تسريبات

الجيش والحركات المسلحة في السودان.. تحالف الحرب أمام اختبار المصالح والسلطة


لم يعد التحالف الذي جمع القوات المسلحة السودانية بعد اندلاع الحرب مع عدد من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام مجرد ترتيبات ميدانية فرضتها ظروف القتال، بل تحول إلى واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في مستقبل الدولة السودانية. فالقوات التي كانت تقاتل إلى جانب الجيش في جبهات مختلفة أصبحت جزءاً من المعادلة الأمنية والسياسية، بينما بدأت قيادة الجيش في 2026 خطوات عملية باتجاه إدماج هذه القوات داخل مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية. وبينما ترى القيادة العسكرية أن توحيد السلاح تحت مؤسسة وطنية واحدة يمثل جزءاً من إعادة بناء الدولة، تخشى قيادات في الحركات المسلحة أن يؤدي الدمج من دون ضمانات سياسية إلى فقدان نفوذها ومواقعها في المرحلة المقبلة.

وتعود جذور هذه المسألة إلى اتفاق جوبا للسلام الموقع في أكتوبر 2020، والذي نص بصورة واضحة على دمج قوات الحركات المسلحة الموقعة في المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية وفق ترتيبات وجداول زمنية محددة. وكان الهدف المعلن من هذه العملية بناء جيش وطني موحد، وإنهاء تعدد مراكز حمل السلاح داخل الدولة. وينص الاتفاق على أن الغاية النهائية من عملية الدمج هي قيام جيش وطني مهني موحد تكون له وحده سلطة استخدام القوة العسكرية، مع إدماج القوات الأخرى الموجودة في البلاد ضمن هذا الإطار.

غير أن تطبيق هذه الترتيبات تعثر قبل اندلاع الحرب، بسبب الخلافات السياسية ونقص التمويل وتعقيدات عملية جمع القوات وتدريبها وإعادة توزيعها. وعندما اندلعت الحرب في أبريل 2023، وجد الجيش نفسه أمام واقع جديد؛ فقد أصبحت القوات التابعة لبعض الحركات المسلحة حليفاً عسكرياً مهماً في مواجهة القتال، خصوصاً في دارفور وكردفان ومناطق أخرى. وبدلاً من أن يكون الدمج مشروعاً مؤسسياً يجري في ظروف سلمية، أصبحت مسألة القوات مرتبطة مباشرة بضرورات الحرب وموازين القوة على الأرض.

ومن أبرز التشكيلات التي ظهرت في هذا السياق «القوة المشتركة» التي تضم حركات وقعت على اتفاق جوبا، من بينها حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم وفصائل أخرى. وقد قاتلت هذه القوات إلى جانب الجيش منذ المراحل الأولى للحرب، قبل أن يصبح مستقبلها واحداً من الملفات التي تتطلب حلاً سياسياً وأمنياً. وفي أبريل 2026، أكدت القوة المشتركة أن تحركاتها في الخرطوم جرت بالتنسيق مع القيادة العسكرية، في وقت كانت فيه تقارير إعلامية تتحدث عن توترات داخل التحالف المؤيد للجيش.

لكن التنسيق العسكري لا يعني بالضرورة تطابق المصالح السياسية. فمع استمرار الحرب، برزت مسألة مختلفة: ماذا سيحدث لهذه الحركات إذا انتهت الحرب أو انتقلت البلاد إلى مرحلة سياسية جديدة؟ وهل ستحتفظ بقواتها المستقلة؟ أم ستندمج بالكامل في الجيش؟ أم ستطالب بترتيبات خاصة تحفظ لها وجوداً عسكرياً وسياسياً في المناطق التي تتمتع فيها بنفوذ تاريخي؟

هذه الأسئلة أصبحت أكثر إلحاحاً مع بدء الجيش خطوات عملية نحو دمج القوات المتحالفة. ففي مارس 2026 أعلن الفريق ياسر العطا أن الجيش سيبدأ تفعيل آليات لتنظيم وإدماج القوات غير النظامية المتحالفة معه في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، موضحاً أن من يستوفون المعايير العسكرية يمكن أن يلتحقوا بالجيش، بينما يمكن توجيه آخرين إلى الشرطة أو الأجهزة الأمنية.

وعلى المستوى النظري، لا يتعارض هذا المسار مع اتفاق جوبا؛ بل إن الاتفاق نفسه ينص على دمج قوات الحركات المسلحة في المؤسسات العسكرية والأمنية. غير أن المشكلة تكمن في الظروف السياسية التي يجري فيها التنفيذ. فالاتفاق وضع ترتيبات للدمج في سياق عملية سلام وانتقال سياسي، بينما يجري تنفيذ الخطوات الجديدة في ظل حرب مستمرة وتحالفات ميدانية متغيرة. ولهذا فإن كل خطوة في اتجاه الدمج تحمل معها أسئلة تتعلق بمستقبل الحركات ومواقع قادتها داخل الدولة.

وتشير تقارير صحفية إلى أن عدداً من قيادات الحركات المسلحة سعى خلال 2026 للحصول على ضمانات سياسية قبل المضي بصورة كاملة في عملية الدمج. ووفق تقرير نشرته «مدى مصر»، تخشى بعض هذه الحركات أن يؤدي استيعاب قواتها داخل المؤسسة العسكرية إلى فقدان النفوذ السياسي الذي كانت تستند إليه قوتها العسكرية، خصوصاً إذا لم تترافق عملية الدمج مع ترتيبات واضحة بشأن مشاركتها في مؤسسات الحكم بعد انتهاء الحرب.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة لأن اتفاق جوبا لم يكن اتفاقاً عسكرياً فقط، بل تضمن ترتيبات لتقاسم السلطة والثروة، إلى جانب الترتيبات الأمنية. ولذلك فإن أي تغيير في وضع القوات يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على وزن الأطراف السياسية التي تقف خلفها. وبعبارة أخرى، فإن السلاح بالنسبة إلى بعض الحركات لم يكن مجرد وسيلة عسكرية، وإنما كان أيضاً أحد مصادر قدرتها على التفاوض والحصول على تمثيل سياسي.

ومن هنا ظهرت إحدى أكثر النقاط حساسية في العلاقة بين القيادة العسكرية وقيادات الحركات المسلحة: الفصل بين القيادة السياسية والقيادة الميدانية.

بحسب تقرير «مدى مصر» في مايو 2026، بدأت قيادة الجيش نقل جزء من التنسيق العسكري من القيادات السياسية للحركات إلى القادة الميدانيين الذين يقودون القوات على الأرض. وتقول مصادر تحدثت إلى الصحيفة إن قنوات اتصال مباشرة أُنشئت بين قادة القوات المشتركة وغرف عمليات الجيش، وهو ما منح القادة الميدانيين دوراً أكبر في إدارة العمليات.

ولا يمكن اعتبار هذا التطور دليلاً بحد ذاته على وجود قطيعة بين الجيش والحركات المسلحة. لكنه يعكس تحولاً مهماً في طبيعة العلاقة: فكلما أصبحت القوات جزءاً من الهيكل العملياتي للجيش، تراجعت قدرة القيادات السياسية للحركات على التحكم المباشر في القوات الموجودة في الميدان. وهذا الوضع يمكن أن يخلق بدوره فجوة بين الجناح السياسي والجناح العسكري داخل الحركة نفسها.

وتبدو هذه المسألة أكثر وضوحاً في حالة الحركات التي تجمع بين قيادة سياسية تشارك في مؤسسات الدولة وقيادة عسكرية لها قوات منتشرة في الجبهات. فوزير المالية جبريل إبراهيم، مثلاً، يقود حركة العدل والمساواة، بينما تقاتل قوات الحركة إلى جانب الجيش ضمن القوة المشتركة. وفي أغسطس 2026 أعلن إبراهيم استعداد الحركة لدمج مقاتليها في الجيش حتى قبل انتهاء الحرب، داعياً إلى تطبيق بروتوكول الترتيبات الأمنية الوارد في اتفاق جوبا. كما أكد ضرورة وجود جيش وطني موحد يحتكر استخدام القوة.

هذا الموقف يوضح أن الخلاف ليس بالضرورة حول مبدأ وجود جيش وطني واحد، وإنما حول شروط الانتقال من القوات المستقلة إلى المؤسسة العسكرية، والضمانات السياسية التي ترافق هذه العملية. ولذلك فإن الحديث عن «صراع» بين الجيش والحركات المسلحة يحتاج إلى قدر من الدقة؛ فالعلاقة تتضمن في الوقت نفسه تعاوناً عسكرياً، وتنافساً سياسياً، ومفاوضات حول مستقبل النفوذ.

وتكشف التطورات الميدانية في المدن عن جانب آخر من المشكلة. ففي يوليو 2026، تحدث تقرير لـ«مدى مصر» عن سلسلة حوادث أمنية في بورتسودان وولاية النيل الأبيض أثارت نقاشاً حول وجود أفراد من القوات المشتركة داخل المدن. وأفاد التقرير بأن السلطات بدأت مراجعة دور القوة المشتركة في المناطق الحضرية بعد حوادث أمنية، فيما دافعت قيادة القوة عن عناصرها، مؤكدة أن ما حدث لا يمثل موقف القوة ككل وأن المسؤولية تقع على أفراد أو مجموعات محدودة.

وتكشف هذه الوقائع عن صعوبة إدارة قوة متعددة التشكيلات والقيادات داخل بيئة حرب. فالاعتماد على حركات مسلحة لأداء مهام أمنية وعسكرية يوفر للجيش قوة بشرية إضافية، لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديات تتعلق بسلسلة القيادة والانضباط وتحديد المسؤولية القانونية. وكلما اتسع انتشار القوات خارج جبهات القتال، زادت الحاجة إلى تحديد واضح للجهة التي تصدر الأوامر والجهة التي تتحمل مسؤولية الأفعال التي يرتكبها الأفراد.

وقد أقرت قيادة من القوة المشتركة، بحسب «مدى مصر»، بوجود حاجة إلى إعادة تنظيم وجودها داخل المدن وحصر مسؤولياتها بصورة أكبر في العمليات العسكرية ومناطق القتال. وهذه النقطة مهمة لأنها تعكس وجود نقاش داخلي داخل التحالف نفسه بشأن كيفية إدارة المرحلة المقبلة، وليس فقط خلافاً بين الجيش والحركات.

وفي الوقت نفسه، فإن استمرار الحرب يجعل من الصعب تنفيذ عملية دمج شاملة بالمعنى المؤسسي. فدمج مقاتلين داخل جيش نظامي يتطلب عمليات فرز وتدقيق وتدريب وإعادة توزيع للرتب والمهام، وهي عمليات نص عليها اتفاق جوبا بصورة تفصيلية. الاتفاق يتحدث عن جمع القوات وفحصها وتدريبها ثم دمجها في وحدات عسكرية وفق تنظيم القوات المسلحة، إضافة إلى إنشاء لجان فنية وآليات مشتركة للإشراف على العملية.

لكن الحرب خلقت واقعاً مختلفاً: بعض هذه القوات أصبح منتشراً بالفعل في ساحات القتال ويعمل ضمن خطط عسكرية مشتركة، الأمر الذي يجعل الانتقال من التحالف الميداني إلى الدمج المؤسسي أكثر تعقيداً. فالقائد الذي كان يتمتع بقدر من الاستقلالية في إدارة قواته قد يجد نفسه أمام سلسلة قيادة جديدة، بينما تخشى القيادة السياسية للحركة أن يؤدي فقدان القوات المستقلة إلى تراجع وزنها التفاوضي.

ولهذا السبب، فإن مستقبل «القوات المشتركة» يرتبط بصورة مباشرة بمستقبل التسوية السياسية في السودان. فإذا انتهت الحرب من خلال اتفاق سياسي شامل، فإن عملية الدمج يمكن أن تصبح جزءاً من إعادة بناء الدولة والمؤسسة العسكرية. أما إذا استمر الصراع، فمن المرجح أن تظل هذه القوات جزءاً من ترتيبات الحرب والتحالفات الميدانية، بما يجعل عملية الدمج الكامل أكثر صعوبة.

وتوجد أيضاً مسألة مالية لا يمكن تجاهلها. فوجود تشكيلات مسلحة متعددة يعني تكاليف مرتبطة بالرواتب والإمدادات والتسليح والنقل والإعاشة والرعاية، في وقت يعاني فيه الاقتصاد السوداني من آثار الحرب وتراجع الإيرادات وتعطل قطاعات إنتاجية واسعة. ومع ذلك، فإن وصف الحركات المسلحة كلها بأنها «عبء مالي» يحتاج إلى أدلة تفصيلية حول حجم الإنفاق الفعلي، لأن جزءاً من هذه القوات يؤدي مهاماً عسكرية وأمنية ضمن ترتيبات الحرب الحالية.

الأكثر دقة هو القول إن الدولة تواجه تكلفة كبيرة نتيجة تعدد الهياكل العسكرية، وأن إعادة تنظيمها تمثل تحدياً مالياً ومؤسسياً. فعملية الدمج نفسها تحتاج إلى تمويل للتدريب والتأهيل وإعادة الانتشار، بينما يتطلب تسريح بعض المقاتلين أو إعادة إدماجهم في الحياة المدنية برامج اقتصادية واجتماعية طويلة الأجل.

وفي هذا السياق، تصبح العلاقة بين الجيش والحركات المسلحة اختباراً حقيقياً لمفهوم الدولة نفسها. فالسؤال لا يتعلق فقط بمن يقاتل إلى جانب من، وإنما بمن يملك القرار العسكري في السودان مستقبلاً، وكيف ستتم إعادة بناء المؤسسة العسكرية، وما إذا كانت جميع القوات المسلحة ستخضع لقيادة وطنية واحدة وفق قواعد واضحة.

وتبدو تصريحات جبريل إبراهيم في أغسطس 2026 ذات دلالة في هذا السياق، إذ أكد أن السودان يحتاج إلى جيش وطني موحد وأن حركته مستعدة للاندماج وفق ترتيبات اتفاق جوبا. وهذا الموقف يوضح أن فكرة الدمج ليست بالضرورة مرفوضة من الحركات، وإنما ترتبط بشروط التنفيذ وضمانات المرحلة السياسية.

وفي المقابل، فإن التقارير التي تتحدث عن مخاوف بعض الحركات من فقدان نفوذها السياسي تشير إلى أن المسألة لن تُحل بقرار عسكري فقط. فالدمج الناجح يحتاج إلى تسوية سياسية تضمن أن انتقال المقاتلين إلى المؤسسة العسكرية لا يعني بالضرورة إلغاء الدور السياسي للحركات التي وقعت اتفاق السلام، وفي الوقت نفسه تمنع استمرار وجود جيوش موازية داخل الدولة.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: الجيش يحتاج إلى الحركات المسلحة في ظروف الحرب، لكنه يحتاج بعد الحرب إلى إنهاء تعدد مراكز القوة. والحركات تحتاج إلى الجيش في مواجهة الخصوم العسكريين، لكنها تخشى أن يؤدي الاندماج الكامل إلى خسارة أدوات النفوذ التي راكمتها خلال سنوات الصراع.

لذلك فإن مستقبل التحالف بين الطرفين لن تحدده البيانات السياسية وحدها، بل ستحدده طريقة إدارة عملية الدمج، والضمانات السياسية، ومستوى الثقة بين القيادات، وقدرة الدولة على توفير الموارد اللازمة لإعادة هيكلة القوات.

وفي النهاية، فإن العلاقة بين الجيش السوداني والحركات المسلحة لا يمكن اختزالها في صورة تحالف ثابت أو خصومة مكتملة. إنها علاقة متحركة فرضتها الحرب، وجمعت بين المصالح العسكرية والتنافس السياسي والحسابات المتعلقة بمستقبل الدولة. وقد أثبتت التطورات الأخيرة أن التعاون في ميدان القتال لا يلغي الخلاف حول شكل الدولة وترتيبات السلطة بعد الحرب.

ومع بدء خطوات إدماج القوات المتحالفة، يدخل هذا التحالف مرحلة جديدة. فالسؤال لم يعد فقط: كيف تنتصر القوات المتحالفة عسكرياً؟ بل أصبح: كيف تتحول هذه القوات، بعد سنوات من الحرب، إلى مؤسسة عسكرية موحدة تخضع لقواعد واحدة، من دون أن تتحول عملية الدمج نفسها إلى مصدر جديد للصراع السياسي؟

الإجابة ستتوقف بدرجة كبيرة على ما إذا كانت عملية الدمج ستتم باعتبارها إجراءً عسكرياً منفرداً، أم جزءاً من اتفاق سياسي أوسع يعالج مستقبل السلطة والترتيبات الأمنية والتمثيل السياسي. وفي الحالتين، يبقى اتفاق جوبا المرجعية الأساسية التي يفترض أن تحدد الإطار العام للعملية، فيما تفرض الحرب المستمرة واقعاً جديداً يحتاج إلى ترتيبات أكثر تعقيداً مما كان متصوراً عند توقيع الاتفاق في 2020.

وبذلك يصبح ملف الحركات المسلحة أحد المفاتيح الأساسية لفهم مستقبل السودان. فنجاح إعادة بناء الدولة لن يرتبط فقط بوقف القتال، وإنما أيضاً بقدرة الأطراف على الانتقال من تحالفات الحرب إلى مؤسسات الدولة، ومن القوات المتعددة إلى منظومة أمنية موحدة، ومن الترتيبات المؤقتة التي فرضتها المعارك إلى قواعد سياسية ودستورية مستقرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى