تسريبات

مصفاة الجيلي.. عندما تحوّل الكلور من مادة لتنقية المياه إلى سلاح يهدد حياة السودانيين


لم تكن منطقة الجيلي شمال الخرطوم، في سبتمبر 2024، مجرد موقع استراتيجي تتنافس القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع للسيطرة عليه. فقد تحولت المصفاة، التي تعد واحدة من أهم المنشآت النفطية في البلاد، إلى محور اتهامات خطيرة تتعلق باستخدام مواد كيميائية سامة خلال العمليات العسكرية، في واقعة أثارت تساؤلات بشأن طبيعة الأسلحة التي استخدمها الجيش السوداني، ومدى استعداد قيادة عبد الفتاح البرهان للذهاب بعيداً في سبيل استعادة المواقع التي فقدتها خلال الحرب.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة لأن الحديث لا يتعلق فقط باستخدام أسلحة تقليدية في محيط منشأة صناعية، وإنما باتهامات بإسقاط حاويات تحتوي على الكلور، وهي مادة شديدة الخطورة عندما تُستخدم بتركيزات ووسائل تجعلها تنتشر في الهواء وتؤثر على الجهاز التنفسي للإنسان. فالكلور، الذي يرتبط في الاستخدام المدني بعمليات تعقيم المياه ومكافحة الجراثيم، يمكن أن يتحول إلى مادة خانقة ومميتة عندما يُوظف في صناعة الذخائر الكيميائية. وهنا تكمن المفارقة الأكثر مأساوية: مادة يفترض أن تساعد السودانيين في الحصول على مياه آمنة قد تصبح، وفق التحقيقات، جزءاً من منظومة عسكرية تهدد حياتهم.

بدأت تفاصيل القضية تخرج إلى العلن بصورة أكثر وضوحاً مع التحقيقات التي تناولت الهجمات المشتبه بها في محيط مصفاة الجيلي يومي الخامس والثالث عشر من سبتمبر 2024. وقد عمل فريق فرانس 24 للتحقيقات الرقمية على جمع وتحليل عشرات الصور والمقاطع المصورة، ومقارنتها بشهادات أشخاص كانوا موجودين في المنطقة، إلى جانب الاستعانة بخبراء متخصصين في الذخائر والمواد الكيميائية. وخلص التحقيق المنشور في أكتوبر 2025 إلى أن الصور التي جرى التحقق من تاريخها ومواقعها وسياقها تقدم أدلة قوية على إسقاط حاويات كلور من الجو في مناسبتين على الأقل بمنطقة الجيلي.

وتشير الشهادات التي تناولتها التحقيقات إلى أن عدداً من العاملين في محيط المصفاة تعرضوا لأعراض صحية مفاجئة، شملت صعوبات في التنفس وحرقة في العينين، بعد نشاط عسكري جوي شهدته المنطقة. وهذه التفاصيل تكتسب أهمية بالغة، لأنها تضع حياة العاملين المدنيين في قلب القضية، وتطرح تساؤلات حول ما إذا كانت العمليات العسكرية قد اتخذت الاحتياطات الضرورية لحماية الأشخاص الذين لا يشاركون في القتال.

إن المدنيين الموجودين في المناطق الصناعية لا يتحولون إلى أهداف عسكرية لمجرد أن منشأة يعملون فيها أصبحت تحت سيطرة أحد أطراف النزاع. كما أن وجود قوات مسلحة في محيط منشأة معينة لا يلغي الالتزامات القانونية المتعلقة بالتمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين. وإذا ثبت استخدام مادة كيميائية سامة في هجوم لا يميز بين المقاتلين والعاملين والأشخاص الموجودين في المحيط، فإن الأمر يتجاوز الانتهاك العسكري التقليدي إلى مستوى بالغ الخطورة من الانتهاكات المحتملة للقانون الدولي الإنساني.

ولعل أكثر ما يثير القلق في واقعة الجيلي هو طبيعة المادة التي يجري الحديث عنها. فالكلور ليس مادة غامضة أو مجهولة الاستخدام، بل هو عنصر معروف في الصناعات الكيميائية ومعالجة المياه. غير أن تحويله إلى سلاح يتطلب وسائل تعبئة وإطلاق وظروفاً تسمح بتسربه وانتشاره في الهواء. ولذلك فإن التحقيق في مصدر الحاويات وطريقة تصنيعها والجهة التي جهزتها والطائرات التي استخدمتها، يمثل مدخلاً أساسياً لفهم ما جرى.

وفي هذا السياق، كشفت التحقيقات الصحفية عن مسارات محتملة لوصول شحنات الكلور إلى السودان، وتحدث تحقيق فرانس 24، الذي أُنجز بالتعاون مع مؤسسة C4ADS، عن تتبع وثائق مرتبطة بشركة هندية صدّرت المادة إلى السودان. ووفق ما نقلته التحقيقات، فإن الجهة الموردة قالت إن المستورد أكد أن الكلور مخصص لمعالجة مياه الشرب. وهذه النقطة تفتح ملفاً بالغ الحساسية يتعلق بالرقابة على المواد الكيميائية ذات الاستخدام المزدوج، وكيف يمكن تحويل إمدادات مدنية مشروعة إلى مواد تدخل في صناعة أسلحة محظورة. 

فالسودان يعاني أصلاً من أزمة حادة في الحصول على المياه النظيفة، نتيجة تدمير البنية التحتية وانقطاع الكهرباء وتعطل محطات المعالجة وتراجع الخدمات الأساسية. وتشير تقديرات دولية تناولتها تقارير مراقبة التسلح إلى أن ملايين السودانيين يواجهون صعوبات في الوصول إلى مياه آمنة. وفي ظل هذا الواقع، فإن أي تحويل للكلور من استخدامه المدني إلى استخدام عسكري لا يمثل تهديداً مباشراً للأشخاص الموجودين في مواقع الهجوم فحسب، بل يهدد أيضاً منظومة الصحة العامة، ويزيد المخاطر المرتبطة بتوفير المياه ومعالجتها في بلد يعيش واحدة من أكبر أزماته الإنسانية.

ولم تتوقف القضية عند التحقيقات التي تناولت مصفاة الجيلي. ففي سبتمبر 2026، نشرت يورونيوز تحقيقاً عن تقرير أعده مسؤولون سابقون في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، تحدث عن مقابلات مع ثمانية شهود ومؤشرات اعتبرها معدو التقرير جديرة بالتحقيق، من بينها أعراض تنفسية حادة وروائح غير معتادة وآثار محتملة على النباتات في مواقع مرتبطة بحوادث عسكرية. واعتبر الخبراء أن واقعة الجيلي تستحق اهتماماً دولياً خاصاً، ودعوا إلى فتح تحقيق من قبل المنظمة المختصة.

إن شهادات العاملين في المصفاة، إذا ما جرى دعمها بالفحوص الطبية والبيئية والتحاليل المخبرية، يمكن أن تكون جزءاً مهماً من ملف إثبات الحقيقة. لكن الاعتماد على الأعراض وحدها لا يكفي لتحديد نوع المادة أو إثبات مصدرها، لأن صعوبات التنفس وحرقة العينين قد تنتج أيضاً عن أسباب أخرى، خصوصاً في المناطق الصناعية التي تعرضت للقصف والحرائق والانفجارات. ولهذا السبب، تظل الحاجة قائمة إلى تحليل العينات البيئية والطبية، وفحص بقايا الحاويات والذخائر، ومقارنة نتائج المختبرات بشهادات الشهود والأدلة المصورة.

وتتضاعف أهمية التحقيق لأن مصفاة الجيلي كانت تحت سيطرة قوات الدعم السريع خلال الفترة التي تناولتها الاتهامات، وكانت تمثل موقعاً مهماً في معركة السيطرة على شمال الخرطوم. غير أن وجود خصم عسكري في منطقة معينة لا يمنح أي طرف حق استخدام سلاح محظور. فالقانون الدولي لا يضع استثناءات تتيح استخدام المواد الكيميائية السامة لمجرد أن الهدف يقع تحت سيطرة قوة معادية.

وفي المقابل، تبرز مسؤولية البرهان بصفته قائداً عاماً للجيش ورئيساً للسلطة الفعلية في البلاد. فالقضية لا تتعلق فقط بمن نفذ الهجوم، وإنما أيضاً بالجهة التي أصدرت الأوامر، والقيادات التي أشرفت على تجهيز الذخائر، والمؤسسات التي وفرت المواد، والضباط الذين كانوا على علم بطبيعة استخدامها. ولا يمكن الجزم بمسؤولية جنائية شخصية للبرهان من مجرد موقعه القيادي، لكن هذا الموقع يجعل المطالبة بالكشف عن سلسلة القيادة والقرارات العسكرية أمراً مشروعاً وضرورياً.

وتزداد هذه الأسئلة إلحاحاً بعد التحقيقات التي نشرتها نيويورك تايمز وواشنطن بوست في سبتمبر 2026، والتي تناولت ملفاً يتضمن صوراً ووثائق واتصالات تزعم وجود برنامج عسكري لإنتاج ذخائر تعتمد على الكلور. وتحدثت المواد عن تجارب في مناطق صحراوية، وعن تحويل شحنات من الكلور المخصص للاستخدام المدني إلى أغراض عسكرية، إضافة إلى محاولات لإخفاء بعض أنشطة البرنامج.

لكن المسؤولية عن حماية المدنيين لا يمكن أن تتحول إلى موضوع ثانوي في خضم التنافس العسكري. فالعاملون الذين تعرضوا للأعراض الصحية، وأسرهم، وسكان المناطق المجاورة، يستحقون معرفة ما حدث، والحصول على الرعاية الطبية اللازمة، والتأكد من عدم استمرار وجود تلوث كيميائي في البيئة المحيطة. كما أن أي تحقيق جاد يجب أن يتضمن برامج للفحص الطبي طويل الأمد، لأن بعض آثار التعرض للمواد السامة قد لا تظهر بصورة كاملة في الساعات الأولى.

ومن هنا، فإن المطلوب من السلطات السودانية ليس إصدار بيانات تنفي الاتهامات، وإنما السماح بتحقيق مستقل لا يخضع لسيطرة أي طرف من أطراف الحرب. كما أن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية مطالبة بتحديد ما إذا كانت هناك مواد أو ذخائر أو مواقع إنتاج تحتاج إلى تفتيش، وتحديد طبيعة الحوادث التي وردت بشأنها شهادات وأدلة.

إن مصفاة الجيلي قد تكون واحدة من أكثر المحطات حساسية في تاريخ الحرب السودانية، ليس فقط بسبب قيمتها الاقتصادية والعسكرية، وإنما لأنها أصبحت رمزاً لأسئلة أكبر تتعلق بحدود استخدام القوة، وبمدى احترام حياة المدنيين، وبإمكانية تحول المنشآت المدنية إلى مسار لتوفير المواد المستخدمة في صناعة أسلحة محظورة.

فإذا ثبت أن الكلور الذي كان يفترض أن ينقي مياه السودانيين قد استُخدم في ذخائر عسكرية، فإن المأساة ستكون أكبر من مجرد حادثة في محيط مصفاة. وستكون دليلاً على أن الحرب لم تعد تستهدف السيطرة على الأرض وحدها، بل باتت تهدد أبسط مقومات الحياة: الهواء الذي يتنفسه المواطن والماء الذي يحتاج إليه للبقاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى