أحداث

من التعبئة إلى الاقتصاد الموازي.. تقرير يرصد استراتيجية الإخوان في السودان


قال مصدر في لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو/حزيران 1989 واسترداد الأموال العامة إن عودة نفوذ الإخوان جاءت بفعل إعادة بناء بيئة سياسية وأمنية سمحت بإعادة تموضع شبكات النظام السابق داخل مؤسسات الدولة، مستفيدة من تعثر مسار تفكيك نظام الثلاثين من يونيو/حزيران وتراجع إجراءات الإصلاح، ما أتاح لها استعادة أدوار قوية في الإدارة والمؤسسة العسكرية والاقتصاد والإعلام.

وأكد المصدر أن الحرب وفرت للإخوان مساحة تحرك واسعة أعادت إنتاج نفوذهم عبر الحرب والشبكات الموازية، مستفيدين من خبرتهم التنظيمية والمالية، فضلاً عن إخراج عبد الفتاح البرهان لعناصر وقيادات الحزب المحول من السجون وإشراكهم في المشهد ما ساهم في عودة أدوات التعبئة والتنظيم المرتبطة بالنظام السابق.

ويرتبط مستقبل السودان في الوقت الراهن بقدرة الدولة الجديدة على تفكيك هذه الشبكات، وإعادة بناء مؤسسات مهنية مستقلة، ومنع استخدام الحرب كغطاء لإعادة إنتاج مشاريع أيديولوجية داخل مفاصل الدولة.

وأوضح المصدر أن ما قاله مقرر لجنة التمكين، الدكتور صلاح مناع، يمثل رؤوس مواضيع من دون تفاصيل وهو غيض من فيض التآمر الإخواني على النظام الانتقالي، مشيراً إلى أن مناع يعد صندوقاً أسود لذاكرة اللجنة.

وأضاف المصدر أن السؤال الأدق لا يتعلق بعودة الإسلاميين، وإنما بكيفية إعادة بناء البيئة التي سمحت باستعادة نفوذهم. 

وبيّن أنه منذ إجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2021 الانقلابية، دخل السودان مرحلة شهدت تراجعاً لمسار تفكيك نظام الثلاثين من يونيو/حزيران، وتعثر تنفيذ سياسات إصلاح مؤسسات الدولة، ما أوجد مساحة أوسع لعودة كوادر إخوانية ورؤوس أموال وضباط وقضاة ووكلاء نيابة ووزراء وشبكات مرتبطة بالنظام السابق إلى مواقع مؤثرة داخل الجهاز الإداري والقوات النظامية ومؤسسات الدولة بدرجات متفاوتة.

وأكد المصدر أن الحرب سرعت هذا المسار بصورة أكبر، فمع انتقال الدولة إلى اقتصاد الحرب، وتعاظم الدور الأمني والعسكري، استعادت شبكات كانت تمتلك خبرة تنظيمية وإدارية ومالية فرصاً جديدة للحركة داخل قطاعات الإعلام والتعبئة والعمل الأهلي وبعض مفاصل الإدارة العامة، وذلك عبر قرارات ارتدادية أصدرها البرهان وجماعة الانقلاب.

وأشار إلى أن خطاب التعبئة العقائدية عاد بقوة، مع تنامي التعبئة الحديث عن تشكيلات شعبية ومبادرات تعبئة مساندة للمجهود الحربي، لافتاً إلى أن البرهان أعاد تفعيل الكتائب الجهادية الإخوانية ومنظومة ما عرف بالدفاع الشعبي تحت مسمى المقاومة الشعبية، وهو ما أعاد إلى الأذهان أدوات استخدمت خلال حقبة نظام الإنقاذ وأدت إلى مقتل أعداد كبيرة وتقسيم البلاد.

وفي هذا السياق، قال مستشار التنمية الدولية السودانية، الدكتور الوليد آدم مادبو إن مشكلة السودان لم تكن يوماً في الإسلاميين وحدهم، ولا في الطائفية وحدها، ولا حتى في المؤسسة العسكرية بمعزل عن المجتمع، بل في طبقة كاملة احترفت ارتداء الأقنعة وتبديلها وفقاً لمقتضيات المرحلة.

وأضاف مادبو أن هناك طبقة خرج معظمها من الفقر والقحط التاريخي، ثم اكتشفت مبكراً أن السيطرة على الدولة أسهل كثيراً من خوض منافسة عادلة في ميادين الاقتصاد والثروة والكثافة البشرية، ليس باعتبارها هوية إثنية صافية، بل كعقل سياسي يقوم على احتكار السلطة وإعادة إنتاج الهيمنة عبر الرموز والشعارات والأيديولوجيات.

وأوضح مادبو أن فهم الإسلامي السوداني يصعب اختزاله في كونه مجرد متشدد ديني أو أنه عضو في تنظيم عقائدي مغلق، مشيراً إلى أن الإسلام السياسي في السودان لم يكن، في كثير من تجلياته، سوى أحد الأقنعة التي استخدمتها بنية الهيمنة القديمة لإعادة تدوير نفسها. 

وأشار إلى أن الفارق الجوهري لا يكاد يظهر بين الإسلاموي والطائفي وبعض القوميين واليساريين المنتمين إلى ذات المركز؛ لافتاً إلى أن الاختلاف كان غالباً في اللغة المستخدمة، لا في النظرة العميقة للدولة والهامش والسلطة، إذ تعاملت هذه القوى مع الريف السوداني باعتباره مجالاً للتعبئة أو الخضوع أو إعادة الصياغة القسرية، لا بوصفه شريكاً متساوياً في الوطن. 

من جانبه، قال مساعد رئيس حزب الأمة القومي السوداني، عروة الصادق إن تجميد مسار العدالة الانتقالية، وتعثر ملفات المحاسبة، وتوقف مشروع الإصلاح المؤسسي وإعادة هيكلة القوات النظامية، أدى إلى تقليص الضغوط التي كانت تستهدف تفكيك شبكات النظام السابق.

وأضاف الصادق أن ذلك أدى إلى تحول الحرب إلى بيئة سمحت بإعادة ترتيب التحالفات، وإعادة تموضع كوادر التنظيم المحلول والحركة الإخوانية التي تمتلك خبرة تدميرية تخريبية طويلة في إدارة التنظيم والعمل السري والاقتصاد الموازي.

وأوضح الصادق أن الحرب لم تكن سبباً منفرداً في عودة نفوذ الإسلاميين، لكنها شكلت بيئة مواتية لإعادة إنتاج شبكات النفوذ القديمة داخل واقع جديد تحكمه اعتبارات الأمن والتعبئة واقتصاد الحرب.

وأشار إلى أن مستقبل السودان لن يتحدد بنتيجة المعركة العسكرية وحدها، وإنما بمدى قدرة الدولة لاحقاً على بناء مؤسسات مهنية، وإرساء سيادة القانون، ومنع أي شبكة أيديولوجية سياسية أو اقتصادية من احتكار مؤسسات الدولة أو توظيفها لخدمة مشروع حزبي أو أيديولوجي، خصوصاً مع إعادة تمكين عناصر من الحزب الذين أخرجهم البرهان من السجون ومكنهم من القرار الحكومي.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى