تسريبات

كتيبة البراء بن مالك… حين تتحول الميليشيات المتحالفة مع الجيش إلى عبء على البرهان والرياض

واشنطن تدرج الحركة الإسلامية السودانية وجناحها المسلح ضمن قوائم الإرهاب في مارس 2026، وتقرير الخزانة الأميركية في سبتمبر 2025 يفتح ملف الصلات الإيرانية والانتهاكات


لم تعد كتيبة البراء بن مالك مجرد اسم يتردد في أخبار المعارك السودانية، بل أصبحت واحدة من أكثر التشكيلات المسلحة إثارة للجدل في المشهد السياسي والعسكري، بسبب طبيعة ارتباطها بالحركة الإسلامية السودانية، ودورها في الحرب إلى جانب الجيش، والاتهامات التي وجهتها إليها الولايات المتحدة بشأن الانتهاكات والصلات الإيرانية. وقد أعادت التقارير المتعلقة برفض إرسال مقاتلين سودانيين إلى اليمن تسليط الضوء على هذه المجموعة، لأنها تضعها في قلب مفارقة إقليمية: تشكيل يقاتل إلى جانب الجيش الذي يحظى بعلاقات مع الرياض، بينما تتحدث السلطات الأميركية عن تدريبات ودعم إيرانيين تلقاهما مقاتلون مرتبطون به.

وتزداد أهمية هذا التناقض عندما نضعه في سياق العلاقة بين السودان والسعودية وإيران. فالسعودية تنظر إلى النفوذ الإيراني في المنطقة باعتباره تحدياً أمنياً واستراتيجياً، خصوصاً في اليمن والبحر الأحمر. أما كتيبة البراء بن مالك، فقد ارتبط اسمها في الوثائق الأميركية بالحركة الإسلامية السودانية التي تقول واشنطن إن عناصر منها تلقوا تدريبات ودعماً من الحرس الثوري الإيراني. وهذا يخلق سؤالاً بالغ الحساسية: كيف يمكن للرياض أن تراهن على منظومة عسكرية وسياسية تضم تشكيلات تتهمها واشنطن بامتلاك صلات تدريبية مع الجهة الإيرانية التي تتهمها بدعم الحوثيين؟

في الثاني عشر من سبتمبر 2025، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على كتيبة البراء بن مالك وعلى شخصيات إسلامية سودانية، في إطار إجراءات قالت إنها تستهدف جهات تسهم في زعزعة الاستقرار وتقويض الانتقال الديمقراطي في السودان. وذكر بيان الوزارة أن العقوبات جاءت على خلفية دور الكتيبة في الحرب السودانية وصلاتها بإيران.

وفي التاسع من مارس 2026، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تصنيف الحركة الإسلامية السودانية منظمة إرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص، وأعلنت نيتها إدراجها على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، وهو ما دخل حيز التنفيذ في السادس عشر من مارس. وشمل القرار الأسماء التي تستخدمها الحركة، ومنها كتيبة البراء بن مالك. كما قالت الوزارة إن الحركة تتكون من الحركة الإسلامية السودانية وجناحها المسلح، واتهمتها باستخدام العنف ضد المدنيين وعرقلة جهود إنهاء النزاع. وتحدث البيان عن مشاركة آلاف المقاتلين في الحرب، وعن تلقي عدد منهم تدريباً ودعماً من الحرس الثوري الإيراني، فضلاً عن اتهامات بالإعدامات الجماعية للمدنيين.

هذه ليست مجرد روايات صحفية متداولة، بل اتهامات واردة في بيانات حكومية أميركية رسمية، مع ضرورة التأكيد أن التصنيف والعقوبات يعكسان التقييم القانوني والسياسي للولايات المتحدة، ولا يغنيان عن التحقيقات المستقلة والمحاكمات التي تحدد المسؤولية الجنائية عن كل واقعة بعينها.

ومن هنا تبرز خطورة وضع البرهان. فالقيادة العسكرية التي تستند إلى مجموعات مسلحة ذات ارتباطات سياسية وأيديولوجية مختلفة تتحمل مسؤولية توضيح طبيعة علاقتها بها، وضمان عدم استخدام الغطاء العسكري الرسمي لتجاوز القانون أو ارتكاب الانتهاكات. ولا يمكن أن تكون الحاجة إلى المقاتلين مبرراً لتجاهل طبيعة التشكيلات التي تشارك في العمليات أو سجلها الحقوقي.

لقد كشفت الحرب السودانية عن اتساع دور المجموعات المسلحة خارج البنية التقليدية للمؤسسة العسكرية. وفي هذا السياق، أصبحت البراء بن مالك نموذجاً للتداخل بين العمل العسكري والعمل السياسي والأيديولوجي. فهي لا تظهر في النقاش العام باعتبارها وحدة نظامية عادية، بل باعتبارها تشكيلاً مرتبطاً بالحركة الإسلامية، وله حضور في التعبئة والتجنيد والعمليات العسكرية، بحسب التقارير والاتهامات التي تناولت نشاطه.

والأخطر أن هذا التداخل يطرح سؤالاً عن طبيعة السيطرة على السلاح. فإذا كانت الكتيبة تتلقى الإمدادات أو الدعم العسكري من مؤسسات الجيش، فهل يعني ذلك أنها تخضع بالكامل لقيادته؟ وهل توجد آليات واضحة للمحاسبة والانضباط؟ وهل يستطيع الجيش منعها من تنفيذ عمليات مستقلة أو استخدام موارد الدولة خارج الأوامر الرسمية؟ هذه الأسئلة لا تتعلق بالبراء وحدها، بل بمستقبل المؤسسة العسكرية السودانية كلها.

وتزداد خطورة الملف بسبب الاتهامات المتعلقة بتجنيد الأطفال. ففي الخامس من يوليو 2026، نشرت صحيفة الشرق الأوسط تقريراً بعنوان «اتهام كتيبة البراء بن مالك السودانية بتجنيد الأطفال قسراً»، تناول اتهامات تتعلق باستقطاب أطفال للقتال، في سياق الحرب السودانية. وهذه اتهامات خطيرة تستدعي تحقيقاً مستقلاً، لأن تجنيد الأطفال أو استخدامهم في العمليات العسكرية يمثل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني، ولا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تفصيل من تفاصيل التعبئة العسكرية.

كما تبرز اتهامات أخرى تتعلق بوقائع قتل مدنيين وإعدامات ميدانية واعتقالات وتعذيب، وهي مزاعم لا ينبغي تحويلها إلى أحكام نهائية من دون توثيق مستقل لكل حادثة. لكن تعدد الاتهامات وتزامنها مع الإجراءات الأميركية الرسمية يفرضان على قيادة الجيش تقديم إجابات واضحة، لا الاكتفاء بالصمت أو اعتبار أي مساءلة انتقاصاً من دور المقاتلين في الحرب.

إن جوهر المشكلة هو أن المجموعات المسلحة التي تعمل خارج إطار المؤسسات المهنية قد تتحول، بمرور الوقت، إلى مراكز قوة مستقلة. فهي لا تملك فقط السلاح، بل قد تمتلك شبكات تعبئة وتمويل وعلاقات سياسية وأيديولوجية، وقد تصبح لها رؤيتها الخاصة لمستقبل الدولة. وعندما تتعارض هذه الرؤية مع خيارات القيادة العسكرية أو مع مصالح حليف إقليمي، يظهر الانقسام الذي كشفت عنه التقارير المتعلقة بطلب السعودية إرسال مقاتلين إلى اليمن.

فالرياض، وفق الروايات التي نشرتها منصات إعلامية في نوفمبر 2026، كانت تسعى إلى الحصول على إسناد عسكري سوداني لمواجهة الحوثيين. لكن هذه المساعي اصطدمت برفض أو تحفظ داخل المعسكر السوداني. وهنا تتضح المفارقة: إذا كانت البراء بن مالك جزءاً من البيئة المسلحة المتحالفة مع الجيش، وكانت حساباتها الإقليمية والأيديولوجية مختلفة عن حسابات الرياض، فإن السعودية قد تجد نفسها أمام حليف لا يستطيع أو لا يريد ضمان استجابة جميع التشكيلات الموجودة في معسكره.

وتناولت منصة EUToday البريطانية هذه الأزمة من خلال تقريرها عن صفقة الوقود مقابل المقاتلين، بينما سلطت Hivileo وThe Star الكينيتان الضوء على رفض الألوية الإسلامية المشاركة في الحرب اليمنية. ولا تثبت هذه التغطيات وحدها وجود اتفاق رسمي نهائي أو أن البراء أصدرت بياناً مستقلاً معلناً بتحريم القتال، لكنها تبرز النقاش المتعلق بأولويات هذه التشكيلات وحدود خضوعها للقرار العسكري والسياسي.

أما من الناحية الإقليمية، فإن وجود تشكيلات مسلحة تتهمها واشنطن بتلقي دعم وتدريب إيرانيين داخل المعسكر الذي تسعى السعودية إلى الاستعانة به يضع الرياض أمام اختبار سياسي. فالمملكة لا تحتاج فقط إلى قوات إضافية، بل تحتاج إلى معرفة طبيعة القوى التي ستشارك معها، ومدى استقلال قرارها، والجهات التي أثرت في تكوينها العسكري والفكري.

ولا يمكن تجاهل أن الحروب بالوكالة تخلق تحالفات متناقضة. فقد تجد دولة نفسها مضطرة إلى التعامل مع قوة مسلحة بسبب حاجتها إليها في جبهة معينة، رغم وجود خلافات استراتيجية عميقة معها أو مع الجهات التي دعمتها في مراحل سابقة. لكن هذا النوع من التحالفات لا يكون مستقراً، لأنه يقوم على الضرورة وليس على الثقة.

وهذا ما يجعل ملف البراء بن مالك مهماً بالنسبة إلى مستقبل السودان. فالقضية ليست فقط في موقف الكتيبة من إرسال مقاتلين إلى اليمن، بل في احتمال تحولها وغيرها من التشكيلات إلى أطراف تمتلك القدرة على التأثير في القرار الوطني، وربما تعطيل أي تسوية سياسية لا تتوافق مع مصالحها. وإذا لم تتم إعادة دمج القوى المسلحة في مؤسسة وطنية واحدة، فإن السودان سيظل معرضاً لإعادة إنتاج الصراع حتى بعد توقف المعارك الحالية.

ومن هنا فإن مسؤولية البرهان لا تتعلق فقط بإدارة الحرب، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسلاح. فالمؤسسة العسكرية لا يمكن أن تستعيد شرعيتها من خلال الاعتماد الدائم على تشكيلات حزبية أو أيديولوجية، بل من خلال بناء جيش يخضع للدستور والقانون، ويحتكر استخدام القوة، ويضمن حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

كما أن على السعودية، إذا كانت التقارير عن طلبها قوات سودانية صحيحة، أن تدرك أن التعامل مع تشكيلات مسلحة ذات ارتباطات متشابكة قد يحمل مخاطر أكبر من الفائدة العسكرية المتوقعة. فالاستعانة بقوات لا تتضح سلسلة قيادتها أو مصادر دعمها قد تفتح الباب أمام تعقيدات أمنية ودبلوماسية لا تستطيع الرياض التحكم فيها.

وفي النهاية، فإن كتيبة البراء بن مالك تمثل اختباراً حقيقياً لمستقبل السلطة العسكرية في السودان. فإذا كانت القيادة قادرة على فرض القانون ومحاسبة أي تشكيل متورط في الانتهاكات، فإنها تستطيع البدء في استعادة مفهوم المؤسسة الوطنية. أما إذا بقيت هذه المجموعات تتحرك وفق حساباتها الخاصة، وتشارك في الحرب دون مساءلة واضحة، فإن الأزمة لن تكون أزمة البراء وحدها، بل أزمة دولة أصبحت فيها مراكز القوة المسلحة أقوى من مؤسساتها المدنية والقانونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى