حصاد البلح ينعش قرى شمال السودان.. الحياة تعود من جديد
مع انبلاج الصباح في قرية الباجا التابعة لمحلية الدبة في شمال السودان، يتجه المزارعون إلى بساتين النخيل استعداداً ليوم طويل من الصعود إلى الأشجار، وقطع العذوق، وجمع الثمار وفرزها.
في أحد البساتين، كان القفّاز سالم بلال، البالغ 50 عاما، يستعد لتسلق نخلة شاهقة، ربط أدواته حول جسده، وأمسك بالجذع وبدأ الصعود بخفة اكتسبها خلال أكثر من ثلاثة عقود أمضاها في هذه المهنة.
وأسفل النخلة، كان عمال ينتظرون سقوط العذوق لالتقاطها وجمع الثمار المتناثرة، قبل نقلها إلى مراحل الفرز والتجفيف والتخزين ثم الأسواق.
ذلك هو موسم ‘حش البلح’ كما يسميه سكان المنطقة، وهو بالنسبة إلى أهالي شمال السودان أكثر من محطة في الدورة الزراعية، فمع بدء الحصاد، تتحرك القرى والأسواق والأسر، ويجد عشرات العمال فرصاً للعمل، فيما تستعيد المجتمعات الزراعية جانباً من إيقاع حياتها المعتاد رغم تداعيات الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.
ومن أعلى النخلة، يتحرك بلال بين العذوق بحذر وخبرة، ويقول إنه يستطيع حصاد أكثر من 50 نخلة في اليوم، رغم أن العمل بات أكثر صعوبة وكلفة مقارنة بالسنوات السابقة.
وتعتمد أجرة القفّاز حاليا على حصة من المحصول تبلغ نحو السبع، في وقت ارتفعت فيه تكاليف المعيشة وتغيرت ظروف العمل.
ومع ذلك، ظلت المهنة حاضرة داخل أسرته، إذ يعمل اثنان من أبنائه في تسلق النخيل، لتنتقل خبرة اكتسبها الأب على مدى عقود إلى جيل جديد.
وتكشف مهنة القفّاز عن جانب من الاقتصاد الذي يرافق موسم البلح قبل وصوله إلى الأسواق، فالثمرة تمر بسلسلة من العمليات تبدأ بالتسلق والحصاد، ثم الجمع والفرز والتجفيف والتعبئة والتخزين والنقل، ما يجعل الموسم مصدر دخل لعدد كبير من العمال والمزارعين والتجار.
وفي المزرعة نفسها، يتابع صاحبها عوض صالح حصاد أكثر من 400 نخلة، متوقعا أن يتراوح إنتاجه هذا الموسم بين 500 و600 جوال، يزن الواحد منها نحو 100 كيلوغرام.
ويبلغ سعر الجوال حاليا نحو 100 ألف جنيه سوداني، لكن ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء والعمالة والنقل وخدمة النخيل يقلص العائد الفعلي للمزارعين.
ويقول صالح لوكالة الانباء الصينية (شينخوا)، إن ارتفاع تكاليف الإنتاج جعل قيمة المحصول الإجمالية لا تعكس بالضرورة ما يبقى للمزارع بعد تغطية نفقات الموسم.
وقبل اندلاع الحرب، كان جزء من إنتاج المنطقة يغادر الولاية الشمالية باتجاه أسواق في غرب السودان، لكن إغلاق الطرق وتراجع حركة النقل غيّرا مسار التجارة.
ويشير صالح إلى أن المزارعين باتوا يعتمدون بدرجة أكبر على الأسواق داخل الولاية، في وقت أثرت فيه الحرب على حركة العمال وتكاليف النقل وقدرة المنتجين على الوصول إلى مناطق التسويق التي اعتادوا التعامل معها.
ومع تراجع أو تعطل مصادر أخرى للدخل، ازدادت أهمية النخيل بالنسبة إلى بعض الأسر، باعتباره مورداً يمكن الاعتماد عليه خلال الظروف الاقتصادية الصعبة.
ولا يحمل موسم الحصاد بعدا اقتصاديا فقط، إذ تستعيد القرى خلاله تقاليد اجتماعية متوارثة.
وفي الباجا، يتجمع السكان حول المزارع للمشاركة في الجمع والفرز والنقل، فيما يتقاسم أفراد الأسرة والعمال مهام العمل، في مشهد يعيد إلى القرية شيئاً من حركتها المعتادة.
ويجسد الشاب سعيد جاد الله هذا البعد الاجتماعي للموسم، بعدما عاد إلى قريته للمشاركة في الحصاد، ليجد نفسه مجدداً وسط النخيل وأهل المنطقة.
ويرى أن مواسم الزراعة ما زالت قادرة على جمع الناس، رغم ما أحدثته الحرب من نزوح وتشتت للأسر.
ويقول جاد الله إن الحرب فرقت عائلات وأجبرت أعدادا كبيرة من السودانيين على مغادرة مناطقهم، بينما أتاحت مواسم الزراعة لبعضهم العودة، ولو مؤقتاً، إلى قراهم وأراضيهم.
ويمتد حضور الشباب إلى تعلم المهن المرتبطة بالنخيل. ويؤكد بلال أن عمل اثنين من أبنائه في مهنة القفّاز يعكس استمرار هذه الحرفة التقليدية، وإن كان مستقبلها مرتبطاً بقدرة المزارعين والعمال على تحقيق عائد أفضل.
ومع اقتراب الغروب، يستمر العمل بين أشجار النخيل. تتجمع العذوق على الأرض، ويبدأ البلح في الانتقال إلى مراحل الفرز والتخزين، فيما يواصل العمال إنجاز ما تبقى من مهام اليوم.
وفي قرية الباجا، لا يقاس موسم الحصاد بحجم الإنتاج وحده، بل بما يعيده إلى المكان من حركة وعلاقات وفرص عمل.




