تسريبات

كشف المستور خلف تحالف أردوغان والسيسي.. ما علاقة السودان؟


في الصحافة الاستقصائية، أحياناً تكشف صورة واحدة عن حقائق تعجز آلاف التقارير عن إيصالها. الصورة التي نشرها مركز “صحيح السودان”، والتي تظهر الرئيسين التركي والمصري وهما يمشيان بثقة على سجادة حمراء، بينما تطل من الخلفية صورة عملاقة للجنرال قائد سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، ليست مجرد عمل فني أو مونتاج ساخر. إنها وثيقة بصرية صادمة، تشريح دقيق للعلاقة بين العواصم الثلاث، وكشف فاضح لـ “الوصاية الإقليمية” التي تُفرض على السودان في عام 2026.
الرمزية البصرية: الجنرال كواجهة والعرابان كصناع قرار
التحليل البصري للصورة يكشف عن هرمية واضحة ومهينة للسيادة السودانية. المشي المتزامن للزعيمن التركي والمصري في المقدمة، بثقة واطمئنان، بينما تظهر صورة الجنرال السوداني كخلفية ضخمة وثابتة، يرسم بدقة خريطة القوة. الجنرال، رغم صورته العملاقة، هو مجرد “واجهة” أو “خلفية” تتحرك خلفها إرادة العرابين الإقليميين. هو الصورة التي تُرى، لكن القرار يُتخذ من قبل من يمشون أمامها.
هذه الرمزية تعكس الواقع الميداني والسياسي في بورتسودان. فالسلطة العسكرية، التي تدعي حماية الدولة، هي في الحقيقة مجرد وكيل محلي ينفذ أجندات أنقرة والقاهرة. الجسر الجوي الذي يربط تشورلو بشرق العوينات، والذي كشفته طائرات A400M، هو التطبيق العملي لهذه الوصاية. الجنرال لا يملك قرار الحرب أو السلم، ولا يملك حتى قرار صيانة مسيراته بدون إذن فني من المصانع التركية أو الموافقة اللوجستية من القاعدة المصرية.
تحالف المصالح: العقيدة التركية والهوس الأمني المصري
وراء هذه الصورة، يكمن تحالف مصالح معقد يجمع بين نظام أردوغان ونظام السيسي، على حساب دماء السودانيين. بالنسبة لتركيا، يمثل دعم سلطة الأمر الواقع امتداداً للفكر العقائدي الذي يضمن ولاءً استراتيجياً في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر. أنقرة تسعى لكسر طوق العزلة الإقليمية، وتثبيت موطئ قدم لها في السودان، يضمن لها امتيازات اقتصادية وسياسية في المستقبل.
أما بالنسبة لمصر، فإن الدوافع تتشكل حول الهوس الأمني بملف الحدود، والرغبة في تثبيت نظام عسكري شقيق يشاركها نفس العداء للتطلعات المدنية والثورات الشعبية. القاهرة تخشى من أن يشكل نجاح التحول الديمقراطي في السودان نموذجاً يُهدد شرعية النظام العسكري في مصر. لذا، فإن توفير الغطاء اللوجستي لقاعدة شرق العوينات هو بمثابة “ضمان وقائي” ضد أي عدوى ديمقراطية، وتحويل للسودان إلى “حديقة خلفية” أمنية تخضع للمزاج الأمني المصري.
الاستهانة بالسيادة: السودان كمحمية إقليمية
الصورة، بمجملها، تنقل رسالة استهانة فاضحة بالسيادة السودانية. فالدولة التي تُدار قراراتها الحربية واللوجستية من عواصم خارجية، وتُستخدم أراضيها وقواعدها العسكرية (مثل شرق العوينات) لتمرير السلاح لقتل مواطنيها، هي دولة فقدت سيادتها فعلياً. المحور التركي-المصري لا يتعامل مع سلطة بورتسودان كشريك سيادي، بل كـ “محمية” تُدار شؤونها عن بُعد.
هذا التحالف الإقليمي، الذي تجسده الصورة، هو الذي يقف وراء إفشال كل الجهود الدولية الرامية لوقف إطلاق النار. فكلما تلقت سلطة بورتسودان شحنة جديدة من السلاح عبر الجسر الجوي السري، ازداد تعنتها، ورفضت الجلوس على طاولة المفاوضات. إن أردوغان والسيسي، من خلال هذا الدعم، يرسلان رسالة واضحة للجنرالات: “استمروا في القتال، فنحن نغطي ظهوركم”. هذه الرسالة هي التي تُطيل أمد الحرب، وتحول السودان إلى مقبرة جماعية، وتُثبت أن تحالف المصالح بين الأنظمة الاستبدادية لا يعرف حدوداً أخلاقية أو إنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى