج عسكري، أم أن الجيش حصل على المواد من مصادر أخرى؟
مئات القنابل في مروي
بحلول أكتوبر 2024، كانت الصورة، بحسب الوثائق، قد تجاوزت مرحلة النماذج الأولية.
تحدثت المواد عن إنتاج ما يقرب من 300 ذخيرة كيميائية، مع تخزين الجزء الأكبر منها في قاعدة مروي الجوية.
أما واشنطن بوست فتورد رسائل تتحدث عن مخزون يصل إلى 290 ذخيرة، ورسائل أخرى تشير إلى استخدام 106 قنابل.
هذه الأرقام، إن صحت، تغيّر طبيعة القضية بالكامل.
فنحن لا نتحدث عندها عن قنبلة تجريبية أو محاولة محدودة، وإنما عن قدرة إنتاج وتخزين يمكن أن تشكل برنامجًا عسكريًا متكاملًا.
ومع ذلك، لا تزال هناك فجوة مهمة: لا توجد، حتى الآن، أدلة مستقلة منشورة تثبت مصير كامل هذا المخزون، وما إذا كانت جميع الذخائر قد بقيت في المخازن أو جرى استخدامها أو تدميرها لاحقًا.
هل استخدمت القنابل بالفعل؟
هنا تصبح الصورة أكثر تعقيدًا.
تشير الوثائق إلى هجمات بالكلور، أبرزها هجوم على مصفاة الجيلي النفطية شمال الخرطوم في سبتمبر 2024.
وتتضمن المراسلات، بحسب نيويورك تايمز، حديثًا عن إصابة مقاتلين بالغاز. كما أصدرت قوات الدعم السريع في ذلك الوقت اتهامات باستخدام صواريخ ومواد سامة ضد الموقع، وظهرت صور لأشخاص يرتدون أقنعة أكسجين.
كما وثقت تحقيقات أخرى هجومًا كيميائيًا محتملًا في الموقع.
لكن المفارقة المهمة أن التحقيقات أشارت إلى أن الأسطوانات التي عُثر عليها في موقع الهجوم كانت كبيرة الحجم، ولا تتطابق بصورة واضحة مع الذخائر الصغيرة التي كان مشروع طارق حسين يعمل على تصنيعها.
وهنا تظهر إحدى أكبر علامات الاستفهام في الملف:
إذا كان الجيش قد طوّر القنابل الكيميائية الجديدة، فما العلاقة بينها وبين الهجمات التي وقعت في سبتمبر؟
قد يكون هناك أكثر من نوع من الذخائر، أو قد يكون البرنامج لا يزال في مرحلة الاختبار عندما وقع الهجوم، أو ربما كانت هناك مصادر أخرى للكلور والذخائر.
حتى الآن، لا توجد إجابة نهائية.
رسائل عن هجمات أخرى
الملف لا يتوقف عند الجيلي.
فإحدى الرسائل تتحدث عن هجوم آخر في أكتوبر 2024، زُعم أنه أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا وفرار سكان من مناطق قريبة.
لكن هذا الهجوم أكثر صعوبة في التحقق؛ إذ لم تظهر في حينه أدلة علنية مماثلة، ولم يحظَ بالتغطية نفسها من قوات الدعم السريع أو المصادر المفتوحة.
وهذا يوضح الفرق بين وجود رسالة داخل ملف استخباراتي وبين إثبات وقوع حادثة ميدانيًا.
الرسالة قد تكون دليلًا على نية أو اعتقاد أو تقرير داخلي، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن الهجوم وقع بالطريقة الموصوفة.
ماذا كان يعرف البرهان؟
ربما تكون النقطة السياسية الأكثر حساسية هي ما يتعلق بقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان.
تتضمن المواد اتصالات ورسائل يُفهم منها أن البرهان كان على علم بالمشروع، كما تتحدث عن توجيهات لاحقة لإزالة آثار البرنامج بعد تصاعد الضغوط الأمريكية.
وتقول نيويورك تايمز إن بعض الرسائل تشير إلى أن البرهان طلب إزالة آثار النشاط، بينما أوردت واشنطن بوست أيضًا مواد تتحدث عن محاولات إخفاء البرنامج.
لكن حتى هذه النقطة تحتاج إلى الحذر.
فوجود اسم قائد عسكري في اتصالات مرتبطة بالمشروع لا يثبت تلقائيًا أنه أصدر أوامر باستخدام السلاح ضد المدنيين، كما أن إثبات المعرفة بوجود برنامج لا يساوي إثبات المسؤولية الجنائية عن كل عملية مرتبطة به.
هذه مسائل لا يمكن حسمها إلا من خلال تحقيق قضائي أو دولي كامل.
المفارقة الأكبر.. تحقيق سوداني يقوده أحد المتهمين
ربما تكمن أكثر حلقات الملف غرابة في التحقيق الذي شكلته السلطات السودانية نفسها.
بعد الاتهامات الأمريكية، أعلنت الخرطوم تشكيل لجنة للتحقيق في مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية.
لكن الوثائق التي اطلعت عليها الصحيفتان تشير إلى أن طارق حسين، الذي تقدمه المواد باعتباره العقل المدبر للبرنامج، كان ضمن الأشخاص المرتبطين بالتحقيق أو مستشاريه بسبب خبرته.
وفي يوليو 2025، خلص تقرير مرحلي سوداني إلى عدم العثور على آثار للأسلحة الكيميائية.
أما التقرير النهائي فلم يكن قد حُسم وقت نشر التحقيقات.
وهنا يبرز تضارب واضح في الروايات: الولايات المتحدة تقول إن لديها أساسًا استخباراتيًا لاتهام السودان، والمواد الجديدة تقدم مؤشرات إضافية، بينما تقول السلطات السودانية إن التحقيقات الميدانية لم تجد آثارًا كيميائية.
لماذا تحركت الولايات المتحدة؟
لم تبدأ الأزمة مع نشر التحقيقات الصحفية.
فالولايات المتحدة كانت قد أعلنت سابقًا أن السودان استخدم أسلحة كيميائية، وفرضت عقوبات على خلفية ذلك، ثم اتخذت إجراءات إضافية في 2026.
وتكشف المواد الجديدة أن بعض الصور والمعلومات الواردة في الملف وصلت بالفعل إلى أجهزة استخبارات أمريكية، وأنها استخدمت في تقييمات أمريكية بشأن امتلاك السودان أسلحة كيميائية.
لكن واشنطن لم تكشف علنًا كل أدلتها.
والآن، مع ظهور هذه الوثائق إلى العلن، أصبحت أمامها فرصة لتعزيز اتهاماتها، لكن في الوقت نفسه أمامها مسؤولية أكبر لإثباتها بصورة مستقلة.
ماذا تقول الأدلة الرقمية؟
من أهم عناصر قوة الملف أن الصور والفيديوهات والصوتيات لم تُقبل كما هي.
فـواشنطن بوست استعانت بخبراء في الأدلة الرقمية لفحص المواد، ولم يجد الخبراء مؤشرات على تلاعب بالصور والفيديوهات أو استخدام تقنيات توليد اصطناعي في الملفات الصوتية التي فُحصت.
لكن هذا لا يعني أن الخبراء أثبتوا صحة كل قصة مرتبطة بالصورة.
فالتحقق من أن الفيديو أصلي يختلف عن إثبات أن المكان هو الموقع الذي قيل إنه صُور فيه، وأن السلاح الظاهر فيه هو بالفعل سلاح كيميائي سوداني، وأنه استُخدم لاحقًا في هجوم محدد.
وهذا التفريق بالغ الأهمية عند تقييم الملف.
ماذا سيحدث الآن؟
السؤال الأكبر لم يعد فقط ما إذا كان السودان يمتلك ذخائر كيميائية.
بل ما إذا كانت الجهات الدولية ستتمكن من الوصول إلى المواقع التي وردت في الوثائق، وفحص بقايا الذخائر، وأخذ عينات من التربة والمنشآت، والاستماع إلى العاملين أو المسؤولين السابقين في البرنامج.
منظمة حظر الأسلحة الكيميائية قالت إن دولًا عدة طلبت منها الحصول على توضيحات من السودان بشأن مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية، وإن العملية مستمرة.
وفي حال تأكدت الاتهامات، سيكون السودان أمام انتهاك خطير لالتزاماته بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، التي تمنع تطوير هذه الأسلحة وإنتاجها وتخزينها واستخدامها.
وقد لا تتوقف التداعيات عند العقوبات.
فثبوت وجود برنامج منظم سيطرح مسألة المسؤولية الفردية للقادة والضباط الذين شاركوا في تطويره أو إدارته أو إصدار أوامر باستخدامه.
ثلاث فرضيات أمام المجتمع الدولي
المعطيات المتاحة تترك ثلاث فرضيات رئيسية.
الأولى: أن يكون السودان قد أنشأ بالفعل برنامجًا صغيرًا لكنه منظم لتطوير ذخائر الكلور، وأن بعض هذه الذخائر استخدمت في الحرب.
الثانية: أن يكون البرنامج قد وصل إلى مرحلة التصنيع والتخزين، لكن حجم الاستخدام الميداني كان محدودًا مقارنة بما توحي به بعض الرسائل.
الثالثة: أن تكون بعض المواد صحيحة، لكن جرى تفسير العلاقة بينها وبين الهجمات الميدانية بصورة أكبر مما تسمح به الأدلة المتاحة حاليًا.
الحسم بين هذه الاحتمالات لن يأتي من الصور وحدها، ولا من نفي الخرطوم وحده، ولا من اتهامات واشنطن وحدها.
إنه يحتاج إلى تحقيق دولي مستقل قادر على الوصول إلى الأرض.
حرب السودان أمام اختبار جديد
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، كان السودان قد تحول بالفعل إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع ملايين النازحين واتهامات واسعة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد المدنيين.
لكن دخول الأسلحة الكيميائية إلى المشهد، إذا تأكد، يرفع مستوى الأزمة إلى مكان آخر.
فالسلاح الكيميائي لا يمثل مجرد وسيلة قتل إضافية، وإنما كسر لقاعدة دولية تأسست على منع استخدام هذا النوع من الأسلحة حتى في أكثر الحروب دموية.
ولهذا فإن أخطر ما تكشفه الوثائق ليس فقط عدد القنابل أو كمية الكلور، بل احتمال أن تكون مؤسسة عسكرية في قلب حرب أهلية قد انتقلت من التفكير في السلاح الكيميائي إلى إنتاجه واختباره وتخزينه، ثم محاولة محو آثاره عندما بدأ الخارج يقترب من الحقيقة.
وفي النهاية، تبقى القضية معلقة بين أدلة تقول إن هناك برنامجًا كيميائيًا يبدو حقيقيًا، ونفي سوداني رسمي، وحاجة ملحة إلى تحقيق ميداني مستقل.
فالمعركة الحقيقية الآن ليست على ما تقوله الوثائق، بل على ما يمكن إثباته منها.




