تسريبات

مساعدات فوق الركام.. كيف تحولت معاناة السودانيين إلى غطاء للنفوذ الإقليمي ودعم سلطة البرهان؟


في الوقت الذي يواجه فيه ملايين السودانيين الجوع والنزوح وانهيار المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء، تتسابق العواصم الإقليمية على إعلان مساعداتها الإنسانية وتأكيد حرصها على وحدة السودان واستقراره. غير أن خلف هذا الخطاب الإنساني تتحرك حسابات سياسية وعسكرية واقتصادية معقدة، تجعل من الضروري طرح سؤال جوهري: هل تهدف التدخلات الخارجية إلى إنهاء الحرب فعلاً، أم أن بعض القوى الإقليمية باتت تتعامل معها باعتبارها فرصة لتعزيز نفوذها وترسيخ علاقاتها مع السلطة العسكرية التي يقودها عبد الفتاح البرهان؟

لا يمكن إنكار أهمية المساعدات التي قدمتها مصر والسعودية وقطر وتركيا للسودانيين، ولا يجوز التقليل من قيمة الغذاء والدواء والمستلزمات الطبية التي وصلت إلى المحتاجين. لكن العمل الإنساني الحقيقي لا ينفصل عن ضرورة ضمان استقلاله وشفافيته، خصوصاً عندما يتم في بلد تسيطر فيه الأطراف العسكرية على جزء كبير من المعابر والمطارات والمؤسسات الإدارية.

فالمشكلة لا تكمن في تقديم المساعدات، وإنما في احتمال توظيفها سياسياً، وفي استخدام العلاقات الإنسانية لتقديم صورة عن سلطة عسكرية باعتبارها الممثل الوحيد للدولة والمجتمع، رغم أن شرعية الحكم ومستقبل النظام السياسي يظلان من القضايا التي ينبغي أن يقررها السودانيون أنفسهم.

القاهرة.. دعم المؤسسة العسكرية تحت عنوان استقرار السودان

منذ اندلاع الحرب، تمسكت مصر بعلاقة وثيقة مع القيادة العسكرية السودانية، وحرصت على إبراز دعمها لمؤسسات الدولة والجيش. وتستند القاهرة إلى اعتبارات جغرافية وأمنية واضحة، فالسودان يشكل عمقاً استراتيجياً لمصر، وأي انهيار كامل للدولة السودانية ستكون له انعكاسات على الحدود وحركة السكان وأمن النيل والبحر الأحمر.

لكن هذه المصالح لا تفسر وحدها طبيعة الموقف المصري. فالقاهرة تنظر إلى المؤسسة العسكرية باعتبارها الطرف الأكثر قدرة على ضمان استمرار الدولة وفق تصورها الأمني، وتتعامل مع البرهان باعتباره شريكاً يمكن التفاهم معه في ملفات الحدود والأمن والنيل.

وقد وثقت وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء اتهامات بشأن تقديم مصر دعماً عسكرياً للجيش السوداني شمل التدريب والذخائر والمعلومات الاستخباراتية والدعم الجوي، في حين نفت القاهرة تقديم دعم عسكري مباشر. كما نقلت وكالة أسوشيتد برس في نوفمبر 2025 عن محللين أن مصر تفضل وجود حكومة عسكرية في السودان على حكومة مدنية قد تكون أقل توافقاً مع حساباتها الأمنية.

وتزداد أهمية هذه المعطيات عند الحديث عن دور المساعدات. فحين تقدم دولة مساعدات إلى السودان عبر قنوات ترتبط بالسلطة العسكرية، لا يعني ذلك تلقائياً أن تلك المساعدات تتحول إلى تمويل للجيش، لكن غياب الرقابة المستقلة يفتح الباب أمام احتمال توظيفها لتعزيز نفوذ المؤسسات القائمة.

إن المطلوب من مصر هو الفصل الواضح بين دعم المدنيين ودعم السلطة العسكرية، وضمان ألا تتحول المساعدات الإنسانية إلى وسيلة لإعادة إنتاج شرعية سياسية لا يملك الشعب السوداني فرصة حقيقية لمناقشتها.

كما ينبغي أن تلتزم القاهرة بالشفافية في كل ما يتعلق بالمساعدات والشحنات العسكرية واللوجستية، وأن توضح حقيقة الاتهامات المتعلقة باستخدام المسارات الإنسانية لتغطية عمليات نقل المعدات العسكرية، بدلاً من ترك الملف رهينة للتسريبات والروايات المتضاربة.

السعودية.. مساعدات إنسانية وعلاقات استراتيجية مع البرهان

تمتلك السعودية قدرة كبيرة على التأثير في الملف السوداني، بسبب علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية مع السلطات القائمة، وبسبب موقعها على الضفة الأخرى من البحر الأحمر. وقد لعبت الرياض دوراً مهماً في استضافة مفاوضات جدة بالتعاون مع الولايات المتحدة، كما قدمت مساعدات إنسانية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة، شملت الغذاء والدواء والمستلزمات الطبية.

لكن السؤال السياسي يتعلق بمدى استخدام السعودية لنفوذها من أجل وقف الحرب، وليس فقط بتقديم المساعدات بعد وقوع الكارثة. فالرياض تمتلك علاقات مؤثرة مع البرهان، وتستطيع أن تطالب بفتح الممرات الإنسانية ووقف القصف والالتزام بوقف إطلاق النار، وأن تربط تعاونها السياسي والاقتصادي بضرورة تحقيق تقدم حقيقي نحو السلام.

وتتجاوز المصالح السعودية الجانب الإنساني إلى الاستثمار الزراعي والبحري والمعدني. ويظل اتفاق استغلال مليون فدان في شرق السودان لمدة 99 عاماً، الذي أقر عام 2016، مثالاً على أهمية الأرض السودانية في الحسابات الاقتصادية السعودية.

ولا يصح وصف هذا الاتفاق بأنه صفقة جديدة أبرمها البرهان خلال الحرب، لكنه يكشف عن حجم المصالح طويلة الأجل التي تربط السودان بالمملكة، ويطرح أسئلة حول ما إذا كانت الدولة السودانية تمتلك مؤسسات قوية تضمن استفادة مواطنيها من هذه الترتيبات.

كما أن الاهتمام السعودي بالبحر الأحمر والموانئ السودانية يمنح الرياض مصلحة مباشرة في شكل السلطة التي ستدير السودان مستقبلاً. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام المملكة هو أن تثبت أن مصالحها الاقتصادية لا تتقدم على حق السودانيين في اختيار نظامهم السياسي، وأن استثماراتها لا تتحول إلى ثمن للصمت عن استمرار الحرب.

قطر.. المساعدات الإنسانية والعلاقات مع الإسلاميين

برزت قطر في الملف السوداني عبر نشاط إنساني ودبلوماسي، وأرسلت مساعدات طبية وغذائية منذ الأشهر الأولى للحرب. كما واصلت مؤسساتها تقديم الدعم الصحي والإغاثي، وأعلنت في فبراير 2026 عن قوافل طبية بالتعاون مع مؤسسات إنسانية قطرية، استهدفت توفير أدوية ومستلزمات طارئة لعدد كبير من المستفيدين في الولايات السودانية.

لكن الحضور القطري لا ينفصل عن تاريخ علاقاتها السياسية مع السودان، خصوصاً خلال فترة حكم عمر البشير، عندما كانت الدوحة حاضرة في ملفات الوساطة والاستثمار والعلاقات مع التيارات الإسلامية.

وقد أشار المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى اتهامات خبراء إقليميين بتمويل قطر توفير أسلحة للجيش السوداني، كما تناول استمرار العلاقات التاريخية مع التيارات الإسلامية المرتبطة بدرجات متفاوتة بالسلطة العسكرية.

ومن الضروري التعامل مع هذه الاتهامات بحذر، فهي ليست حكماً قضائياً ولا دليلاً نهائياً على تورط رسمي قطري في تسليح الجيش. لكن من حق السودانيين المطالبة بالكشف عن طبيعة التمويل والتحويلات والعقود، وعن حدود العلاقة بين العمل الإنساني والنشاط السياسي.

فالمساعدات التي تقدمها قطر ينبغي أن تكون موجهة إلى الإنسان السوداني، وليس إلى تثبيت نفوذ أي تيار سياسي أو عسكري. كما أن دعم المستشفيات والنازحين يجب ألا يرتبط بالولاء للسلطة القائمة أو بالمواقف الأيديولوجية.

تركيا.. المساعدات والعقود العسكرية في بلد غارق بالحرب

تتخذ العلاقة التركية السودانية بعداً مختلفاً بسبب ارتباطها بالتعاون الدفاعي والتجاري. فقد حافظت أنقرة على علاقاتها مع المؤسسات العسكرية السودانية، وقدمت نفسها في بعض المراحل باعتبارها قادرة على المساهمة في الوساطة، بينما كشفت تقارير صحفية عن صفقات أسلحة تركية للجيش.

ويبرز هنا تحقيق واشنطن بوست المنشور في مارس 2025، والذي تحدث عن تزويد شركة بايكار الجيش السوداني بأسلحة بقيمة لا تقل عن 120 مليون دولار، تضمنت طائرات مسيرة من طراز بيرقدار TB2 وذخائر ومعدات وفنيين.

وتكمن أهمية هذه الصفقة في أن الطائرات المسيرة تمنح القوات المسلحة قدرة إضافية على تنفيذ الضربات، وهو ما يؤثر في ميزان الحرب وفي قدرة الأطراف على مواصلة القتال. ولا يمكن فصل هذه الصفقات عن المناقشات التي تناولها التحقيق بشأن فرص اقتصادية للشركات التركية في المعادن والموانئ وحقوق الصيد.

وقد نفت تركيا تقديم دعم عسكري لأي طرف، لكن نشر هذه الوثائق يفرض ضرورة التحقيق في طبيعة الصفقات ومسارات نقل الأسلحة والجهات المستفيدة منها.

وفي سياق الحرب، لا يمكن اعتبار تجارة السلاح مجرد نشاط تجاري منفصل عن الواقع الإنساني، لأن كل منظومة قتالية إضافية يمكن أن تساهم في تمديد العمليات، خصوصاً عندما لا تكون هناك آليات فعالة لمراقبة استخدامها وحماية المدنيين.

المساعدات تحت سيطرة السلطات.. أين تذهب الشحنات؟

من أبرز التحديات التي تواجه السودان أن المساعدات الإنسانية لا تصل دائماً إلى الأشخاص الذين يحتاجون إليها. فالحرب أدت إلى تدمير الطرق والمستشفيات والمخازن، وفرضت قيوداً على حركة المنظمات، كما خلقت مناطق يصعب الوصول إليها بسبب العمليات العسكرية والحصار.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح التحكم في المعابر والمطارات والمخازن وطرق النقل أداة نفوذ كبيرة. فالسلطة التي تسيطر على هذه المنشآت تستطيع التأثير في سرعة وصول المساعدات وكمياتها والجهات المستفيدة منها.

ولهذا ينبغي أن تكون هناك آلية دولية مستقلة لتتبع الشحنات الإنسانية منذ خروجها من الدول المانحة حتى وصولها إلى المستفيدين، مع نشر تقارير دورية تتضمن الكميات ومواقع التوزيع والجهات التي تولت التنفيذ.

كما يجب ضمان وصول المساعدات إلى جميع المناطق السودانية، بما فيها المناطق التي لا تخضع لسيطرة الجيش، وعدم ربط وصول الغذاء والدواء بالاعتراف السياسي أو بالتعاون مع جهة عسكرية محددة.

إن تحويل المساعدات إلى أداة ضغط سياسي يمثل انتهاكاً لجوهر العمل الإنساني، ويضاعف معاناة المدنيين الذين أصبحوا رهائن للمعابر والحواجز والقرارات العسكرية.

المدنيون يدفعون ثمن الحرب التي لا يقررونها

إن ملايين السودانيين لا يملكون أي دور في الصفقات السياسية أو العقود العسكرية أو الحسابات الاقتصادية للدول المتدخلة. ومع ذلك، فهم الذين يدفعون ثمن القصف والتهجير والجوع وانهيار الخدمات.

وتتفاقم المأساة عندما يشعر كل طرف عسكري أن لديه حلفاء قادرين على تعويض خسائره، وأن استمرار الحرب لن يؤدي بالضرورة إلى عزله دولياً. وهنا يتحول الدعم الخارجي إلى عامل يضعف فرص التسوية، حتى عندما لا يكون هدف الدولة المتدخلة المعلن هو استمرار القتال.

وتتحمل الأطراف السودانية المسلحة المسؤولية المباشرة عن الانتهاكات التي ترتكبها، لكن الدول التي تمدها بالسلاح أو تمنحها الغطاء السياسي مطالبة بتوضيح أثر سياساتها على حماية المدنيين.

الاختبار الحقيقي لمصر والسعودية وقطر وتركيا

لا يمكن قياس جدية هذه الدول في دعم السودان بعدد الطائرات التي تحمل المساعدات أو البيانات الدبلوماسية التي تؤكد التضامن، بل بمدى استعدادها لاستخدام نفوذها لوقف الحرب.

فإذا كانت مصر حريصة على أمن السودان، فعليها دعم مسار سياسي لا يحتكر فيه الجيش السلطة. وإذا كانت السعودية تريد حماية البحر الأحمر، فعليها الضغط من أجل وقف القتال ومنع تحويل الموانئ إلى امتيازات سياسية. وإذا كانت قطر تريد مساعدة الشعب السوداني، فعليها ضمان استقلال المساعدات عن الاصطفافات السياسية. وإذا كانت تركيا تريد شراكة استراتيجية، فعليها الالتزام بالشفافية بشأن صفقات السلاح وعدم تغليب المصالح الدفاعية والتجارية على حماية المدنيين.

إن السودان لا يحتاج إلى مساعدات تستخدم لتجميل صورة السلطة، ولا إلى وساطات تسمح باستمرار الحرب، ولا إلى علاقات اقتصادية تستغل ضعف الدولة. إنه يحتاج إلى سلام حقيقي يوقف نزيف الدم، ويعيد المؤسسات إلى الشعب، ويحمي الأراضي والثروات من الصفقات غير الخاضعة للرقابة.

فالمساعدة الحقيقية ليست أن تصل طائرة تحمل الغذاء إلى مطار بورتسودان بينما تستمر الطائرات العسكرية في قصف المدن، بل أن تتوقف الحرب التي جعلت ملايين البشر في حاجة إلى تلك المساعدات أصلاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى