تسريبات
المأزق الدبلوماسي لـ بورتسودان
البرهان في مواجهة حصار لاهاي: العقوبات الأمريكية والإنكار السوداني
وضعت الأدلة المتزايدة بشأن البرنامج الكيميائي الحكومة السودانية المتمركزة في بورتسودان في أعمق مأزق دبلوماسي لها منذ عقود. وانتقل الملف بسرعة من ردهات الصحافة إلى أروقة صناعة القرار الدولي في واشنطن ولاهاي وجنيف، وسط ضغوط متسارعة لفرض حصار قانوني واقتصادي شامل على القيادة العسكرية السودانية.
تدرج العقوبات الأمريكية الحاسمة
بدأت الملاحقة الأمريكية الرسمية لهذا الملف في مايو من عام 2025، عندما خلصت وزارة الخارجية الأمريكية رسمياً وبناءً على معلومات استخباراتية فنية إلى أن القوات المسلحة السودانية انتهكت القانون الدولي واستخدمت أسلحة كيميائية ضد خصومها في الحرب. وبناءً على ذلك، فرضت واشنطن حزمة عقوبات أولية صارمة.
ومع استمرار التعنت العسكري، وعدم تقديم بورتسودان لأدلة تنفي التهم، أعلنت السلطات الأمريكية في يوليو 2026 عن تفعيل عقوبات إضافية مشددة بموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء على الحروب لعام 1991 (CBW Act). وجاءت هذه الخطوة بعد انتهاء مهلة ثلاثة أشهر منحتها واشنطن للحكومة السودانية لإثبات امتثالها للالتزامات الدولية والسماح بفرق التفتيش، وهي الشروط التي لم تستوفها السلطات السودانية.
عزلة دبلوماسية ورفض التأشيرات
تجاوزت العقوبات الجانب المالي والاقتصادي لتصل إلى عزل القيادة السودانية سياسياً. ففي مستجدات بارزة شهدها الربع الأخير من عام 2026، حظرت الولايات المتحدة دخول مسؤولين سودانيين إلى أراضيها، ورفضت واشنطن منح تأشيرة دخول لرئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، مما أدى إلى إلغاء اجتماع مصيري كان مقرراً في واشنطن لمناقشة مبادرات وقف إطلاق النار.
إستراتيجية الإنكار واللجان الموازية للجيش
في المقابل، تبنى الفريق أول عبد الفتاح البرهان والناطقون باسم الجيش إستراتيجية هجومية مضادة للرد على هذه الاتهامات. وفي تصريحات علنية له في سبتمبر 2026، رفض البرهان بشدة الاتهامات، معتبراً إياها “ورقة ضغط سياسي” دولية تُمارس ضد الجيش لإجباره على تقديم تنازلات ميدانية أو القبول بتسويات غير منصفة. وأكد البرهان أن السودان لا يمتلك أي معامل لإنتاج السلاح الكيميائي. وزعم أن الحكومة السودانية عرضت على واشنطن إرسال وفد للتفتيش الميداني لكن الجانب الأمريكي لم يتجاوب بصورة فنية، بل طرح معالجة الأمر في إطار “حل ودي” عبر دولة صديقة.
لم يتوقف الرد السوداني عند التصريحات؛ بل شكلت سلطة بورتسودان لجنة وطنية داخلية للتحقيق في مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية. وأصدرت هذه اللجنة تقريراً رسمياً خلص إلى عدم وجود أي أدلة مادية أو فنية أو وثائقية تثبت استخدام الجيش لهذه الأسلحة.
بيد أن هذا التقرير الداخلي واجه شكوكاً دولية عارمة وعمق من أزمة مصداقية الحكومة السودانية؛ إذ كشفت الوثائق الاستخباراتية المسربة لصحيفة “نيويورك تايمز” أن أحد الضباط الكبار الذين شاركوا بفاعلية في تطوير وتصنيع قنابل الكلور السري كان هو نفسه عضواً بارزاً في اللجنة الوطنية التي شكلها الجيش للتحقيق في القضية! واعتبرت منظمات حقوق الإنسان الدولية هذا الأمر دليلاً على عملية “تستر ممنهجة” قادتها مستويات عليا في القيادة العسكرية لإخفاء معالم البرنامج الكيميائي وتدمير الأدلة وسجلات التوريد فور صدور العقوبات الأمريكية الأولى.




