غارات مصرية على منقّبي الذهب في السودان تثير تساؤلات بشأن حصيلة الضحايا وأهداف العملية العسكرية
طائرات إف-16 مصرية تقصف عمال مناجم الذهب السودانيين بقنابل زنة 400 كيلوغرام
أعادت الغارات الجوية التي استهدفت منقّبين تقليديين عن الذهب في منطقة حدودية بين السودان ومصر تسليط الضوء على المخاطر التي يواجهها المدنيون في مناطق التعدين، وسط تضارب التقديرات بشأن عدد القتلى وحجم الخسائر البشرية التي خلفتها الضربات. وبحسب التقرير الذي نشرته شبكة «عاين» السودانية، استخدمت مقاتلات مصرية من طراز «إف-16» قنابل تزن الواحدة منها نحو 400 كيلوغرام، في هجوم استهدف مواقع يعمل فيها منقّبون عن الذهب بمنطقة شمال الوادي، في سياق أمني معقد تتداخل فيه أنشطة التعدين التقليدي مع النزاع الحدودي والاعتبارات العسكرية المصرية. وأشار التقرير إلى أن الغارات نُفذت يوم السبت، وأنها أثارت مخاوف واسعة بشأن مصير العاملين في المنطقة، ولا سيما أن التعدين يمثل بالنسبة إلى كثيرين مصدر دخل أساسيًا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب.
وتبرز حصيلة الضحايا بوصفها إحدى أكثر النقاط إثارة للقلق في القضية، إذ نقل التقرير عن محامين مختصين في حالات الطوارئ تقديرات تشير إلى مقتل نحو 72 شخصًا، في حين رجّح مسؤول صحي مشارك في علاج المصابين أن تكون الحصيلة النهائية أعلى من ذلك بكثير، مع احتمال وصولها إلى ما بين 150 و250 قتيلًا. ويعكس التفاوت بين هذه التقديرات صعوبة الوصول إلى أرقام دقيقة في المناطق التي تفتقر إلى بنية صحية قادرة على التعامل مع الحوادث واسعة النطاق، فضلًا عن العقبات التي تواجه عمليات حصر الضحايا وتحديد هوياتهم ونقل المصابين إلى مرافق العلاج. ومع ذلك، فإن اختلاف الأرقام لا يقلل من خطورة التقارير المتعلقة بسقوط أعداد كبيرة من القتلى، بل يجعل الحاجة إلى تحقيق مستقل أكثر إلحاحًا، خصوصًا في ظل عدم توافر حصيلة نهائية موثقة يمكن الاستناد إليها لتحديد الحجم الحقيقي للخسائر البشرية.
وتكتسب طبيعة الأسلحة المستخدمة أهمية خاصة في فهم آثار الهجوم، إذ ذكر التقرير أن الطائرات استعملت قنابل مصرية الصنع من طراز «ناصر»، وهي ذخائر غير موجّهة، ويبلغ وزن الواحدة منها نحو 400 كيلوغرام. وتختلف هذه القنابل عن الذخائر الموجّهة التي تعتمد على أنظمة تساعدها على تصحيح مسارها نحو هدف محدد، الأمر الذي يجعل تقييم آثار استخدامها مرتبطًا بعوامل متعددة، من بينها دقة تحديد الهدف، وطبيعة المنطقة المستهدفة، ومدى وجود مدنيين بالقرب من موقع القصف. ولا يمكن، استنادًا إلى نوع السلاح وحده، إصدار حكم نهائي بشأن قانونية الهجوم أو تحديد المسؤولية عن كل إصابة، لكن استخدام ذخائر ثقيلة في منطقة يعمل فيها منقّبون تقليديون يستدعي تدقيقًا في المعلومات المتعلقة بالأهداف التي جرى تحديدها قبل تنفيذ الغارات، والإجراءات التي اتُخذت لتقليل المخاطر على الأشخاص الموجودين في الموقع.

وتشير الشهادات التي أوردها التقرير إلى أن المنقّبين كانوا يمارسون أنشطتهم في المنطقة بحثًا عن الذهب، في وقت أصبحت فيه أعمال التعدين التقليدي إحدى الوسائل التي يلجأ إليها السكان لتأمين احتياجاتهم الأساسية. وقد أدى اتساع رقعة الحرب وتراجع فرص العمل في مناطق مختلفة من السودان إلى زيادة أهمية الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية بالنسبة إلى شرائح من السكان، الأمر الذي يجعل أي عملية عسكرية تستهدف مواقع التعدين ذات آثار تتجاوز الخسائر المباشرة. فإلى جانب القتلى والجرحى، يمكن أن تتسبب الضربات في تعطيل مصادر دخل الأسر، وتفاقم الأوضاع المعيشية للأشخاص الذين يعتمدون على العمل اليومي، فضلًا عن زيادة مخاوف العاملين في المناطق الحدودية من التعرض لهجمات جديدة.

وفي المقابل، أعلن متحدث عسكري مصري أن القوات المصرية تنفذ حملة لمكافحة التعدين غير القانوني لخامات الذهب، وأن الهدف من الإجراءات هو فرض السيادة داخل الحدود المصرية وحماية الموارد الوطنية. ويقدم هذا الموقف تفسيرًا رسميًا للعملية باعتبارها جزءًا من تدابير أمنية مرتبطة بالحدود والأنشطة غير القانونية، لكنه لا يحسم وحده جميع الأسئلة المتعلقة بمكان تنفيذ الضربات، وطبيعة الأهداف التي جرى استهدافها، وهوية الأشخاص الذين كانوا موجودين في المواقع المقصوفة. فالتأكيد على مكافحة التعدين غير القانوني يظل مختلفًا عن إثبات أن كل شخص استُهدف كان مشاركًا في نشاط يشكل تهديدًا عسكريًا، كما أن وجود خلاف بشأن الحدود لا يلغي ضرورة التحقق من ظروف استخدام القوة وآثارها على المدنيين.

وتزداد أهمية هذه الأسئلة في ضوء ما أورده التقرير عن عملية عسكرية سابقة في المنطقة، قال الجيش المصري إنها أسفرت عن مقتل 23 منقّبًا عن الذهب في يونيو الماضي. ويشير تكرار الحوادث، إذا تأكدت تفاصيلها من خلال تحقيقات مستقلة، إلى ضرورة مراجعة الإجراءات التي تعتمدها الأطراف المعنية عند التعامل مع أنشطة التعدين قرب الحدود، بدلًا من الاكتفاء بالتصريحات المتبادلة بعد وقوع الخسائر. كما يثير غياب النتائج المعلنة للتحقيق السابق تساؤلات بشأن مدى قدرة الجهات الرسمية على تقديم توضيحات مقنعة لأسر الضحايا والرأي العام، وضمان عدم تكرار الحوادث ذاتها.

وفي السودان، أعلن رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن الهجوم، وفقًا لما نقله التقرير، لكن فعالية هذه الخطوة ستتوقف على قدرة اللجنة على الوصول إلى الأدلة والشهود، وتحديد المسؤوليات، ونشر نتائج يمكن التحقق منها. فمجرد الإعلان عن التحقيق لا يكفي لتوضيح ملابسات الغارات، خصوصًا إذا لم تُعلن نتائجه أو لم تُرفق بأدلة تفصيلية تتيح تقييم ما حدث. وتحتاج عملية تقصي الحقائق إلى فحص مواقع القصف، ومراجعة الصور والشهادات، والتحقق من أنواع الذخائر المستخدمة، ومقارنة توقيت الضربات بالمعلومات المتاحة عن حركة الأشخاص في المنطقة.

وفي نهاية المطاف، لا تتعلق القضية بمجرد خلاف بشأن التعدين أو إدارة الحدود، بل بمصير أشخاص قُتلوا أو أُصيبوا أثناء وجودهم في مواقع عملهم، وبحق أسرهم في معرفة ما جرى ومحاسبة المسؤولين إذا ثبت وقوع انتهاكات. وبين الرواية المصرية التي تربط العملية بمكافحة التعدين غير القانوني، والتقارير السودانية التي تتحدث عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، تبقى الحاجة قائمة إلى تحقيق مستقل يحدد الوقائع بدقة، ويفصل بين الادعاءات والمعلومات المثبتة، ويكشف طبيعة الأهداف التي استُهدفت والاحتياطات التي اتُّخذت قبل تنفيذ الهجوم. ومن دون هذه الخطوة، ستظل الحصيلة البشرية موضع خلاف، وستبقى الأسئلة المتعلقة بمبررات العملية وآثارها الإنسانية من دون إجابات حاسمة.




