تحقيقات

البرهان في مأزق.. واشنطن تراقب نفوذ إخوان السودان داخل السلطة


يبدو أن القرار الأميركي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان منظمة إرهابية قد أعاد ترتيب المشهد السياسي والعسكري بطريقة تكشف حجم التشابك بين السلطة الفعلية في بورتسودان والحركة الإسلامية، واضعًا الفريق عبد الفتاح البرهان أمام معادلة شديدة التعقيد، حيث يصبح أي خيار يتخذه محفوفًا بالمخاطر، سواء تعلق الأمر بمحاولة فك الارتباط مع الجماعة أو الاستمرار في الاحتماء بها. وفي بلد أنهكته الحرب، يكتسب هذا القرار بعدًا يتجاوز السياسة إلى مستقبل الدولة نفسها، وقدرتها على الخروج من دائرة العنف.

فالارتباط بين البرهان والجماعة ليس طارئًا، بل علاقة ممتدة لعقود، كما يشير مسؤولون سودانيون، وهي علاقة تجعل أي محاولة للفكاك منها محفوفة بتهديدات مباشرة، ليس أقلها احتمال تعرضه للاغتيال. ويستند هذا التقدير إلى تصريحات قيادات داخل الحركة الإسلامية، وإلى الدور الذي تلعبه كتائب مدربة من قبل الحرس الثوري الإيراني، والتي ترفض وقف إطلاق النار باعتباره تهديدًا مباشرًا لنفوذها. وفي ظل هذا الواقع، تبدو خيارات البرهان محدودة، إذ إن الاستمرار في دعم التنظيم يفاقم عزلة السودان دوليًا، بينما التخلي عنه قد يفتح الباب لصراع داخلي لا يمكن التنبؤ بنتائجه.

ويقول علاء الدين نقد، الناطق باسم تحالف السودان التأسيسي، إن البرهان “لا يستطيع التخلي عن الإخوان”، مشيرًا إلى أن الرجل نفسه كان جزءًا من التنظيم، وفق ما أكده قياديون في المؤتمر الوطني المحلول. ويضيف نقد أن أي قبول من البرهان بوقف الحرب يتطلب توفير حماية شخصية له، إضافة إلى قوة عسكرية قادرة على مواجهة الكتائب المتشددة مثل البراء بن مالك، التي ترفض أي تسوية سياسية. ويشير إلى أن هذا الرفض ظهر بوضوح خلال اجتماعات قيادات مثل جبريل إبراهيم ومناوي مع ياسر العطا، حين أكدوا أن وقف إطلاق النار يعني خسارة نفوذهم.

أما بكري الجاك، المتحدث باسم تحالف “صمود”، فيرى أن القرار الأميركي يمثل “لحظة مفصلية”، لأنه يضع الجماعة أمام مسؤولية تاريخية عن تعطيل مسار السلام وإفشال المرحلة الانتقالية، وصولًا إلى إشعال الحرب الحالية. ويشير إلى أن الحركة الإسلامية تمتلك أكثر من ست ميليشيات، إضافة إلى تشكيلات تعمل تحت غطاء “المقاومة الشعبية”، ما يجعلها قادرة على إخفاء هويتها التنظيمية بينما تواصل القتال. ويضيف أن القرار سيعقّد تعامل الدول مع سلطة بورتسودان، لأنها عمليًا تتعامل مع مجموعة يشملها التصنيف.

ويذهب الجاك إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة البرهان على إبعاد القوات المسلحة عن الحركة الإسلامية، وهو أمر يراه صعبًا بالنظر إلى أن البرهان نفسه كان جزءًا من هذه المنظومة. ومع ذلك، فإن أي محاولة للفصل قد تفتح الباب أمام ضغوط دولية تدفع الجيش نحو مسار سلام، إذا توفرت الإرادة السياسية لذلك. لكنه يحذر من أن استمرار الجماعة في نهجها المتشدد سيقود إلى مزيد من التصعيد، ويبعد السودان عن أي فرصة للاستقرار.

ويقدم وزير الإعلام السابق حمزة بلول قراءة أكثر حدة، معتبرًا أن الحرب الحالية “جزء من مخطط الجماعة للعودة إلى السلطة”، وأنها استخدمت نفوذها داخل القوات المسلحة لإطلاق شرارة الحرب والسيطرة على القرار السياسي والعسكري. ويشير إلى أن البرهان “لا يستطيع التخلص من نفوذ الإخوان ولا يرغب في ذلك”، وأن التصنيف الأميركي جاء بصياغة حذرة تجنبًا لذكر الأمر بشكل مباشر. ويضيف أن البرهان لن يتمكن من مواجهة نفوذ كتائب البراء، التي ورد ذكرها في التصنيف الأميركي باعتبارها تتلقى تدريبًا من الحرس الثوري الإيراني، مشيرًا إلى أن قادتها أعلنوا استعدادهم للقتال إلى جانب إيران ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.

ويكشف بلول أن البرهان حاول إظهار الحزم عبر التهديد باعتقال قادة هذه الكتائب، لكن بعد يومين فقط ظهر أحد أبرز قادتها في تسجيل مصور، في رسالة واضحة بأن القرار على الأرض لا يزال بيد الجماعة. ويرى بلول أن هذا المشهد قد يدفع المجتمع الدولي إلى إعادة تقييم موقفه من البرهان، وإدراك حجم النفوذ الذي تمارسه الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة.

أما الكاتب والمحلل السياسي محمد المختار محمد، فيرى أن البرهان، الذي عجز عن وقف الحرب أو الدخول في هدنة إنسانية، لن يتمكن من التخلي عن جماعة الإخوان التي تسيطر على قوات بورتسودان نتيجة عقود من التمكين. ويشير إلى أن تصنيف واشنطن للجماعة كمنظمة إرهابية “غيّر طبيعة الصراع”، من نزاع داخلي إلى مواجهة مع جماعة تمثل تهديدًا إقليميًا ودوليًا. ويضيف أن الحركة الإسلامية عملت خلال السنوات الثلاث الماضية على عسكرة الفضاء العام، وشكلت كتائب عقائدية تلقت تدريبات نوعية على يد الحرس الثوري الإيراني، ما يجعل تفكيكها مهمة شبه مستحيلة.

ويخلص محمد إلى أن القرار الأميركي سيقلل هامش المناورة أمام البرهان، ويضعه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما مواجهة الجماعة التي تدير الحرب فعليًا، أو مواجهة انهيار سياسي وعسكري قد ينتهي بالإطاحة به.

وفي بلد يعيش حربًا مفتوحة، تبدو هذه التطورات أكثر من مجرد تصنيف قانوني؛ إنها إعادة رسم لحدود القوة داخل الدولة، وتذكير بأن مستقبل السودان لن يُحسم في ساحات القتال وحدها، بل في قدرة مؤسساته على التحرر من نفوذ جماعة ظلت لعقود تمسك بخيوط السلطة من وراء الستار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى