تسريبات

أراضي السودان للسعودية.. هل تحوّلت الحرب إلى صفقة نفوذ مقابل دعم البرهان؟


من المساعدات الإنسانية إلى صفقات السلاح والاستثمارات الزراعية ومشروعات الموانئ.. تتزايد التساؤلات حول طبيعة الدور السعودي في الحرب السودانية، وما إذا كانت الرياض قد انتقلت من موقع الوسيط المعلن إلى موقع الشريك السياسي والاقتصادي والعسكري للسلطة القائمة في بورتسودان، بما يضمن لها نفوذاً واسعاً على مستقبل السودان وموارده الاستراتيجية.

منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023، حرصت المملكة العربية السعودية على تقديم نفسها باعتبارها أحد أبرز الأطراف الساعية إلى وقف القتال، مستندة إلى استضافتها محادثات جدة وإعلانها المتكرر دعم وحدة السودان وحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية. غير أن تطورات العلاقات السعودية مع قيادة الجيش السوداني، والتحركات الاقتصادية والاستثمارية المتسارعة، تفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز الخطاب الدبلوماسي الرسمي: هل يقتصر الدور السعودي على الوساطة والمساعدات، أم أن الرياض تعمل أيضاً على بناء نفوذ طويل الأمد داخل السودان، مستفيدة من اعتماد السلطة العسكرية عليها في مرحلة الحرب؟

وتكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة في ظل تقارير تحدثت عن انحياز سياسي سعودي متزايد إلى القوات المسلحة السودانية بقيادة عبد الفتاح البرهان، وعن ترتيبات تسليح وتعاون عسكري، بالتوازي مع طموحات استثمارية تشمل الأراضي الزراعية والموانئ والبنية التحتية. وهي ملفات تجعل العلاقة بين الطرفين موضع اهتمام، خصوصاً عندما تتقاطع احتياجات السلطة العسكرية للبقاء مع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لدولة إقليمية تمتلك إمكانات مالية وسياسية كبيرة.

من وسيط جدة إلى داعم للبرهان

قدّمت السعودية نفسها منذ بداية الحرب باعتبارها راعياً للمفاوضات بين الجيش وقوات الدعم السريع، واستضافت جولات جدة التي أفضت إلى إعلان 11 مايو 2023 بشأن حماية المدنيين، ثم استمرت المحادثات في نوفمبر من العام نفسه بهدف تسهيل المساعدات الإنسانية وبناء إجراءات لوقف إطلاق النار. لكن هذه الجهود لم تنجح في إنهاء الحرب أو فرض تسوية ملزمة على الطرفين.

في المقابل، تشير تحليلات أوروبية إلى أن الرياض تميل سياسياً إلى القوات المسلحة السودانية، وأن مصالحها الإقليمية والأمنية تجعل علاقتها بالقيادة العسكرية في بورتسودان ذات أهمية خاصة. ووفق تحليل المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية الصادر في يوليو 2025، فإن المصالح الخليجية المتنافسة في السودان تشمل النفوذ السياسي والوصول إلى الموارد الزراعية والحيوانية والمعدنية.

ولا يتعلق الأمر بمجرد اتصالات دبلوماسية عابرة. ففي 20 أبريل 2026، استقبل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عبد الفتاح البرهان في جدة، في اجتماع تناول تطورات السودان ومستقبل أمنه واستقراره. ويعكس هذا اللقاء مستوى التواصل السياسي المباشر بين القيادة السعودية ورأس السلطة العسكرية السودانية.

السلاح.. المساعدات العسكرية خلف واجهة الدعم السياسي

من أكثر الملفات إثارة للتساؤلات طبيعة التعاون العسكري بين الرياض والسلطة السودانية. فقد أوردت تقارير وتحقيقات منشورة خلال عام 2026 معلومات عن ترتيبات تسليح وتسهيلات لوجستية يُقال إنها عززت قدرات الجيش السوداني على مواصلة العمليات العسكرية.

وفي هذا السياق، نشر المركز الأوروبي للدراسات الاستراتيجية والسياسات في 14 يوليو 2026 تحقيقاً اتهم فيه شبكات مرتبطة بالسعودية بتسهيل مسارات إمداد عسكرية ولوجستية لصالح القوات المسلحة السودانية، مستنداً إلى ما قال إنه تحليل لسجلات التجارة والشحن البحري وحركة الطيران والمعاملات المالية. وتناول التحقيق أيضاً مسارات مشتريات الأسلحة والذخائر، وتسهيلات نقل معدات عسكرية عبر موانئ وشبكات إمداد إقليمية. لكن هذه النتائج تظل ادعاءات واردة في تحقيق صادر عن المركز، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها إثباتاً قضائياً نهائياً لمسؤولية الدولة السعودية عن كل عملية تسليح.

كما كشفت تطورات صفقة السلاح السودانية الباكستانية عن حجم الترابط بين الحسابات السعودية والقدرات العسكرية للجيش السوداني. ففي أبريل 2026، نقلت وكالة رويترز عن مصادر أمنية ودبلوماسية باكستانية أن صفقة أسلحة وطائرات بقيمة 1.5 مليار دولار جرى تعليقها بعد اعتراض سعودي وسحب الرياض خطط تمويلها. وكانت الصفقة قد ارتبطت بترتيبات لتزويد السودان بطائرات ومعدات عسكرية.

وتكشف هذه الواقعة، بصرف النظر عن توقف الصفقة، أن السعودية تمتلك نفوذاً مالياً وسياسياً يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة في حصول الجيش السوداني على المعدات العسكرية، سواء عبر التمويل أو تسهيل التعاقدات أو تعطيلها.

وهنا يبرز السؤال الأساسي: إذا كانت الرياض قادرة على التأثير في مسارات التسليح والتمويل، فما حدود مسؤوليتها عن استمرار اعتماد القيادة العسكرية السودانية على الحل العسكري؟ وهل تتعارض هذه السياسات مع دور الوسيط الذي تعلنه المملكة في المحافل الدولية؟

الأراضي الزراعية.. امتيازات طويلة الأمد في بلد ينهكه الدمار

إذا كان التعاون العسكري يمثل أحد أوجه العلاقة بين الرياض وبورتسودان، فإن الأراضي الزراعية تمثل وجهاً آخر لا يقل أهمية، خصوصاً أن السودان يمتلك مساحات زراعية شاسعة وموارد مائية وأراضي خصبة تجعل منه أحد أهم المواقع الاستراتيجية للاستثمار الغذائي.

وتعود جذور هذا الملف إلى عام 2016، عندما وافق البرلمان السوداني على اتفاق يمنح السعودية حق استغلال مليون فدان من الأراضي الزراعية في شرق السودان لمدة 99 عاماً. وتوثق قاعدة بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية هذه الاتفاقية، التي تثير أسئلة حول طبيعة الامتيازات الممنوحة للاستثمارات الأجنبية، ومدى انعكاسها على السيادة الاقتصادية السودانية وحقوق المجتمعات المحلية.

وتزداد أهمية هذا الملف اليوم لأن السودان يعيش انهياراً اقتصادياً وإنسانياً غير مسبوق، فيما أصبحت السلطة العسكرية بحاجة إلى مصادر تمويل واستثمارات خارجية تساعدها على إعادة بناء المؤسسات والبنية التحتية الخاضعة لسيطرتها.

وفي يناير 2026، نقلت صحيفة «سودان تريبيون» أن وزارة النقل والبنية التحتية السودانية أعلنت منح الشركات السعودية أولوية في مشروعات إعادة الإعمار، بما يشمل السكك الحديدية وتطوير الموانئ والمناطق اللوجستية، إلى جانب مناقشة مشروع ميناء أبو عمامة. كما تحدثت الصحيفة عن توجه سوداني لاستقطاب الاستثمارات السعودية في قطاعات استراتيجية.

وهنا تتجاوز القضية حدود الاستثمار التجاري التقليدي، لتطرح تساؤلات عن طبيعة المقابل السياسي والاقتصادي الذي يمكن أن تحصل عليه الرياض لقاء توسيع حضورها في بلد يمتلك موقعاً بالغ الأهمية على البحر الأحمر، وموارد زراعية ومعدنية ضخمة.

فهل تتحول حاجة السودان إلى إعادة الإعمار إلى مدخل لمنح امتيازات طويلة الأمد للشركات الأجنبية؟ وهل يجري توظيف ضعف السلطة التفاوضية الناتج عن الحرب للحصول على مواقع اقتصادية واستراتيجية كان من الصعب الحصول عليها في ظروف سياسية طبيعية؟

المساعدات الإنسانية.. أين تنتهي الإغاثة وتبدأ المصالح السياسية؟

لا يمكن إنكار أهمية المساعدات الإنسانية السعودية المقدمة للسودانيين، خصوصاً في ظل النزوح والجوع وانهيار الخدمات الأساسية. لكن وجود مساعدات إنسانية لا يمنح أي دولة حصانة من المساءلة بشأن بقية سياساتها.

فالمشكلة التي تستحق التحقيق ليست في تقديم المساعدات بحد ذاته، وإنما في احتمال تزامن النشاط الإغاثي مع دعم سياسي وعسكري واقتصادي لطرف من أطراف الحرب.

وإذا ثبت وجود قنوات لوجستية أو مالية تسهّل استمرار الإمدادات العسكرية للجيش، فإن ذلك يستوجب فحص مدى اتساقها مع التصريحات السعودية الداعية إلى وقف إطلاق النار وحماية المدنيين.

إن السودان لا يحتاج إلى مساعدات تخفف آثار الحرب في الوقت الذي تستمر فيه العوامل التي تغذيها، بل يحتاج إلى سياسة إقليمية تضع إنهاء القتال فوق حسابات النفوذ والامتيازات الاقتصادية.

البرهان والرياض.. علاقة تتجاوز حدود التحالف السياسي؟

تتزايد أهمية العلاقة بين البرهان والقيادة السعودية مع انتقال التعاون من الاتصالات السياسية إلى مناقشة ملفات إعادة الإعمار والموانئ والاستثمارات والتعاون العسكري.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل منح الشركات السعودية أولوية في مشروعات استراتيجية عن حاجة السلطة القائمة في بورتسودان إلى حلفاء يمتلكون القدرة المالية والدبلوماسية على دعمها.

وتكمن الإشكالية في أن أي ترتيبات اقتصادية أو استثمارية كبرى تُبرم في ظل غياب مؤسسات مدنية منتخبة ورقابة مستقلة قد تتحول إلى التزامات طويلة الأمد لا تعكس بالضرورة مصالح السودانيين، ولا سيما إذا ارتبطت بمواقع استراتيجية وأراضٍ زراعية وموارد طبيعية.

ولا توجد حتى الآن أدلة منشورة كافية تثبت أن البرهان منح السعودية الأراضي أو الامتيازات الاقتصادية مقابل شحنات أسلحة محددة. لكن وجود اتفاقات زراعية سابقة، وتوجهات لمنح الشركات السعودية الأولوية في الإعمار، والتقارير المتعلقة بالتعاون العسكري، يجعل العلاقة المالية والسياسية بين الطرفين ملفاً يستحق تحقيقاً مستقلاً وشفافاً.

السودان بين كلفة الحرب وثمن النفوذ

المعضلة الأساسية أن السودان أصبح ساحة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية. فكلما طال أمد الحرب، ازدادت حاجة السلطة العسكرية إلى الدعم الخارجي، وأصبحت قدرتها على التفاوض بشأن الاستثمارات والموارد مرتبطة بمدى اعتمادها على حلفائها.

ومن هنا تبرز ضرورة الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الجوهرية:

  • ما حجم الأراضي الزراعية التي حصلت عليها الشركات السعودية بموجب الاتفاقات القديمة والجديدة؟

  • هل جرى تنفيذ اتفاق المليون فدان لمدة 99 عاماً، وما الوضع القانوني الحالي له؟

  • ما طبيعة التعاون العسكري واللوجستي بين الرياض والقيادة العسكرية السودانية؟

  • هل توجد تحويلات مالية أو ترتيبات تمويل مرتبطة بمشتريات السلاح؟

  • ما تفاصيل الاتفاقات المتعلقة بميناء أبو عمامة والموانئ السودانية الأخرى؟

  • هل توجد تفاهمات غير معلنة تربط الدعم السياسي والعسكري بامتيازات اقتصادية مستقبلية؟

في المحصلة، لا تكمن القضية في حق السعودية في الاستثمار داخل السودان أو تقديم المساعدات لشعبه، وإنما في ضرورة الكشف عن حقيقة العلاقة بين الدعم السياسي والعسكري والامتيازات الاقتصادية. فالسودان ليس أرضاً بلا أصحاب، وموارده ليست ملكاً للسلطة العسكرية كي تتصرف فيها بمعزل عن الشعب ومؤسساته.

إن أخطر ما يمكن أن تفرزه الحرب ليس فقط الدمار والنزوح وفقدان الأرواح، بل أن تنتهي المعركة إلى إعادة توزيع ثروات السودان وأراضيه ومواقعه الاستراتيجية وفق موازين القوة التي فرضتها الحرب، لا وفق إرادة السودانيين ومصالحهم الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى