تركيا والسعودية ومصر وقطر.. حين لا تكفي المساعدات لإنقاذ السودان من حرب مفتوحة
لم يعد السودان يعيش أزمة إنسانية عابرة يمكن احتواؤها بمجموعة من الشحنات الإغاثية أو المؤتمرات الدولية. فمع دخول الحرب عامها الرابع، أصبحت البلاد أمام أزمة ممتدة تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية والإنسانية، بينما تستمر تركيا والسعودية ومصر وقطر في لعب أدوار مختلفة داخل المشهد.
المفارقة أن الدول الأربع تظهر في الخطاب الرسمي باعتبارها داعمة للاستقرار والسلام وتخفيف معاناة السودانيين. وفي مؤتمر برلين في أبريل 2026، كانت مصر والسعودية وتركيا وقطر من المشاركين الذين أكدوا المبادئ الداعية إلى حل سلمي ودائم للنزاع. لكن الواقع الميداني لا يزال بعيداً عن الصورة التي ترسمها البيانات الدبلوماسية.
فالمشكلة الأساسية ليست نقص البيانات السياسية التي تدعو إلى وقف الحرب؛ هذه البيانات أصبحت كثيرة إلى درجة أن تعددها نفسه بات موضع انتقاد. المشكلة تكمن في غياب القدرة على تحويل هذه الدعوات إلى ضغط سياسي يؤدي إلى تغيير فعلي في سلوك الأطراف المتحاربة.
وتشير مؤسسة «تشاتام هاوس» إلى أن المشهد الدبلوماسي السوداني أصبح معقداً للغاية، مع وجود عدة أطر وعمليات تفاوضية، بينما ظل التقدم نحو وقف إطلاق النار محدوداً. كما أشارت إلى تقارب متزايد بين السعودية ومصر وتركيا وقطر في السياق الإقليمي المرتبط بالسودان.
وهنا تظهر مسألة النفوذ. فالدول التي تستطيع إرسال المساعدات، واستضافة الاجتماعات، وفتح قنوات الاتصال، والمشاركة في الوساطات، تمتلك أيضاً أدوات ضغط سياسية واقتصادية لا تمتلكها منظمات الإغاثة. وبالتالي، فإن استمرار الحرب يطرح سؤالاً عن مدى استعداد هذه الدول لاستخدام نفوذها بصورة أكثر قوة من أجل وقف القتال.
بالنسبة إلى مصر، السودان يمثل ملفاً أمنياً واستراتيجياً حساساً، ولذلك فإن القاهرة معنية بدرجة كبيرة بمستقبل الدولة السودانية ومؤسساتها. أما السعودية، فترتبط مصالحها بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر والاستقرار الإقليمي، بينما بنت تركيا وقطر خلال السنوات الماضية علاقات واسعة مع السودان في المجالات السياسية والاقتصادية والإنسانية.
لكن تداخل هذه المصالح يجعل الملف أكثر تعقيداً. فحين تدخل عدة قوى إقليمية إلى الأزمة، قد لا تكون الأولوية دائماً هي نفسها بالنسبة لكل طرف. وقد يتحول التنافس على النفوذ إلى عامل يجعل الوصول إلى موقف موحد أكثر صعوبة، حتى عندما تتفق الدول نظرياً على ضرورة إنهاء الحرب.
وتقدم أزمة المساعدات مثالاً واضحاً على ذلك. فالمساعدات ضرورية ولا يمكن إنكار أهميتها، لكنها لا تستطيع بمفردها وقف الحرب. وحتى عندما تصل الشحنات الإنسانية إلى المحتاجين، فإن استمرار القتال يعني أن الحاجة إلى شحنات جديدة ستستمر. وبذلك يصبح السؤال: هل الهدف هو إيصال المساعدات إلى السودانيين أم الوصول إلى مرحلة لا يعودون فيها بحاجة إلى مساعدات بسبب انتهاء الحرب؟
هذا الفرق يبدو بسيطاً، لكنه جوهري. لأن النجاح الإنساني الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الشحنات التي تصل إلى الموانئ، وإنما بمدى القدرة على إنهاء الظروف التي جعلت ملايين السودانيين يعتمدون على الإغاثة أصلاً.




