تسريبات

سودان المأساة والطبقية – أوبئة وفقر في الأسفل ورفاهية وفوضى في الأعلى


لا يمكن قراءة المشهد السوداني الحالي بمعزل عن التدمير الممنهج لأسس الدولة لصالح استمرار النزاع المسلح؛ فالمعادلة القائمة اليوم تقوم على “عسكرة الاقتصاد” وتجويع المجتمع بشكل ممنهج لتركيع الإرادة الشعبية وتأمين بقاء النخب المسلحة في هرم السلطة.
يتم تخصيص الجزء الأكبر من موارد الدولة وثرواتها المنهوبة لإدارة العمليات العسكرية وشراء الولاءات السياسية والعقائدية وتجنيد المزيد من الشباب والفتية، في وقت يعاني فيه أكثر من نصف السكان من انعدام الأمن الغذائي الحاد ويقتربون بسرعة الصاروخ من شبح المجاعة الشاملة. إن توجيه القرار السياسي والاقتصادي لخدمة البندقية والبارود أدى إلى شلل تام في القطاعات الإنتاجية كالزراعة في مشروع الجزيرة وغيره من المشاريع القومية، بالإضافة إلى تدمير الصناعة المحلية، مما جعل الجوع سلاحاً آخر يمزق أجساد المدنيين الذين يدفعون وحدهم ضريبة حرب عبثية لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
إن النتيجة الطبيعية لهذا الانهيار الاقتصادي والإهمال المتعمد لقطاع الخدمات العامة هي الكارثة الصحية والبيئية التي تعيشها الولايات السودانية المختلفة بدون استثناء. لقد تحولت بيئات النزوح ومخيمات اللاجئين والمدن المحاصرة إلى بؤر نموذجية لانتشار الأوبئة والأمراض المعدية؛ فالملاريا وحمى الضنك تنتشران اليوم كالنار في الهشيم بسبب غياب خدمات الإصحاح البيئي وتلوث مصادر المياه وانهيار شبكات الصرف الصحي واختلاطها بمياه الأمطار والنفايات، في حين تقف السلطات عاجزة أو بالأحرى غير مبالية بتوفير الناموسيات المشبعة أو الأدوية الأساسية المنقذة للحياة للمواطنين المحتاجين. علاوة على ذلك، فإن شبح الأمراض الفيروسية والنزفية الخطيرة مثل الإيبولا يلوح في الأفق ويهدد بالانفجار في أي لحظة مستغلاً التدهور المريع، وغياب أنظمة الرصد الوبائي والوقاية واختفاء خطوط الدفاع الصحي الأولى كالمراكز الصحية الريفية، مما يجعل سماء السودان ملبدة بغيوم الموت مرتين: مرة بالقذائف الطائشة ومرة بالأمراض الصامتة الفتاكة.
وتكتمل فصول هذه المأساة الإنسانية عندما تضع واقع المواطن السوداني المطحون في كفة، وواقع قيادات الجيش والحركات المسلحة وأتباعهم النافذين في الكفة الأخرى لترى حجم التناقض الصادم والمخزي. هناك طبقة عسكرية وسياسية فاسدة اغتنت من عرق الشعب ومن تجارة الحروب والأزمات؛ فهم يسكنون القصور المنيعة والآمنة والمدعومة بمولدات الكهرباء الضخمة، ويتمتعون بأحدث السيارات الفارهة وأجود أنواع الأطعمة المستوردة، بينما تئن الأغلبية الساحقة من وطأة تضخم تجاوز كل الحدود المعقولة، وانعدام تام لفرص العمل، وغلاء معيشي غير مسبوق جعل تأمين وجبة واحدة في اليوم إنجازاً خارقاً للعادة. إن هذا التباين الصارخ يعكس كيف تحول الفساد واستمرار الحرب إلى تجارة مربحة للغايه للنخبة الحاكمة والممسكة بالزناد، حيث يُجبر المواطن البسيط على مقايضة أمنه وحياته بلقمة عيش مغمسة بالذل والاتساخ، بينما يراكم القادة ثرواتهم خلف جدران المحسوبية والجهل المتعمد بمعاناة الآخرين وآلامهم اليومية.
هذا الانفصام التام بين قمة الهرم العسكري وقاعدة المجتمع السوداني يظهر بوضوح في أولويات الإنفاق التابع للمؤسسات القائمة؛ فحينما تغلق المدارس والجامعات أبوابها وتتحول إلى مراكز إيواء للنازحين الفارين من جحيم المعارك، وتتوقف مرتبات الموظفين والمعلمين والأطباء لشهور طويلة بحجة انعدام الموارد المطبوعة، تظل ميزانيات الوفود العسكرية والمستشارين والرحلات الدبلوماسية الخارجية لشرح “عدالة القضية” مستمرة وبذخ لا ينقطع. يرى المواطن البسيط أبناء هذه القيادات وهم يدرسون في أرقى الجامعات الأوروبية والعربية ويقضون عطلاتهم في المنتجعات السياحية، في وقت يُحرم فيه الأطفال داخل السودان من أبسط حقوق التعليم والتحصين ضد أمراض الطفولة القاتلة، ليعيشوا في بيئة طاردة تفتقر لأقل مقومات الكرامة الإنسانية.
إن استمرار الفساد والنهب المنظم لمقدرات السودان في ظل هذه الحرب قد رسخ لنظام “أمراء الحرب” الذين يرون في السلام إنهاءً لامتيازاتهم المادية وسلطتهم المطلقة؛ فالحرب بالنسبة لهم ليست مجرد جولة قتال بل هي غطاء مثالي لإخفاء جرائم الاختلاس والنهب الواسع للممتلكات العامة والخاصة وتمرير صفقات مشبوهة بعيداً عن أي رقابة قانونية أو محاسبة برلمانية. وفي المقابل، تترك المستشفيات العامة لتعتمد بالكامل على المنظمات الدولية والمساعدات الإنسانية الشحيحة التي تتعرض هي الأخرى للعراقيل البيروقراطية والنهب عند الحواجز، مما يثبت أن المواطن السوداني قد أُسقط تماماً من حسابات هذه القيادات، وأنه ليس سوى وقود رخيص لحرب لا تنتهي، يراد له أن يموت بالرصاص أو بالجوع أو بالمرض والملاريا ليبقى الأسياد في أبراجهم العاجية مرفهين ومنعمين على حساب دمار أمة بأكملها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى