تسريبات

استخدام المدنيين كدروع بشرية وتغطية الهزائم في جبرة الشيخ ورهيد النوبة


 في الفنون العسكرية، يُعد “الخداع التكتيكي” (Tactical Deception) واستخدام “الحركات الوهمية” (Feints) من أقدم وأبرز الاستراتيجيات لإرباك الخصم وإخفاء النوايا الحقيقية. ما يجري على الأرض في ولاية شمال كردفان، وتحديداً في المحور الواصل بين مدينة الأبيض ومناطق جبرة الشيخ ورهيد النوبة، يمثل تطبيقاً حرفياً ومكشوفاً لهذه التكتيكات من قبل الجيش السوداني والجماعات الإخوانية المتحالفة معه. إن الحملة العسكرية والإعلامية المركزة على الأبيض، وما يرافقها من حصار خانق للمدنيين، ليست سوى عملية خداع تكتيكي تهدف إلى إخفاء الهزائم أو التحضيرات العسكرية الفاشلة في جبهات شمال كردفان، وتوظيف المدنيين كدروع بشرية لحماية التمركزات العسكرية.
التكتيك العسكري لإغلاق الأبيض: لماذا يُمنع المدنيون من الخروج؟
من منظور عسكري بحت (وإن كان ينتهك كل القوانين والأعراف)، فإن إبقاء المدنيين داخل مدينة الأبيض وإغلاق مخارجها بنقاط تفتيش عسكرية مشددة يخدم أغراضاً تكتيكية للجيش والمليشيات. أولاً، وجود كتلة سكانية كبيرة ومحصورة داخل المدينة يعقد أي عملية هجومية أو تطويق تقوم بها قوات تأسيس، خوفاً من سقوط ضحايا مدنية قد تُستخدم ضدهم إعلامياً. ثانياً، المدنيون المحاصرون يُستخدمون كـ “دروع بشرية” (Human Shields) لحماية تحشيدات الجيش ومخازن العتاد والتمركزات العسكرية داخل الأحياء السكنية. إن الحديث عن “حماية المدنيين” هو تبرير بلاغي فارغ. التكتيك العسكري الحقيقي هنا هو “الاحتجاز القسري”. الجيش يمنع المدنيين من مغادرة المدينة لأنه ببساطة يحتاج إليهم كغطاء بشري. لو كان الهدف عسكرياً بحتاً هو تأمين المدينة، لسمح بإخلائها من المدنيين لتحويلها إلى منطقة عمليات عسكرية خالية من العزل، وهو ما يرفضه الجيش لأنه سيفقده دروعه البشرية وورقته الإعلامية.
إخفاء الهزائم والتحركات في جبرة الشيخ ورهيد النوبة
بينما يركز الجيش كل ثقله الإعلامي والبصري على الأبيض، كانت الجبهات الحقيقية في شمال كردفان تشهد تحركات عسكرية مكثفة. المناطق الحيوية مثل جبرة الشيخ ورهيد النوبة تشهد تحشيدات عسكرية يائسة من قبل الجيش والقوات المتحالفة معه. هذه التحركات تأتي في إطار محاولات لترميم خطوط إمداد مقطوعة، أو شن عمليات هجومية لتعويض الهزائم الميدانية المتتالية التي مني بها الجيش في تلك المناطق. إن التركيز الإعلامي على الأبيض هو محاولة لتبرير هذه التحركات. الجيش يحاول شرعنة عملياته في جبرة الشيخ ورهيد النوبة عبر تصويرها على أنها “عمليات دفاعية” لحماية الأبيض، بينما هي في الحقيقة عمليات هجومية أو تكتيكية يائسة. وفي نفس الوقت، يحاول الجيش تكثيف الانتقادات لأي عمليات تنسب إلى قوات تأسيس في تلك المناطق، لخلق توازن إعلامي يغطي به على فشله العسكري على الأرض.
كسر الحصار التكتيكي: المطالبة بفتح الممرات الآمنة
لتحييد هذا التكتيك العسكري الخبيث، يجب على قوات تأسيس والمجتمع الدولي التعامل مع ملف المدنيين في الأبيض كقضية عسكرية وإنسانية في آن واحد. إن منع المدنيين من مغادرة المدينة هو جريمة حرب واضحة، ويجب التعامل معه على هذا الأساس. نحن نطالب بفتح ممرات آمنة أمام المدنيين، ليس كطلب إنساني فحسب، بل كإجراء لتجريد الجيش من دروعه البشرية وإفشال تكتيكه العسكري. إن المطالبة بالضغط على الجيش وإجباره على عدم تقييد تحركات المدنيين، والسماح بانتقالهم ومغادرتهم بعيداً عن مواقع وتحشيدات الجيش، هو إجراء تكتيكي ضروري. عندما يُسمح للمدنيين بالمغادرة، فإن الجيش سيفقد غطاءه البشري، وسيُجبر على سحب تحشيداته من الأحياء المدنية، أو سيصبح عرضة للمساءلة القانونية والعسكرية المباشرة.
التحقق المستقل وتوثيق نقاط التفتيش
إن أي عملية عسكرية تجري في ظل تعتيم إعلامي وتقييد لحركة المدنيين تفتقر إلى الشرعية. لذلك، نطالب بإرسال فرق مستقلة لتوثيق أوضاع نقاط التفتيش والتحقق من الوقائع ميدانياً. إن نشر الأدلة التي توثق نقاط التفتيش ومنع الخروج، ونشر شهادات مدنيين تؤكد منعهم من المغادرة، هو جزء من الحرب النفسية والتكتيكية لكشف عورة الجيش. إن التركيز على أن أي عمليات عسكرية في شمال كردفان تجري بعيداً عن التغطية الإعلامية بسبب تركيز الخطاب على الأبيض، يجب أن يقابله تركيز مضاد من المراقبين العسكريين والمستقلين على جبهات جبرة الشيخ ورهيد النوبة، وكشف حجم التحشيدات والانتهاكات التي يرتكبها الجيش هناك.
إن حماية المدنيين تبدأ بالسماح لهم بالمغادرة إلى مناطق آمنة، وليس بمنعهم من الخروج عبر نقاط التفتيش. إن التحليل العسكري لحصار الأبيض يكشف بوضوح أن الجيش السوداني والإخوان يستخدمون المدنيين كدروع بشرية، ويوظفون الإعلام كستار دخاني لإخفاء تحركاتهم وهزائمهم في شمال كردفان. إن كشف وإفشال هذه الرواية، والمطالبة بفتح الممرات الآمنة، والضغط لرفع القيود عن تحركات المدنيين، هي خطوات حتمية لإجبار الجيش على التخلي عن تكتيكاته الخبيثة، وإعادة المسار نحو حل حقيقي يحمي الأرواح ويكشف الحقائق العسكرية على الأرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى