الوقود والضرائب والاستيراد.. ثلاث حلقات تضيق الخناق على الأسواق السودانية
في أي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات، يمكن أن تتحول أزمة النقد الأجنبي إلى أزمة شاملة إذا تزامنت مع ارتفاع تكاليف الطاقة وتشدد القيود على الاستيراد وارتفاع الضرائب والرسوم. وهذا ما يجعل الوضع الاقتصادي في مناطق سيطرة سلطة بورتسودان شديد الحساسية أمام أي نقص في الدولار أو أي زيادة في تكلفة تمويل السلع القادمة من الخارج.
فالسلعة لا تصل إلى المستهلك بسعرها الأصلي. هناك رحلة طويلة تبدأ من المورد الخارجي، مروراً بتمويل الصفقة وتوفير العملة الأجنبية والشحن والتأمين والتخليص، وتنتهي بالنقل إلى الأسواق المحلية. وكل حلقة من هذه السلسلة أصبحت معرضة للارتفاع.
وفي هذه الظروف، يصبح السؤال الأساسي ليس فقط: لماذا ارتفع سعر السلعة؟ بل: كم تكلفة كل خطوة سبقت وصولها إلى يد المواطن؟
أزمة الاستيراد تبدأ من العملة
الطلب على النقد الأجنبي يرتفع عندما يحتاج الاقتصاد إلى تمويل حجم كبير من الواردات. وفي المقابل، إذا كانت الصادرات لا تحقق عائدات كافية، فإن السوق يعاني فجوة في العملات الأجنبية.
هذه الفجوة تؤدي إلى ارتفاع تكلفة الدولار، ثم تنعكس على الواردات. ويصبح المستورد مضطراً إلى دفع المزيد من العملة المحلية للحصول على القيمة نفسها من العملات الأجنبية.
وتزداد المشكلة تعقيداً عندما يحاول المستورد الاحتفاظ بهامش أمان لمواجهة تقلبات سعر الصرف. فهو لا يستطيع أن يبني سعر البيع على سعر الدولار الحالي فقط، لأنه يخشى أن يتغير السعر قبل وصول الشحنة أو قبل تمكنه من إعادة استيرادها.وبالتالي، يصبح سعر السلعة انعكاساً ليس فقط للتكلفة الحالية، بل أيضاً للخوف من تكلفة الغد.
القيود على الاستيراد بين الهدف والنتيجة
من الطبيعي أن تحاول الحكومة حماية احتياطياتها من النقد الأجنبي. ولذلك اتخذت السلطات خلال 2026 إجراءات لتنظيم الواردات وتقليص استيراد بعض السلع، بهدف الحد من الضغط على العملة ودعم الإنتاج المحلي.
لكن نجاح مثل هذه الإجراءات يعتمد على وجود إنتاج محلي قادر على سد الفجوة.
إذا كان المنتج المحلي يستطيع توفير البديل، فإن تقليص الاستيراد قد يساعده على التوسع. أما إذا لم يكن قادراً على تلبية الطلب، فإن تقليص الواردات قد ينتج عنه نقص في الأسواق، والنقص يؤدي عادة إلى ارتفاع الأسعار.
كما أن القيود قد تؤثر في النشاط التجاري نفسه. فالتاجر الذي لا يستطيع الحصول على البضاعة التي اعتاد استيرادها قد يضطر إلى تقليل نشاطه أو البحث عن بدائل أكثر كلفة.
وفي الحالتين يبقى المواطن في قلب المعادلة، لأنه سيدفع إما ثمن ارتفاع السعر أو ثمن نقص السلعة.
الضرائب لا تختفي من فاتورة المستهلك
قد لا يرى المستهلك الرسوم الجمركية والضرائب التي دفعت قبل وصول السلعة إلى المتجر، لكنه يدفع ثمنها في النهاية.
فالضرائب على السلع المستوردة تدخل في تكلفة الاستيراد، ومعها رسوم التخليص والنقل وغيرها من التكاليف. وتوضح القواعد الضريبية السودانية أن ضريبة القيمة المضافة تُفرض على السلع المستوردة عند مرحلة التخليص الجمركي، إلى جانب الضرائب والرسوم الأخرى وفقاً للنظام المعمول به.
وفي اقتصاد يعاني أصلاً من ضعف العملة، يمكن أن تصبح هذه الرسوم أكثر تأثيراً، لأن أساس التكلفة نفسه يرتفع مع ارتفاع سعر العملة الأجنبية.
وهنا تتشكل معادلة صعبة: الدولار يرتفع، والرسوم تحسب على قيمة أعلى، والنقل يرتفع، والوقود يرتفع، ثم يضيف التاجر هامشاً لتغطية المخاطر. والنتيجة هي سلعة أغلى بكثير عند وصولها إلى المستهلك.
الوقود يضرب الحلقة كلها
إذا كانت الواردات هي شريان السوق، فإن الوقود هو شريان حركة هذه الواردات داخل البلاد.
وقد كشفت أزمات الوقود الأخيرة مدى هشاشة هذه الحلقة. ففي سبتمبر 2026، ظهرت طوابير طويلة في محطات الوقود في الخرطوم، مع ارتفاع الطلب وضعف العملة وارتفاع الرسوم المرتبطة بالاستيراد.
كما أن إغلاق مصفاة الجيلي، التي كانت تغطي نسبة كبيرة من الاستهلاك المحلي قبل الحرب، جعل السودان يعتمد بدرجة أكبر على المنتجات النفطية المستوردة.هذا الاعتماد يعني أن أي مشكلة في تمويل الوقود يمكن أن تتحول إلى مشكلة في النقل والزراعة والإنتاج.
فالشاحنة تحتاج إلى الديزل، والمزارع يحتاج إلى الوقود لتشغيل المعدات، والمصنع يحتاج إلى الطاقة، والمتجر يحتاج إلى نقل البضائع. وإذا ارتفعت تكلفة الوقود، فإن الزيادة تنتقل إلى جميع هذه القطاعات.
صعوبات سداد الموردين خطر على الاستقرار
من أخطر جوانب أزمة الوقود أن استقرار الإمدادات يعتمد على قدرة الدولة أو المستوردين على توفير العملات الأجنبية وسداد الالتزامات في مواعيدها.
وفي يونيو 2026، اتجهت الحكومة إلى تولي استيراد المنتجات النفطية بصورة مباشرة في محاولة للحد من أزمة الوقود والضغط على سوق الصرف.
وقد تكون هذه الخطوة مفهومة في سياق الأزمة، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن حجم المشكلة: الدولة نفسها أصبحت مطالبة بتوفير النقد الأجنبي لسلعة أساسية لا يستطيع الاقتصاد الاستغناء عنها.وبذلك يتحول الوقود إلى منافس مباشر على الدولار مع الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج.وهذه منافسة صعبة في اقتصاد يعاني من محدودية الموارد الخارجية.
الأسعار ترتفع حتى عندما لا يكون هناك نقص كامل
لا تحتاج الأسواق إلى فقدان السلعة بالكامل حتى ترتفع الأسعار. أحياناً يكفي أن يشعر التجار بأن الإمدادات المقبلة غير مضمونة.فعندما يسمع التاجر أن هناك صعوبة في الاستيراد أو ارتفاعاً متوقعاً في الوقود، يبدأ في إعادة تسعير مخزونه. وعندما يسمع المستهلك أن الأسعار قد ترتفع، قد يحاول شراء كمية أكبر من حاجته الحالية.
وبذلك تصبح التوقعات عاملاً إضافياً في الضغط على السوق.وهذا يوضح لماذا لا يمكن معالجة التضخم بقرار إداري منفرد. فالأسعار تتأثر بالعملة والطاقة والنقل والاستيراد والضرائب والإنتاج والطلب.
أصحاب الأعمال تحت ضغط مزدوج
أصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة ربما يكونون من أكثر المتضررين من هذه الدائرة.فالتاجر يحتاج إلى رأس مال أكبر لشراء الكمية نفسها من البضائع. وصاحب الورشة يدفع أكثر لشراء قطع الغيار. والمصنع يدفع أكثر لشراء المواد الخام والوقود. وفي الوقت نفسه، يجد الجميع أن الزبائن أقل قدرة على الشراء.
وهذا هو أخطر نوع من الضغوط الاقتصادية: ارتفاع التكلفة مع انخفاض الطلب.إذا رفع صاحب العمل الأسعار، فقد يخسر جزءاً من زبائنه. وإذا لم يرفعها، فقد يخسر رأس ماله. وإذا قلل الكمية، فقد يفقد السوق. وإذا أغلق نشاطه، فقد يفقد العمال وظائفهم.وهكذا يصبح القرار الاقتصادي اليومي بالنسبة إلى أصحاب الأعمال قراراً يتعلق بالبقاء.
من يدفع ثمن الأزمة؟
في نهاية سلسلة الاستيراد والضرائب والوقود، يظهر المواطن باعتباره الطرف الأقل قدرة على المناورة.المستورد يستطيع تقليل شحناته. والتاجر يستطيع تغيير الأسعار. والحكومة تستطيع تغيير الضرائب أو القيود. أما الأسرة محدودة الدخل فلا تستطيع تغيير حاجتها إلى الغذاء أو النقل أو الدواء.
ولهذا فإن استمرار الضغوط الاقتصادية من دون شبكة حماية اجتماعية فعالة يعني أن تكلفة الأزمة ستتركز بصورة أكبر على الفئات الأضعف.وهنا لا يعود الحديث عن الاقتصاد حديثاً عن السوق فقط، بل عن العدالة الاجتماعية أيضاً.
الخروج من الدائرة يحتاج إلى تغيير جذري
لا يمكن للسودان أن يخرج من أزمة النقد الأجنبي بمجرد تقليل الواردات. كما لا يمكنه معالجة التضخم بمجرد مراقبة الأسعار. ولا يمكن حل أزمة الوقود بالاستيراد وحده.
الحل يحتاج إلى استعادة الإنتاج، خصوصاً القطاعات القادرة على التصدير وتوفير العملات الأجنبية. ويحتاج إلى إعادة بناء البنية التحتية، وتطوير الزراعة والصناعة، وتحسين بيئة الأعمال، وإعادة بناء النظام المصرفي، وتقليل تكلفة التجارة.
أما استمرار الاعتماد على الاستيراد في ظل ضعف الصادرات، فسيبقي الاقتصاد أمام المشكلة نفسها: طلب كبير على الدولار، وعرض محدود منه.وهذا يعني أن أزمة الأسواق لن تكون مؤقتة ما لم تتغير بنية الاقتصاد التي تنتجها.




