أحداث

الجيش السوداني يغلق باب التسوية.. هل أصبح الحسم العسكري الخيار الوحيد؟


 

أكد رئيس هيئة أركان الجيش السوداني ياسر العطا تمسك المؤسسة العسكرية بمواصلة العمليات القتالية في إقليمي دارفور وكردفان، رغم اتساع نطاق الخسائر البشرية وتفاقم الأزمة الإنسانية وانهيار قطاعات حيوية في البلاد، في إشارة إلى استمرار الرهان على الحسم العسكري، بالتزامن مع تعثر الجهود الرامية إلى التوصل لوقف إطلاق النار وإطلاق عملية سياسية تنهي الحرب.

وقال العطا، خلال خطاب أمام مجموعات من القوات في الخرطوم مساء الأحد، إن الجيش ماضٍ في عملياته العسكرية، وإن استهداف منشآت الكهرباء والبنية التحتية لن يثنيه عن مواصلة القتال حتى استعادة السيطرة على الأراضي السودانية. ونفى أن تكون العمليات المرتقبة موجهة ضد قبائل أو مجتمعات بعينها في دارفور وكردفان، مؤكداً أن الجيش لا يسعى إلى الانتقام من السكان.

وتعكس تصريحات العطا توجهاً نحو توسيع العمليات العسكرية غرب البلاد، إذ تحدث عن تحركات للقوات المسلحة باتجاه دارفور وكردفان لمواجهة ما وصفهم بالمرتزقة والمقاتلين الأجانب.

ويتزامن الإصرار على مواصلة العمليات العسكرية مع تدهور غير مسبوق في الأوضاع الإنسانية، حيث يدفع المدنيون الثمن الأكبر لاستمرار المواجهات، سواء عبر القصف المباشر أو النزوح أو فقدان الخدمات الأساسية.

 وتأتي هذه المواقف في وقت تتواصل فيه المواجهات على جبهات متعددة، مع تصاعد الاعتماد على الطائرات المسيّرة والهجمات الجوية التي طالت مواقع عسكرية ومناطق سكنية ومنشآت خدمية.

ولا تزال قوات الدعم السريع تسيطر على معظم أراضي إقليم دارفور، بما فيها مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور، التي سقطت في قبضتها خلال أكتوبر/تشرين الأول 2025، بينما يسعى الجيش إلى تعزيز مواقعه في كردفان وفتح طرق إمداد تتيح له التقدم غرباً.

وشهدت الأشهر الأخيرة تحركات عسكرية متبادلة في شمال كردفان، تمكن خلالها الجيش والقوات المتحالفة معه من استعادة مواقع وطرق إمداد كانت تستخدمها قوات الدعم السريع للربط بين مواقعها في كردفان ودارفور، لكنه لا يعني أن السيطرة على الإقليمين باتت وشيكة، في ظل اتساع المساحات التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع وقدرتها على مواصلة الهجمات.

وتبرز مدينة الأبيض، عاصمة شمال كردفان، بوصفها إحدى النقاط الاستراتيجية في المواجهة، نظراً إلى موقعها وأهميتها العسكرية واللوجستية.

وفي دارفور، تتواصل المعارك والهجمات في محيط مناطق النفوذ المتنازع عليها، وسط أهمية خاصة للممرات الحدودية مع تشاد التي تمثل طرقاً للإمداد والتحرك العسكري. ويعني استمرار المعارك في هذه المناطق أن أي تقدم للجيش باتجاه دارفور سيواجه تحديات ميدانية ولوجستية، خصوصاً مع استمرار سيطرة الدعم السريع على مراكز حضرية ومساحات واسعة من الإقليم.

وامتد التصعيد كذلك إلى ولايات أخرى، مع اتساع استخدام المسيّرات في استهداف المنشآت الحيوية. ففي الأول من نوفمبر/تشرين الثاني، تعرضت محطتا الكهرباء في الدبة بالولاية الشمالية وأبو حمد بولاية نهر النيل لهجمات أدت إلى خروجهما عن الخدمة، ضمن موجة استهداف طالت محطات كهرباء في ولايات متعددة، وأعلنت الحكومة رفع حالة التأهب.

ووثقت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مقتل 306 مدنيين وإصابة المئات خلال هجمات بالطائرات المسيّرة في الأسابيع الثلاثة الأولى من أكتوبر/تشرين الأول، نُسبت إلى طرفي الحرب. وشملت الهجمات منازل وأسواقاً ومستشفيات ومواقع لإيواء النازحين، إضافة إلى منشآت الكهرباء ومصادر المياه، ما يعكس اتساع دائرة المخاطر التي يتعرض لها السكان بعيداً عن خطوط الاشتباك المباشر.

كما نُسبت إلى الجيش ضربات استهدفت مواقع لإيواء النازحين في غبيش والنهود بغرب كردفان، وأسفرت عن سقوط قتلى ومصابين، بينهم نساء وأطفال، في وقت تتبادل فيه القوات المسلحة وقوات الدعم السريع الاتهامات بشأن استهداف المدنيين وارتكاب انتهاكات خلال العمليات العسكرية.

وحذرت وكالة أسوشيتد برس من اقتراب شبكة الكهرباء السودانية من الانهيار، مشيرة إلى أن استهداف نحو 15 محطة فرعية منذ بداية أكتوبر/تشرين الأول أدى إلى زيادة الاعتماد على عدد محدود من مصادر التوليد، وفي مقدمتها سد مروي الذي بات يوفر أكثر من 70% من الكهرباء المنتجة في البلاد.

ويهدد استمرار انقطاع التيار الكهربائي عمل المستشفيات ومراكز غسيل الكلى وبنوك الدم، فضلاً عن تعطيل محطات المياه والمخابز والأنشطة الزراعية، ما يضاعف الأعباء على ملايين السكان الذين يعانون أصلاً من نقص الغذاء والدواء وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية.

ولم تنجح المبادرات الإقليمية والدولية المتعاقبة في انتزاع اتفاق لوقف إطلاق النار، رغم تكثيف الاتصالات الدبلوماسية وتعدد الأطراف المشاركة في جهود الوساطة. وتتمثل أبرز العقبات في استمرار تمسك طرفي الحرب بشروط متعارضة، إلى جانب الخلاف بشأن مستقبل المؤسسة العسكرية وقوات الدعم السريع وشكل السلطة الانتقالية بعد انتهاء القتال.

وشهدت جنيف في 21 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، اجتماعاً تشاورياً سادساً بمشاركة أكثر من عشرين دولة ومنظمة إقليمية ودولية، بهدف تنسيق المبادرات المختلفة وتعزيز فرص التهدئة.
ودعا المشاركون إلى خفض التصعيد بصورة عاجلة، والتوصل إلى هدنة إنسانية تمهد لوقف دائم لإطلاق النار، محذرين من أن المكاسب العسكرية المتبادلة تأتي على حساب المدنيين وتفاقم مخاطر المجاعة والانهيار الإنساني.

وشدد الاجتماع على أن الحرب لا يمكن حسمها عسكرياً، وأن تحقيق السلام يتطلب عملية سياسية سودانية شاملة تضم مختلف القوى المدنية والسياسية، بما فيها النساء والشباب، وتفضي إلى مسار انتقالي متفق عليه وحكم مدني مستدام.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى