تسريبات

هل يمهد اختانا يا برهان لمرحلة سياسية جديدة؟ السودان أمام اختبار البديل المدني

اختانا يا برهان


لم يكن ظهور شعار «اختانا يا برهان» مجرد حدث عابر في سلسلة الحملات الإلكترونية التي عرفها السودان منذ اندلاع الثورة، بل أعاد إلى الواجهة سؤالاً أكثر تعقيداً من المطالبة برحيل قائد الجيش عبد الفتاح البرهان: ماذا بعد رحيله؟ وهل تمتلك القوى المدنية السودانية القدرة على تحويل الغضب الشعبي المتصاعد إلى مشروع سياسي قادر على إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة؟ إن أهمية هذه الأسئلة تنبع من أن السودان لم يعد يواجه أزمة قيادة فقط، بل يعيش انهياراً سياسياً ومؤسسياً عميقاً يتطلب تغييراً في قواعد إدارة السلطة والعلاقة بين الجيش والمجتمع.

لقد أظهرت الحملة أن جزءاً من الخطاب المعارض بدأ ينتقل من التركيز على نتائج الحرب إلى التشكيك في شرعية استمرار القيادة العسكرية نفسها. فالمشاركون في الوسم لا يكتفون بالمطالبة بتحسين الأوضاع أو تغيير بعض السياسات، بل يطالبون بإنهاء وجود البرهان في السلطة، وفتح الطريق أمام مرحلة مدنية جديدة. وهذا التطور يطرح تحدياً حقيقياً أمام القوى السياسية التي ظلت لسنوات تتحدث عن ضرورة الانتقال الديمقراطي، لكنها لم تنجح حتى الآن في تقديم صيغة موحدة تحظى بثقة واسعة داخل المجتمع السوداني.

فالمشكلة الأساسية في السودان أن سقوط نظام البشير لم يؤد إلى تفكيك البنية التي أنتجت الحكم السلطوي. فقد ظلت مراكز القوة العسكرية والاقتصادية والأمنية حاضرة، واستمر التنافس بين القوى السياسية على السلطة في ظل مؤسسات انتقالية ضعيفة. ثم جاء انقلاب أكتوبر 2021 ليعمق الانقسام ويعيد المؤسسة العسكرية إلى مركز القرار، قبل أن تنفجر الحرب بين الجيش والدعم السريع في أبريل 2023. ومنذ ذلك الوقت، أصبح الحديث عن الانتقال المدني مرتبطاً بتحديات أكثر تعقيداً، لأن أي مشروع سياسي لا يمكن أن ينجح من دون معالجة مسألة السلاح وتعدد مراكز القوة المسلحة.

وهنا تكمن المعضلة التي تواجه أصحاب شعار «اختانا يا برهان». فالمطالبة برحيل البرهان قد تجمع أطرافاً مختلفة حول هدف سياسي مباشر، لكنها لا تعني بالضرورة اتفاق هذه الأطراف على طبيعة المرحلة التالية. فهناك قوى مدنية تريد إنهاء الحكم العسكري والعودة إلى مسار ديمقراطي، وهناك أطراف تركز على وقف الحرب قبل أي استحقاق سياسي، وأخرى تجعل الأولوية لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات واستعادة مؤسسات الدولة. وهذه المطالب ليست متناقضة بالضرورة، لكنها تحتاج إلى إطار سياسي يجمعها ضمن رؤية واضحة.

إن التجارب السودانية السابقة تكشف أن إسقاط رأس السلطة لا يضمن وحده نجاح الانتقال. فقد سقط البشير في أبريل 2019، لكن الصراع على طبيعة السلطة واستمرار نفوذ المراكز العسكرية والأمنية حالا دون بناء نظام مدني مستقر. ولذلك فإن أي تغيير جديد يجب ألا يكرر الخطأ نفسه، وألا يكتفي باستبدال قائد بآخر أو حكومة بأخرى، بينما تبقى بنية السلطة خارج نطاق الإصلاح والمحاسبة.

ومن أهم شروط التغيير الحقيقي إعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية. فالجيش السوداني، باعتباره مؤسسة وطنية، ينبغي أن يكون مسؤولاً عن الدفاع عن البلاد وحماية حدودها، لا أن يتحول إلى طرف سياسي يحتكر القرار أو يحدد مستقبل الحكومات. وهذا يتطلب إصلاحاً مؤسسياً شاملاً، يضمن وحدة القيادة العسكرية وخضوعها لسلطة دستورية مدنية، ويمنع توظيف الجيش في المنافسة الحزبية أو الاقتصادية. كما يتطلب معالجة قضية قوات الدعم السريع وبقية التشكيلات المسلحة ضمن ترتيبات أمنية وسياسية واضحة، لأن استمرار تعدد الجيوش ومراكز القوة يجعل أي انتقال مدني عرضة للانهيار.

ولا يمكن تحقيق هذا الهدف من خلال الشعارات وحدها. فإصلاح القطاع الأمني يحتاج إلى اتفاق سياسي واسع، وجدول زمني قابل للتنفيذ، وضمانات تمنع استخدام عملية الإصلاح ذريعة لتصفية الحسابات أو إعادة إنتاج الصراع. كما يحتاج إلى دعم إقليمي ودولي منسق، لا يقتصر على البيانات الدبلوماسية، بل يساهم في حماية المدنيين ومراقبة وقف إطلاق النار ودعم العملية السياسية.

وتواجه القوى المدنية بدورها اختباراً صعباً. فهي مطالبة بإثبات أنها قادرة على تجاوز الانقسامات التي أضعفتها خلال المرحلة الانتقالية، وأنها تستطيع تقديم برنامج يتجاوز رفض البرهان إلى تحديد ملامح الدولة التي تريد بناءها. فلا يكفي أن تتفق القوى السياسية على رحيل قائد الجيش، بل ينبغي أن تتفق على مبادئ الحكم، وطبيعة المؤسسات الانتقالية، وكيفية اختيار السلطة المدنية، ومصير القوات المسلحة، وآليات العدالة الانتقالية، وإعادة الإعمار.

كما يجب أن يكون للجان المقاومة والقوى الشبابية والنقابية والمجتمعية حضور حقيقي في أي عملية سياسية مقبلة. فهذه القوى كانت في قلب الحراك الذي أسقط نظام البشير، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد قوة احتجاجية تستدعى عند الحاجة ثم يجري تهميشها عند توزيع المناصب. إن أي مشروع مدني لا يعكس تطلعات المجتمع ولا يضمن المشاركة الواسعة سيواجه أزمة شرعية منذ البداية.

ومن الضروري أيضاً أن تكون هناك مسافة واضحة بين القوى المدنية وبين أطراف الحرب المسلحة. فالمطلوب ليس استبدال تحالف عسكري بآخر، ولا إنشاء سلطة مدنية تعتمد على حماية هذا الطرف أو ذاك، بل بناء مشروع مستقل يرفض استخدام السلاح للوصول إلى الحكم. فالمدنيون السودانيون دفعوا ثمناً باهظاً بسبب عسكرة السياسة، وأي تسوية لا تضع حداً لهذا المنطق ستؤجل الأزمة بدلاً من حلها.

أما على المستوى الإقليمي، فإن مستقبل السودان لا ينفصل عن مصالح القوى المجاورة والدول التي تملك تأثيراً في أطراف النزاع. فاستمرار الحرب خلق بيئة للتدخلات الخارجية وتضارب المصالح، وأصبح السودان ساحة تتقاطع فيها الحسابات الأمنية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن بناء مسار مدني يتطلب موقفاً إقليمياً ودولياً واضحاً يرفض دعم استمرار القتال، ويضغط على الأطراف من أجل وقف إطلاق النار، ويحترم حق السودانيين في اختيار مستقبلهم السياسي.

ويظل ملف العدالة أحد أهم الاختبارات التي ستحدد مصداقية أي سلطة جديدة. فلا يمكن بناء سلام مستدام على تجاهل الانتهاكات أو منح الحصانة السياسية لمن يثبت تورطه في الجرائم. ويجب أن تشمل المساءلة جميع الأطراف المتورطة في الانتهاكات ضد المدنيين، سواء كانوا من الجيش أو قوات الدعم السريع أو التشكيلات المسلحة الأخرى. كما ينبغي حماية الشهود والضحايا، وتوثيق الجرائم، وضمان استقلال المؤسسات القضائية، حتى لا تتحول العدالة إلى أداة لتصفية الخصوم السياسيين.

وفي هذا الإطار، تبرز أيضاً الاتهامات المتعلقة باستخدام أسلحة محظورة أو كيميائية، التي وردت في بعض الخطابات المرتبطة بالحملة. وهي اتهامات بالغة الخطورة لا يجوز التعامل معها باعتبارها حقائق محسومة من دون تحقيقات مستقلة وأدلة فنية موثوقة. لكن خطورة هذه الادعاءات تفرض ضرورة فتح المجال أمام التحقيق المستقل والتعاون مع الجهات الدولية المختصة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون. فالمساءلة لا تتحقق بالتوظيف السياسي للاتهامات، بل بالتوثيق والتحقيق والشفافية.

ومن جهة أخرى، فإن نجاح البديل المدني يرتبط بقدرته على تقديم إجابات عملية عن الأزمة الاقتصادية. فالسودانيون لا يريدون انتقالاً سياسياً يكتفي بتغيير المسؤولين، بينما تستمر معاناة الأسر وتنهار الخدمات. ولذلك ينبغي أن تتضمن أي رؤية انتقالية برنامجاً عاجلاً لاستعادة الخدمات الأساسية، ودعم الإنتاج الزراعي والصناعي، وإعادة تشغيل المستشفيات والمدارس، وتوفير الحماية للنازحين، وإعادة بناء المؤسسات المالية والإدارية.

ويجب ألا يغيب عن هذا المشروع ملف المصالحة الاجتماعية. فالحرب لم تدمر المباني والطرق فقط، بل ألحقت أضراراً عميقة بالنسيج الاجتماعي، وأثارت انقسامات جهوية وقبلية ومناطقية خطيرة. ومن دون معالجة هذه الجراح، ستظل فرص إعادة بناء الدولة محدودة. والمصالحة المطلوبة لا تعني نسيان الجرائم أو تجاوز حقوق الضحايا، وإنما تعني بناء عملية وطنية تجمع بين الاعتراف بالحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر وإعادة الثقة بين المجتمعات.

إن شعار «اختانا يا برهان» يضع السلطة أمام سؤال الرحيل، لكنه يضع المعارضة المدنية أمام سؤال المسؤولية أيضاً. فالغضب الشعبي يمكن أن يفتح الباب أمام التغيير، لكنه لا يستطيع وحده إدارة الدولة أو إنهاء الحرب. ولا بد أن تتحول المطالب إلى برنامج سياسي واضح، وإلى تحالف مدني واسع يمتلك القدرة على التفاوض والضغط والتنظيم وتقديم البديل.

وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون مستقبل السودان معلقاً بشخص البرهان وحده، سواء بقي في السلطة أو غادرها. فالمشكلة أعمق من فرد، وتتعلق بنظام سياسي سمح للعسكر بالعودة إلى الحكم، وبمؤسسات لم تنجح في حماية الانتقال المدني، وبقوى مسلحة جعلت الدولة رهينة لصراع النفوذ. ومن هنا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط من أجل رحيل قائد الجيش، بل من أجل إنهاء دورة الانقلابات والحروب التي ظلت تعيد السودان إلى نقطة الصفر.

قد يتراجع هاشتاغ «اختانا» عن صدارة المنصات بعد أيام أو أسابيع، وقد تظهر حملات أخرى بشعارات مختلفة، لكن السؤال الذي أطلقه سيبقى قائماً: هل يستطيع السودانيون استعادة دولتهم من قبضة السلاح، أم أن البلاد ستظل تدور في حلقة جديدة من الصراع على السلطة؟

الإجابة لن تحددها سرعة انتشار الهاشتاغ، بل قدرة القوى المدنية على توحيد صفوفها، وقدرة المجتمع على فرض أولوية السلام والعدالة، ومدى استعداد القيادات العسكرية للتخلي عن احتكار السياسة. فالسودان يحتاج إلى أكثر من رحيل شخص؛ يحتاج إلى تأسيس دولة لا يكون فيها مصير الملايين مرتبطاً بقرار قائد عسكري، ولا يكون فيها مستقبل الأجيال رهينة للحرب والصراع على الحكم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى