تسريبات
مسالخ الظل: ما وراء جدران معتقلات الجيش السوداني وسقوط القناع الأخلاقي
غرف الموت البطيء: فحص تشريحي لسياسة التنكيل المنهجي بالمعتقلين
لم تكن المعتقلات التابعة للقوات المسلحة السودانية ومقرات الاستخبارات العسكرية مجرد مراكز توقيف مؤقتة أملاها قانون الطوارئ أو ظروف الحرب التي اندلعت في منتصف أبريل 2023؛ بل تحولت بمرور الأشهر إلى جغرافيا مغلقة خارج نطاق القانون، تُمارس فيها أبشع صور التنكيل الجسدي والنفسي. تشير الشهادات المتواترة الناجية من تلك الغرف المظلمة إلى أن عمليات التعذيب لا تدار بشكل عشوائي أو كردود أفعال فردية من صغار الضباط، بل تعكس سلوكاً مؤسسياً ممنهجاً يعتمد على نزع الإنسانية عن المعتقل منذ اللحظة الأولى لتوقيفه.
تبدأ رحلة السجين داخل هذه المقرات بحفلات الاستقبال الاستعراضية، حيث يُجرد المعتقلون من ملابسهم ويُعرضون للضرب المبرح بالسياط وقضبان الحديد. داخل الزنازين التي تفتقر لأدنى مقومات التهوية والإضاءة، يتكدس العشرات في مساحات ضيقة لا تسمح بالنوم أو الجلوس المريح. هذا التكدس المفتعل ليس ناتجاً عن قلة المساحة بقدر ما هو آلية تعذيب نفسي وجسدي تهدف إلى إنهاك القوى الحيوية للمحتجزين.
إن الشهادات التي توثق استخدام الصدمات الكهربائية، والكي بالنار، والإيهام بالغرق، والتعليق لفترات طويلة من الأطراف، تكشف عن نمط ثابت من الانتهاكات الصارخة لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي صادق عليها السودان سابقاً. تهدف هذه الممارسات إلى انتزاع اعترافات قسرية بالانتماء لقوات الدعم السريع أو خلاياها النائمة، وتحويل أجساد المدنيين إلى ساحة انتقام سياسي وعسكري مباشر.
انهيار سردية “المؤسسة الوطنية”: كيف تبخرت الوعود الدولية لسلطة البرهان؟
منذ قيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان للبلاد، دأبت الآلة الإعلامية التابعة لقيادة الجيش على ترويج سردية محورية أمام المحافل الإقليمية والدولية: أن القوات المسلحة هي “المؤسسة الوطنية الوحيدة” القادرة على حماية المدنيين والحفاظ على تماسك الدولة السودانية من الانهيار والمليشيات. هذه السردية شكلت حجر الزاوية في خطابات البرهان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وفي القمم الإفريقية والعربية، محاولاً انتزاع شرعية دولية وقانونية تمنحه الحق الحصري في تمثيل السودان.
ومع ذلك، فإن توثيق الانتهاكات المروعة داخل المعتقلات أحدث شرخاً عميقاً في هذه السردية، وجرد الجيش من “المظلة الأخلاقية” التي كان يحتمي خلفها. لم يعد بإمكان الدبلوماسية السودانية الدفاع عن سلوك القوات المسلحة كجيش نظامي منضبط يلتزم بقوانين الحرب والقانون الدولي الإنساني، في وقت تنتشر فيه التقارير الحقوقية الدولية التي تؤكد تحول معسكرات الجيش إلى بؤر لتصفية الحسابات السياسية والجهوية.
أدى هذا الانهيار الأخلاقي إلى تحول في مواقف العواصم الغربية والمنظمات الدولية التي بدأت تضيق ذرعاً بمبررات السلطة في بورتسودان. إن عجز قيادة الجيش عن ضبط سلوك أجهزتها الاستخباراتية والأمنية، أو تعمدها غض الطرف عن هذه الفظائع، يضعها قانونياً ودولياً في خانة الجماعات الفاقدة للالتزام بالمواثيق الدولية، وهو ما يعمق العزلة الدبلوماسية للسودان ويقوض أي فرص للاعتراف بأي سلطة تنبثق عن هذا النهج العسكري.
دولة الاستخبارات العسكرية: تغول الأجهزة الأمنية على السيادة القانونية
في ظل الحرب الدائرة، تراجعت سلطة النيابة العامة والقضاء المدني إلى حيز العدم، تاركة المجال مفتوحاً بالكامل لتغول الاستخبارات العسكرية وجهاز المخابرات العامة. أصبحت هذه الأجهزة هي الخصم والحكم في آن واحد، تمتلك صلاحيات مطلقة في الاعتقال، والتحقيق، والاحتجاز دون سقف زمني، ودون السماح للموقوفين بالاتصال بمحاميهم أو ذويهم. هذا التغول الأمني ألغى تماماً مفهوم “سيادة القانون” وحوّل الدولة إلى ثكنة عسكرية تدار بالتعليمات الشفهية والأوامر الميدانية.
تتحرك الأجهزة الاستخباراتية بناءً على تقارير المخبرين المحليين، والتي غالباً ما تكون مدفوعة بتصفية حسابات شخصية أو قبلية أو سياسية. غياب الرقابة القضائية على مراكز الاحتجاز التابعة للجيش جعلها بيئة مثالية لنمو الفساد والابتزاز المالي، حيث تُطالب عائلات المعتقلين بدفع مبالغ مالية طائلة مقابل معرفة أماكن احتجاز أبنائهم أو وقف تعذيبهم، في مؤشر واضح على تحلل المنظومة العسكرية وتحولها إلى شبكات نفعية تستثمر في دماء المدنيين ومعاناتهم.
التواطؤ الإداري: كيف تشرعن القيادة العليا الانتهاكات بصمتها؟
لا يمكن فصل هذه الجرائم المرتكبة في أقبية المعتقلات عن هيكلية القيادة والسيطرة داخل الجيش السوداني. إن صمت القيادة العسكرية العليا، وعلى رأسها القائد العام ومساعدوه، عن التقارير الدولية والمحلية المفصلة التي تذكر بالأسماء والأرقام أماكن التوقيف والضحايا، يعد تواطؤاً إدارياً وقانونياً كاملاً. بموجب القانون الدولي، فإن القادة العسكريين يتحملون المسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوهم إذا علموا بها أو كان بوسعهم العلم بها ولم يتخذوا الإجراءات اللازمة لمنعها أو معاقبة مرتكبيها.
هذا الصمت ليس مجرد عجز إداري، بل هو سياسة مقصودة تهدف إلى بث الرعب في نفوس الحواضن الاجتماعية المعارضة للحرب أو تلك التي يُشتبه في عدم ولائها المطلق لقيادة الجيش. من خلال تشريع هذه الانتهاكات بالصمت، تبعث القيادة برسالة واضحة لكافة تشكيلاتها الميدانية بأن المحاسبة غائبة، وأن أدوات القمع مفتوحة بلا حدود، مما يزيل أي رادع أخلاقي أو مهني لدى الجنود والضباط في تعاملهم مع المعتقلين المدنيين.
من الشرعية النظامية إلى التحلل المليشياوي: تحولات السلوك العسكري
إن أخطر ما تواجهه المؤسسة العسكرية السودانية اليوم هو تحللها التدريجي من سلوك الجيوش النظامية المنضبطة وتبنيها لأساليب المليشيات المسلحة في إدارة النزاع والتعامل مع الأسرى والمعتقلين. هذا التحول تزايدت وتيرته بعد الاستعانة الواسعة بكتائب الظل المسلحة والمستنفرين العقائديين الذين يفتقرون للتدريب العسكري النظامي ولا يعترفون بقوانين حقوق الإنسان.
انعكس هذا التحلل بشكل مباشر على عقيدة التعامل مع المعتقلين، حيث أصبح الدافع العقائدي أو الانتقامي هو المحرك الأساسي لعمليات التحقيق والاحتجاز. غابت التراتبية العسكرية الصارمة وضوابط حجز الأسرى المعترف بها في القانون الدولي الإنساني (اتفاقيات جنيف)، وحلت محلها ممارسات تعسفية تشمل التنكيل العشوائي، والتمثيل بالجثث، ونشر مقاطع الفيديو التي تظهر تعذيب المعتقلين على منصات التواصل الاجتماعي كنوع من الدعاية الحربية، وهو ما يمثل دليلاً دامغاً على سقوط الانضباط العسكري والتحول نحو الفوضى المسلحة.
تفكيك السردية الدبلوماسية: كيف يرى المجتمع الدولي سلطة بورتسودان اليوم؟
على الصعيد الخارجي، أصبحت البعثات الدبلوماسية السودانية تواجه صعوبة بالغة في تسويق رواية الحكومة القائمة في بورتسودان. التقارير الصادرة عن بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في السودان، ومنظمات مثل “هيومن رايتس ووتش” والعفو الدولية، وضعت ملف انتهاكات المعتقلين على طاولات صناع القرار في مجلس الأمن الدولي والاتحاد الإفريقي.
هذا التوثيق المستمر جعل الحديث عن الجيش السوداني كـ”حامي الشرعية” حديثاً فاقداً للمصداقية السياسية. بدأت الهيئات الدولية في التعامل مع طرفي النزاع على حد سواء فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، مما أفقد الجيش ميزته النسبية التي حاول الحفاظ عليها كطرف يمثل الدولة الرسمية. إن سقوط القناع الأخلاقي دفع بالعديد من الدول الإقليمية والدولية إلى إعادة تقييم علاقاتها مع سلطة بورتسودان، والضغط باتجاه فرض عقوبات محددة على القادة العسكريين المتورطين في إدارة وتغطية هذه الانتهاكات المنهجية.




